إعادة توحيد الأحزاب العربية تهدف إلى اكتساب مزيد من القوة، لكنها قد تنتهي بمنح نتنياهو مزيدا من السلطة
بينما تدرس الأحزاب العربية إعادة تشكيل "القائمة المشتركة"، ثمة مخاوف لدى المعارضة من أن يؤدي هذا الكيان الضخم في نهاية المطاف إلى إضعاف الكتلة المناهضة لنتنياهو، مما يساهم عن غير قصد في بقاء رئيس الوزراء في السلطة

بينما تتسابق الأحزاب والسياسيون لحجز مواقعهم قبيل انتخابات هذا العام، يُنظر إلى إعادة التوحيد المقترحة للقائمة المشتركة للأحزاب العربية كخطوة تمتلك القدرة على إعادة تشكيل المشهد الانتخابي بشكل كبير، من خلال تعزيز نسبة مشاركة الناخبين العرب وتقوية تمثيل المجتمع في الكنيست.
ولكن على الرغم من أن الفصائل التي قد تشكل القائمة المشتركة المحتملة تعارض بشكل عام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو واستمرار حكمه، فإن توحيد قواها قد ينتهي به الأمر بمساعدة زعيم حزب الليكود وحلفائه اليمينيين على البقاء في السلطة.
وقد وقعت أحزاب “القائمة العربية الموحدة” الإسلامي، و”الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” (ذات الأغلبية العربية)، و”العربية للتغيير”، و”التجمع الوطني الديمقراطي” اتفاقًا الشهر الماضي للعمل نحو خوض الانتخابات المقبلة معًا، استجابةً للضغوط الشعبية على هذه الفصائل للوحدة وتعزيز نفوذها في السياسة الداخلية الإسرائيلية
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
ومن خلال الاندماج في قائمة انتخابية واحدة، يُتوقع أن تفوز القائمة المشتركة بمقاعد أكثر مما قد تحققه الأحزاب إذا خاضت الانتخابات بشكل منفصل، لكن هذه المكاسب قد تأتي بشكل غير مباشر على حساب أحزاب أخرى من الوسط واليسار تقود المساعي للإطاحة بنتنياهو.
وأفادت مصادر في كل من حزبي القائمة العربية الموحدة والجبهة لـ”تايمز أوف إسرائيل” أن هذه المخاوف حقيقية وتؤخذ بعين الاعتبار في المفاوضات المتعلقة بإمكانية التوحد مرة أخرى.
وتشير التوقعات إلى أن معظم مكاسب القائمة المشتركة ستأتي من زيادة نسبة مشاركة الناخبين من العرب، بدلًا من سحب الدعم من أحزاب أخرى.
إن ارتفاع أرقام المشاركة من شأنه أن يرفع عدد الأصوات المطلوبة للأحزاب لتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% واللازمة لدخول الكنيست. وبينما سيؤثر ذلك على الأحزاب عبر الطيف السياسي، فمن المرجح أن يؤثر بشكل غير متناسب على الكتلة المناهضة لنتنياهو، والتي تعاني من تفتت كبير وتضم عددًا من الفصائل التي تتأرجح عند عتبة نسبة الحسم.
وبما أن معظم الأحزاب في الكتلة المناهضة لنتنياهو قد تعهدت بعدم الاعتماد على السياسيين العرب للحصول على الدعم، فإن تقوية القائمة المشتركة لن تُحتسب أيضا ضمن جهودهم لبناء ائتلاف حكومي يضم 61 عضوًا على الأقل في الكنيست.
ونتيجة لذلك، تواجه الأحزاب العربية الآن معضلة بين تعظيم تمثيلها في الكنيست على حساب فرص المعارضة في الإطاحة بحكومة نتنياهو، أو خوض الانتخابات بشكل منفصل، مما يحقق مقاعد أقل ولكن يزيد من احتمالية تغيير الحكومة إلى أخرى تكون أقل ميلاً لاتخاذ موقف عدائي تجاه ناخبيها.
وقال البروفيسور غدعون راهط، الزميل البارز في برنامج الإصلاح السياسي بالمعهد الإسرائيلي للديمقراطية: “في الظاهر، يبدو [الاندماج] جيدًا للتمثيل العربي”.
وأشار راهط إلى أن الأحزاب قد دُفعت نحو إعادة التوحيد بسبب الغضب الشعبي المتزايد جراء موجة الجريمة التي تعصف بالمجتمع العربي، والتي تفاقمت بشكل ملحوظ في ظل سيطرة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير على الشرطة.
منذ بداية العام، قُتل 51 شخصا في المجتمع العربي في جرائم قتل عنيفة، يرتبط الكثير منها بالجريمة المنظمة والصراعات العشائرية، مما ينذر بمعدل قتل لهذا العام أعلى من الرقم القياسي المسجل في عام 2025 والذي بلغ 252 قتيلًا.
وقد وجه الجمهور العربي انتقادات حادة لبن غفير، وهو قومي متطرف لديه تاريخ من المواقف المناهضة للعرب ومتهم بتسييس جهاز الشرطة.
وقال راهط: “لديهم هذه المشكلة الضخمة المتمثلة في الجريمة والقتل التي لا يكترث لها بن غفير، والاتحاد قائم على حاجة حقيقية لهم للتكاتف لمعالجة هذه القضية. لكن المفارقة هي أن ذلك قد يؤدي إلى حكومة يمينية تصب في النهاية في مصلحة كل من بن غفير ونتنياهو”.
عندما جُرب هذا الاندماج لأول مرة قبل أكثر من عقد، أثار موجة نادرة من الحماس في المجتمع العربي، مما أدى إلى رفع نسبة المشاركة ووصول القائمة المشتركة إلى 13 مقعدا، لتصبح ثالث أكبر قوة في الكنيست. ومنذ ذلك الحين، شهدت القائمة المشتركة فترات من التحالف والانفصال، حيث أدت الخلافات الحادة بين الأحزاب إلى خلق توتر مستمر رغم فوائد الوحدة.
وفي عام 2022، وهي المرة الأخيرة التي أُجريت فيها الانتخابات، خاض كل من حزب التجمع الوطني الديمقراطي والقائمة العربية الموحدة الانتخابات بشكل منفصل، حيث فشل التجمع في تجاوز نسبة الحسم رغم حصوله على أصوات كافية لثلاثة مقاعد إضافية، مما أدى إلى تقليص التمثيل العربي في الكنيست.
الانتخابات ليست مقررة حتى أكتوبر، ولكن إذا أُجريت الآن، فإن استطلاعات الرأي المتتالية، بما في ذلك استطلاع لـ”زمان يسرائيل”، موقع “تايمز أوف إسرائيل” باللغة العبرية، تظهر فوز القائمة المشتركة بما بين 12 و15 مقعدا، مقارنة بـ 10 مقاعد من المتوقع أن تحصل عليها في حال عدم توحدها.
ومع ذلك، وفقا لراهط، فإن ما يهم أكثر من عدد المقاعد هو كيفية استخدامها؛ حيث أشار إلى أنه في عام 2021، تمكن نفتالي بينيت من تحويل حصول حزبه “يمينا” على ستة مقاعد إلى منصب رئيس الوزراء، من خلال التريث في محادثات الائتلاف والمساومة بصرامة مع زعيم الائتلاف المفترض يئير لبيد، الذي اعتمدت آماله في الإطاحة بنتنياهو على دعم “يمينا”.
تُبدي القائمة العربية الموحدة انفتاحًا كبيرًا على الانضمام إلى أي حكومة؛ بينما من المرجح أن يكون حزبي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وكذلك الحركة العربية للتغيير منفتحتين فقط على النظر في دعم كتلة مناهضة لنتنياهو، وغالبًا من صفوف المعارضة فقط، في حين يعارض حزب التجمع الوطني الديمقراطي دعم أي ائتلاف يقوده صهاينة بأي شكل من الأشكال.
(Avshalom Sassoni/Flash90)
وقد طالب منصور عباس، زعيم القائمة العربية الموحدة، بأن يتم تشكيل الكتلة كتحالف تقني بحت، ينفصل ليعود إلى أحزاب منفصلة فور انتهاء الانتخابات، وذلك ليتيح له خيار الانضمام إلى ائتلاف حكومي بشكل منفرد.
ووفقا للتقارير، فإن رغبة القائمة الموحدة في الانضمام إلى الحكومة قد أعاقت محادثات اندماج الاحزاب العربية لعدة أشهر، حيث يمكن لنهج الفصيل المنفصل تمامًا أن يعقد قدرة القائمة المشتركة على القيام بحملات انتخابية مشتركة لكسب الأصوات
والآن، تقول مصادر حزبية إن الحسابات الانتخابية تجعلهم يتريثون أكثر.
وقالت مصادر في حزب الجبهة لـ”تايمز أوف إسرائيل” إن الأحزاب “تدرس” مدى تأثير القائمة المشتركة على حظوظ المعارضة وفرص الإطاحة بالحكومة الحالية، وهو الأمر الذي تسعى إليه بشدة.
وقال مصدر مطلع على المحادثات إن الأحزاب لم تكن لتتجه نحو الاندماج على الإطلاق بسبب هذه المخاوف، من بين أمور أخرى، لولا الضغط الهائل من الشارع العربي للقيام بذلك.
في وقت سابق من هذا الشهر، أعرب مصدر في القائمة العربية الموحدة، في حديث لـ”تايمز أوف إسرائيل”، عن مخاوف مماثلة من أن التوحيد قد يضر بفرصهم في استبدال الحكومة.
وفي الانتخابات الأخيرتين، أظهر الحزب قوة ملموسة بمفرده، حيث فاز بـ 6 مقاعد في عام 2021 و5 مقاعد في عام 2022. وبينما لم يتضح بعد كيف سيتم تقسيم المقاعد بين أحزاب القائمة المشتركة، فمن غير المرجح أن تحصل القائمة الموحدة على أكثر من 5 مراكز ضمن المقاعد الـ 15 الأولى في القائمة المشتركة.
وحتى لو انفصل الحزب عن القائمة المشتركة فور انتهاء الانتخابات للانضمام إلى ائتلاف، فإنه لن يجلب معه سوى عدد قليل من المقاعد الإضافية، وهو ما تُظهر استطلاعات الرأي الحالية أنه بالكاد سيجعل الكتلة المناهضة لنتنياهو تتجاوز عتبة الـ 60 مقعدًا في أفضل السيناريوهات. وقد حذر مسؤولون في القائمة الموحدة من أنهم سيترددون في رهن مصيرهم بمثل هذه الأغلبية الهشة
وقال مصدر في القائمة العربية الموحدة: “حتى لو أدت الحكومة اليمين الدستورية، فإن حكومة كهذه لا يمكنها تمرير ميزانية وستنهار بعد عام واحد. لا يمكنك دخول ائتلاف من هذا القبيل”.
ومع ذلك، إذا خاضت الأحزاب الانتخابات بشكل منفصل، فستكون الكتلة المناهضة لنتنياهو أقرب إلى تشكيل ائتلاف.
قبل أن تتجه الأحزاب نحو إعادة التوحيد، أظهرت استطلاعات الرأي أن الكتلة المفترضة المناهضة لنتنياهو كانت على وشك الحصول على دعم كاف لتشكيل ائتلاف. ومع ذلك، يرى راهط أن دخول القائمة المشتركة المحتمل إلى الصورة أدى إلى تضاؤل تلك الاحتمالات.
فقد أظهرت الاستطلاعات التي أُجريت قبل الإعلان عن الاندماج المحتمل بين الأحزاب العربية -بما في ذلك استطلاع “زمان يسرائيل” في 22 يناير، والذي نُشر في اليوم الذي وقعت فيه الأحزاب اتفاقا للعمل على قائمة واحدة – فوز كتلة المعارضة المفترضة بـ 56 مقعدا، وهو ما يكفي لتجاوز العقبة بمساعدة القائمة العربية الموحدة التي حصلت في الاستطلاع على 6 مقاعد.
لكن استطلاعًا لـ”زمان يسرائيل” في 4 فبراير منح القائمة المشتركة 14 مقعدا، ووضع نفس المجموعة من أحزاب المعارضة عند 54 مقعدًا، وهو ما يقل عن أغلبية ائتلافية حتى مع انضمام حزب القائمة العربية الموحدة.
وقال راهط: “إذا نظرت إلى الاستطلاعات الأخيرة، فبدون [تشكيل] القائمة المشتركة، تمتلك المعارضة ما يقرب من 57 إلى 61 مقعدا، بينما يمتلك نتنياهو 40 إلى 52 مقعدًا. أما إذا فازت القائمة المشتركة بـ 15 مقعدًا، فإن كتلة المعارضة، التي سيقودها بينيت على الأرجح، لن تكون قادرة على الوصول إلى 61 مقعدا لتشكيل حكومة بدونهم”.
وأشار راهط إلى أن نتنياهو يبدو وكأنه “يستمتع” بحقيقة أن القائمة المشتركة قد تعود للحياة، وتوقع أن يتجنب رئيس الوزراء محاولة دق إسفين بين الأحزاب العربية أو قمع نسبة مشاركة العرب، كما اتُهم بالقيام به في الماضي.
وقال راهط: “إذا كان تحليلي صحيحًا والقائمة المشتركة تصب في صالح نتنياهو، فلن نرى اليمين يحاول جاهدًا الحد من قدرتهم على التنافس في الانتخابات، أو يعلق كما فعل في عام 2015 عندما قال إن ‘العرب يهرولون إلى صناديق الاقتراع بأعداد هائلة'”.
أما بينيت، الذي يُعتبر المنافس الأقوى لنتنياهو في الانتخابات المقبلة، فقد دافع عن إشراك القائمة العربية الموحدة في حكومته للفترة 2021-2022.
لكنه قال أيضًا إنه لا يوجد الآن “تفويض” لتشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية في أعقاب الهجوم الذي قادته حماس في 7 أكتوبر 2023. كما استخدم آخرون في الكتلة المفترضة، بمن فيهم رئيس حزب “أزرق أبيض” بيني غانتس ورئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان، حق النقض ضد تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية.
وحرصًا منه على تجنب الطريق المسدود، قد يقرر بينيت وآخرون الانضمام إلى نتنياهو في حكومة وحدة بدلاً من الاعتماد على الأحزاب العربية للحصول على الدعم. ومع ذلك، وبخلاف لبيد، فإن نتنياهو سيطالب بالبقاء في السلطة وسيطلب من بينيت “الخضوع” أو الرحيل، وفقًا لتحليل راهط.
وقال: “لا أراه يوافق على أي شيء آخر”.
إذا لم يفعلوا ذلك، فقد تجد إسرائيل نفسها منساقة مجددًا نحو حلقة مفرغة من الانتخابات المتعاقبة، على غرار ما حدث في الفترة من 2019 إلى 2022، عندما توجهت البلاد إلى صناديق الاقتراع خمس مرات.
وكما اكتشفت البلاد خلال تلك الفترة الفوضوية، سيظل نتنياهو رئيسًا للوزراء بالوكالة طالما أن القوى المصطفة ضده لا ترقى إلى مستوى تشكيل ائتلاف حكومي، حتى لو كانت حكومته تحظى بدعم أقل.
وحذر راهط من أن الاندماج الذي يهدف إلى منح “العرب مزيدًا من القوة”، سينتهي به المطاف إلى “تدمير أي فرصة لإحداث تغيير”.