أعمال العنف في بني براك تأتي نتاجا لسنوات من التحريض الحاخامي وحملات مناهضة التجنيد
الاعتداء على الجنديتين يقع بعد أن أرسلت جماعة "فصيل القدس" المتشددة تنبيهًا خاطئًا يفيد بأنهما كانتا تحاولان تسليم أوامر تجنيد

يُعدّ هجوم الغوغاء الذي وقع يوم الأحد في مدينة بني براك ذات الأغلبية الحريدية، والذي حاصر فيه مئات الرجال جنديتين من الجيش الإسرائيلي، أحدث حلقة في سلسلة من الحوادث العنيفة، ويأتي في أعقاب تبني كبار الحاخامات لخطاب حاد ومتصاعد ضد الجيش، بينما يتم في الوقت ذاته تصوير المتهربين من الخدمة العسكرية كأبطال مجتمعيين.
وقع هذه الحادثة، التي شهدت قيام مثيري الشغب بقلب سيارة دورية وإضرام النار في دراجة نارية تابعة للشرطة، بعد أن اتصل أحد السكان على ما يبدو بخط ساخن يديره “فصيل القدس”، مدعيا زورا أن الجنديتين كانتا تحاولان تسليم أوامر تجنيد.
في واقعة الأمر، كانت الجنديتان – وهما قائدتا فصائل في سلاح التعليم والشباب – في زيارة منزلية رسمية لأحد الجنود في وحدتهما عندما واجهتا هذا الحشد من الغوغاء؛ ولم تكن لهما أي صلة بالشرطة العسكرية.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
وجاء في رسالة بريد إلكتروني أرسلتها الجماعة الحريدية المتشددة: “خلال ساعات الصباح، تلقى نظامنا عدة بلاغات تفيد بوصول جنود لتسليم أوامر تجنيد لطلاب المعاهد الدينية”.
وقال “فصيل القدس” إنه “عند الساعة الواحدة ظهرا، ومع اختتام جلسة الدراسة في المدارس الدينية (اليشيفات) والمعاهد الدراسية (الكوليلات)، أصدر نظام ’اللون الأسود’ تحديثا وتحذيرًا للجمهور. وفي الوقت نفسه، احتشدت جموع غفيرة للاحتجاج على اضطهاد عالم التوراة”.
لكن متحدثًا باسم الجماعة نفى، في حديثه مع “تايمز أوف إسرائيل”، أي مسؤولية عن الحادث، مصرحًا بأن أعمال الشغب “لم تكن منظمة”. كما أكد أن جميع أفراد الحشد “ينتمون إلى التيار الرئيسي” في المجتمع الحريدي، وهو ما يتناقض مع تصريحات سياسيي الائتلاف الحكومي الذين أصروا على أن المتورطين في العنف يمثلون فئة هامشية متطرفة.
Uniformed female soldiers fleeing in the Haredi neighbourhood of Bnei Brak pic.twitter.com/IS9G3obaL2
— Amit Segal (@AmitSegal) February 15, 2026
يُعرف “فصيل القدس”، وهو جماعة متطرفة من اليهود الحريديم تضم نحو 60 ألف عضو، بتنظيمه مظاهرات صاخبة بانتظام ضد التجنيد الإجباري لطلاب المعاهد الدينية اليهودية. وتُدير الجماعة خطا ساخنا هاتفيًا لحشد المجتمع عند قيام الجيش الإسرائيلي بعمليات إنفاذ القانون، كما ساعدت في توزيع عشرات الآلاف من الشواقل على طلاب المعاهد الدينية الذين اعتُقلوا بتهمة التهرب من التجنيد.
في حين أن انخراط “فصيل القدس” قد يبدو في البداية داعما لمزاعم أعضاء الكنيست الحريديم بأن مثيري الشغب لا يُمثلون مجتمعهم، إلا أن حجم المظاهرات الأخيرة، فضلا عن تصاعد حدة الخطاب المناهض للتجنيد الإجباري لقادة “التيار العام” الحريديم، يُشير إلى أن العنف لا يقتصر على فئة متطرفة فحسب.
يقول غلعاد مالاخ، الباحث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية: “إن خطاب قيادة الحريديم حاد للغاية، مما يُصعّب السيطرة على حدة الموقف فيما يتعلق بالشباب، الذين هم بطبيعتهم أكثر اندفاعًا من قادتهم الروحيين”.
وأضاف “كما رأينا في أعمال الشغب بالقدس، لا يقتصر الأمر على مشاركة شباب فصيل القدس فحسب، بل يشمل أيضا الشباب المعرضين للخطر وأولئك الذين يبحثون فقط عن ’الإثارة’. وبما أن الأجواء في الشارع الحريدي معادية للغاية تجاه الجيش والشرطة، فإنهم جميعا يشعرون براحة تامة في استخدام العنف.”
وكان مالاخ يشير إلى المظاهرة الحاشدة المناهضة للتجنيد الإجباري التي شهدتها القدس الشهر الماضي، والتي أشعل خلالها حشد كبير من المراهقين الحريديم النيران، وأغلقوا الطرق، وهاجموا حافلة ركاب، فدهس سائقها عددًا من المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل يوسف آيزنتال، البالغ من العمر 14 عاما.
كانت تلك المظاهرة واحدة من سلسلة احتجاجات ضد الجهود المبذولة لفرض التجنيد الإجباري على المجتمع الحريدي في أعقاب حكم المحكمة العليا عام 2024 والذي قضى بعدم قانونية الإعفاءات الشاملة الممنوحة منذ عقود لطلاب المعاهد الدينية المتفرغين، والتي كانت تُمنح لهم بشكل غير رسمي
يُذكر أن نحو 80 ألف شاب من الحريديم، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما، مؤهلون حاليًا للخدمة العسكرية، لكنهم لم يلتحقوا بها. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي عن حاجته المُلحة إلى 12 ألف مجند نظرا للضغط الذي تُسببه الحرب في غزة على القوات النظامية والاحتياطية.
وقد أغلق المتظاهرون الطرق السريعة، واعتدوا على ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي، بل واستهدفوا نوابًا من الحريديم يُنظر إليهم على أنهم لا يُعارضون التجنيد الإجباري بالقدر الكافي. وفي يناير/كانون الثاني، اقتحمت مجموعة من الغوغاء مؤتمرًا للجيش الإسرائيلي عُقد في بني براك لأعضاء لواء “الحشمونئيم” الحريدي، واعتدوا على جنود وقادة.
دفعت أعمال العنف تلك الحاخام دوف لاندو، الزعيم الروحي لفصيل “ديغل هتوراة” السياسي، وأحد أبرز قادة المجتمع الحريدي، إلى دعوة أتباعه إلى عدم المشاركة في المظاهرات.
ومع ذلك، امتنع لاندو وغيره من كبار الحاخامات الذين يمثلون ما يُسمى بـ”التيار العام” الحريدي عن تعديل خطابهم أو رفض استخدام شعارات شائعة مثل “سنموت ولن نُجند”.
وفي كلمة ألقاها أمام حشد في بني براك يوم الاثنين الماضي، أعلن لاندو – الذي دعا صراحة طلاب المعاهد الدينية إلى تجاهل أوامر التجنيد – أن كل من يتواطأ في “الجريمة الشنيعة” المتمثلة في اعتقال المتهربين من التجنيد يجب أن يعلم أنه قد يواجه حسابًا إلهيًا.
وبالمثل، صرّح الحاخام موشيه مايا، عضو مجلس حكماء التوراة الحاكم في حزب شاس، لإذاعة “كول باراما” الحريدية، بأن كل من يعتقل متهربا من الخدمة العسكرية “لا نصيب له في الآخرة” ويستحق أن يُنبذ دينيًا.
وجاءت تصريحات الحاخامين بعد يوم من اشتباكات الشرطة مع مثيري الشغب في بلدة أوفاكيم الجنوبية على خلفية اعتقال أحد الحريديم المتهربين من التجنيد.
وعندما سُئل مصدر مطلع في حزب “شاس” عما إذا كان يعتقد بوجود أي صلة بين تصريحات مايا وأحداث العنف التي وقعت يوم الأحد في بني براك، قال لـ”تايمز أوف إسرائيل” إنه “لا توجد أي صلة على الإطلاق”، وأكد أن الحريديم المعتدلين “قادرون على التمييز بين الخطاب المقبول وتجنب العنف الجسدي”.
وأضاف: “في الواقع، نحن لا نتحدث هنا عن أتباع الحاخامات السفارديم”.
إلا أن منتقدين مثل عضو الكنيست موشيه تور-باز (يش عتيد) خالفوه الرأي، حيث قال تور-باز، وهو عضو في لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست: “حتى لو كان مثيرو الشغب من الشباب المتطرفين، فإن تصريحات القادة لها صلة مباشرة بأفعالهم”، مستشهدًا بالقول المأثور في التلمود: “أيها الحكماء، كونوا حذرين في كلماتكم”.
بينما حذر من التعميم على المجتمع الحريدي بأكمله، إلا أن الضابط المتقاعد أمنون ألقلعي، المشرف السابق في الشرطة الإسرائيلية، اتفق مع هذا الطرح، مصرحًا لـ”تايمز أوف إسرائيل” بأن “خطاب كبار الحاخامات الذين يشكلون الرأي العام الحريدي ضد التجنيد في الجيش الإسرائيلي – فضلًا عن الموافقة الضمنية، سواءً أكانت بالفعل أو بالامتناع، على عبارات مثل ’نفضل الموت على التجنيد’ وغيرها من التصريحات والأفعال – يرتبط بأعمال شغب جماعية استهدفت الجنود من الجنسين، وكذلك ضد أفراد الشرطة”.
وقال: “بالنظر إلى سلطة الحاخامات، حيث يتمتع الكثير منهم بأتباع مخلصين يميلون لاعتبار كلماتهم تكليفًا إلهيًا ودعوة للتحرك، فإن هذا هو الكيفية التي تترسخ بها المسؤولية الحاخامية وتتحدد”، وجادل بأنه بينما قد لا يكون الحاخامات مسؤولين جنائيًا، فإن “المسؤولية العامة موجودة بكل تأكيد”.
من بين الذين أدانوا العنف بعد سنوات من الخطاب الحاد، الحاخام السفاردي الأكبر السابق، يتسحاق يوسف، الذي صرّح في بيان له بأن “مثيري الشغب يدنسون اسم السماء” ويجب “إدانتهم وطردهم من المجتمع”.
سبق أن دعا يوسف طلاب المعاهد الدينية إلى تمزيق أوامر التجنيد وإلقائها في المرحاض، وحذر من أنه إذا اعتقلت الحكومة طلاب المعاهد الدينية لتهربهم من التجنيد، فإن المجتمع الحريدي سيُجبر على مغادرة إسرائيل. وفي أغسطس الماضي، صرّح أيضًا خلال درس ديني قائلًا: “إذا جاءت الشرطة العسكرية، فقفوا في وجههم”، وفقًا لما ذكره موقع “واينت” الإخباري.
ردا على الانتقادات الموجهة إلى المجتمع الحريدي مساء الأحد، بدا نائب الوزير يسرائيل آيخلر (حزب يهدوت هتوراة) وكأنه يُحمّل السلطات مسؤولية العنف.
وفي بيان له، حذّر السياسي الحريدي مما وصفه بـ”العنف الحكومي العشوائي الذي يُلحق الضرر بالأبرياء”.
وقال في إشارة واضحة إلى جهود الجيش الإسرائيلي في ملاحقة المتهربين من التجنيد: “إن حملة الانتقام هذه في مدينة بني براك تُعرّض حياة الأبرياء للخطر، بمن فيهم الرضع وكبار السن والأطفال الصغار”، وأضاف: “ندعو وزير الأمن القومي ومفوض الشرطة وقادة الشرطة إلى عدم تنفيذ الأوامر غير القانونية الصادرة عن السياسيين والقضاة الذين يُحرّضون باستمرار”.