وفاة كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات (65 عاما) جراء إصابته بفيروس كورونا
بحث

وفاة كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات (65 عاما) جراء إصابته بفيروس كورونا

توفي الأمين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية وكبير مساعدي عباس نتيجة فيروس كورونا؛ كان أحد المهندسين الرئيسيين لاتفاقيات أوسلو، خصم إسرائيل في المنتديات العالمية، ومعارضا شديدا لخطة ترامب

توفي الدبلوماسي الفلسطيني صائب عريقات الذي أمضى عقودا في قيادة المفاوضات مع إسرائيل، عن عمر يناهز 65 عاما، بسبب مضاعفات فيروس كورونا، حسبما أعلن المستشفى الإسرائيلي الذي نقل إليه يوم الثلاثاء.

ونقل عريقات إلى مستشفى هداسا عين كارم في القدس الشهر الماضي بعد عدة أيام من تلقيه العلاج من ابنته في منزله بالضفة الغربية.

وقاد عريقات مفاوضات فلسطينية متتالية مع إسرائيل لعقود من الزمن، بما في ذلك المحادثات التي أدت إلى توقيع اتفاقات أوسلو عام 1995، وهي أول اتفاقية سلام كبرى بين إسرائيل والفلسطينيين. وكان شخصية محورية في السياسة الفلسطينية لعقود من الزمان، وأصبح أمينا عاما لمنظمة التحرير الفلسطينية في عام 2015، لكن تأثيره في تشكيل محادثات السلام مع إسرائيل وعلاقات رام الله مع العالم تجاوز منصبه البيروقراطي.

وقد نادى بشدة وعزم الى قيام دولة فلسطينية، وأكد العديد من المسؤولين الإسرائيليين الذين جلسوا أمامه على طاولة المفاوضات على التزامه بحل الدولتين.

لكن عريقات كان أيضا شخصية مثيرة للجدل. وبالنسبة لبعض الإسرائيليين، كان خطابه المتشدد رمزًا للتصلب الفلسطيني. واشتهر بتأكيده الكاذب أن إسرائيل ذبحت مئات الفلسطينيين في مخيم جنين للاجئين عام 2002. وكان من أشد المدافعين عن سياسة السلطة الفلسطينية المستمرة في تقديم دفعات لعائلات منفذي الهجمات الفلسطينيين.

وبالنسبة للفلسطينيين المحبطين، كان عريقات جزءًا من قيادة مسنة وغير متغيرة فشلت في الوفاء بوعدها المركزي – قيام الدولة – حتى مع استمرارها في التنسيق مع إسرائيل.

وأعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الحداد بتنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام في مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية. ووصف عريقات بـ”الأخ والصديق، المناضل الكبير”.

وقال عباس إن صائب عريقات “أمضى حياته مناضلاً ومفاوضاً صلباً دفاعاً عن فلسطين، وقضيتها، وشعبها، وقرارها الوطني المستقل”.

“ليس مفاوضًا بسيطًا للتعامل معه”

وولد عريقات في بلدة أبو ديس، الواقعة على مشارف القدس، في عام 1955، وشاهد انتزاع الجنود الإسرائيليون السيطرة على الضفة الغربية من الأردن في عام 1967. وحصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير من جامعة ولاية سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة.

كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات يجيب على سؤال في مؤتمر صحفي في مدينة أريحا بالضفة الغربية 9 يوليو 1999. (AP Photo/Jacqueline Larma)

وحصل على شهادة الدكتوراه في دراسات السلام من جامعة برادفورد في المملكة المتحدة قبل أن يعود إلى الضفة الغربية لتدريس العلوم السياسية في جامعة النجاح في نابلس. واستقر عريقات في نهاية الأمر مع زوجته وأربعة أبناء في مدينة أريحا.

وكان عريقات، وهو عضو في حركة فتح الفلسطينية، من المقربين من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس حركة فتح ياسر عرفات. وبعد وفاة عرفات، أصبح عريقات مساعدا مقربا لخليفته، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

وكان عريقات من أوائل المدافعين عن المحادثات مع إسرائيل. وحتى بداية سنوات الثمانينيات، أعلن أن الصراع مع إسرائيل ليس له حلا عسكريا.

وشغل عريقات منصب رئيس فريق التفاوض الفلسطيني في مؤتمر مدريد عام 1991 قبل ترأس الوفد الفلسطيني خلال المحادثات التي أدت إلى اتفاقات أوسلو، حيث طور سمعته كمفاوض صعب المراس.

وقال جلعاد شير، مفاوض إسرائيلي رفيع شارك في “مئات الاجتماعات” مع عريقات: “كان لديه معرفة كبيرة، وذاكرة لا تصدق. يمكن أن يكون يدقق إلى درجة مزعجة. لم يكن مفاوضًا بسيطًا [للتعامل معه]. لكنني كنت أعتقد دائمًا أن وراء ذلك تكمن الرغبة في تعزيز مصلحة الفلسطينيين، ونعم، للتوصل إلى اتفاق”.

وكان عريقات يتحدث الإنجليزية بطلاقة وبلاغة، وكان يتمتع بسلوك ساحر وجذاب، مما جعله يصبح بسرعة وجه منظمة التحرير الفلسطينية في الصحافة الدولية. وخلال السنوات الأولى والمليئة بالأمل من عملية أوسلو، حافظ أيضا على اتصالات وثيقة مع عدد من نظرائه في الجانب الإسرائيلي.

وابتداء من عام 1999، شارك في جولات لا نهاية لها من الاجتماعات مع نظرائه الإسرائيليين والأمريكيين، سعيا إلى تحقيق انفراجة في إقامة الدولة الفلسطينية. وتعثرت تلك المحادثات – التي أدت إلى قمم سلام بوساطة أمريكية في كامب ديفيد عام 2000 وطابا في أوائل يناير 2001 – في النهاية، حيث انتقد الإسرائيليون والفلسطينيون عناد بعضهم البعض. وقال عريقات في مقابلة مع البرنامج الوثائقي الإخباري “فرونت لاين”: “في نهاية اليوم، أعرف أن بإمكان الفلسطينيين والإسرائيليين صنع السلام. يتألم قلبي لأنني أعرف أننا كنا قريبين للغاية”.

ويُعزى فشل محادثات كامب ديفيد على نطاق واسع إلى عرفات، بما في ذلك من قبل الرئيس بيل كلينتون، الذي استضاف هذه المبادرة، وصرح لاحقًا: “يؤسفني أن عرفات أضاع في عام 2000 الفرصة لتحقيق قيام هذه الأمة [الفلسطينية]، وأصلي من أجل اليوم الذي تتحقق فيه أحلام الشعب الفلسطيني بدولة وحياة أفضل مع سلام عادل ودائم”.

وتبع فشل المحادثات تصاعد الانتفاضة الثانية، والاحتجاجات الفلسطينية والهجمات التي بدأت في أواخر عام 2000. وأودت أعمال العنف بحياة حوالي 3000 فلسطيني و1000 إسرائيلي. لكن استمر عريقات في الإصرار على أنه لا يزال بإمكان الإسرائيليين والفلسطينيين التغلب على الانقسام.

وقال عريقات لصحيفة “نيويورك تايمز” في منزله بأريحا في أواخر عام 2001، بعد فشل محادثات طابا: “حتى في هذه الساعات الأكثر ظلمة، أعتقد أنه يمكن تحقيق السلام”.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (من اليمين) وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات يوقعان على طلب للانضمام إلى الوكالات الأممية، في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 1 أبريل، 2014. (Issam Rimawi/Flash90)

“طالما عارض [عريقات] استخدام العنف. لقد أيد وسائل أخرى للضغط على إسرائيل – الوسائل الدبلوماسية – لكنه كان ضد الانتفاضة الثانية تمامًا وبذل قصارى جهده لسد الفجوات بين الإسرائيليين والفلسطينيين”، قال المفاوض الإسرائيلي ووزير العدل السابق يوسي بيلين في مقابلة مع أخبار i24. وعرف بيلين عريقات شخصيا وشارك معه في عدة جولات من المحادثات في التسعينيات.

لكن عريقات دعم أيضا مدفوعات السلطة الفلسطينية لعائلات منفذي الهجمات الفلسطينيين. ووصف محاولة إسرائيل في عام 2019 للقضاء على السياسية بـ”القرصنة والسرقة”، وتعهد بأن تستمر السلطة الفلسطينية في تقديم الدفعات.

كما فشلت الجولات اللاحقة من المفاوضات التي قادها رئيسا الولايات المتحدة جورج دبليو بوش، وباراك أوباما، والتي شارك فيها عريقات. ومن الجدير بالذكر أن رام الله لم ترد على عرض رئيس الوزراء إيهود أولمرت عام 2008، والذي كان أكثر خطة سلام سخاء يطرحها زعيم إسرائيلي على الإطلاق، وظلت بعيدة عن طاولة المفاوضات لمدة تسعة أشهر من 10 أشهر تجميد الاستيطان التي وافق عليها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نتيجة لضغوط أوباما في عامي 2009-2010.

وتوقفت عملية السلام وتوقفت المحادثات إلى حد كبير. وبينما كان عريقات حريصًا دائمًا على الإصرار على أنه مفاوض وليس صانع قرار، فقد واجه قدرًا كبيرا من الانتقادات بسبب العناد الفلسطيني.

لكن حتى مع تلاشي المفاوضات، واصل عريقات تمثيل السلطة الفلسطينية في العالم. وفي غياب محادثات السلام، ركزت الدبلوماسية الفلسطينية على محاولة زيادة الضغط على إسرائيل في المؤسسات الدولية: شارك عريقات بعمق في الجهود المبذولة للحصول على اعتراف رسمي بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة وفي الاتحاد الأوروبي. كما دعا إلى مقاطعة منتجات مستوطنات الضفة الغربية.

لكن يبدو أن هذه الاستراتيجية، أيضًا، كانت غير ناجحة إلى حد كبير. إسرائيل بعيدة كل البعد عن كونها دولة منبوذة، بينما تزداد عزلة رام الله دوليًا – خاصة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وكان عريقات من أشد المنتقدين لسياسات إدارة ترامب بشأن عملية السلام، والتي قال إنها أثنت الإسرائيليين عن العودة للتفاوض مع الفلسطينيين. ورفض رفضًا قاطعًا التفاوض على أساس خطة ترامب للسلام، التي قال إنها لا تلبي حتى الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية.

“لماذا يجب على أي إسرائيلي أن يتحدث معي الآن؟… لماذا يتحدثون معي بينما سيقوم شخص آخر بالمهمة نيابة عنهم؟” قال لتايمز أوف إسرائيل في عام 2019.

ورفضت السلطة الفلسطينية بشكل استباقي اقتراح ترامب للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والذي تم تقديمه في يناير 2020، وتواصل رفض جميع الدعوات للمشاركة بها، بما في ذلك من شركاء إسرائيل الجدد في الخليج، الإمارات والبحرين، بعد أن قطعت جميع العلاقات مع إدارة ترامب بعد اعترافها بالقدس في ديسمبر 2017.

حالة معقدة للغاية

يترك عريقات ورائه إرثا معقدا: إرث صانع سلام فاشل سيتم تحليل نواياه واستراتيجياته من قبل المؤرخين في السنوات القادمة. وفي حين أنه لم يكن لعريقات الكلمة الأخيرة في توقيع اتفاق مع إسرائيل، انتقده بعض الإسرائيليون والفلسطينيون باعتباره أحد المسؤولين العديدين المذنبين في عدم التوصل إلى اتفاق.

وكثيرا ما كان يدلي بتصريحات مثيرة للجدل دون أدلة تدعمها.

وقال شير إنه “كانت هناك فجوة هائلة بين الأشياء التي قالها عريقات أمام كاميرات التلفزيون في رام الله وحول العالم والأشياء التي قالها قبل وبعد ذلك حول طاولة المفاوضات. في بعض الأحيان، بدا من المستحيل التوفيق بين هذه [التناقضات]. كان هناك صائب عريقات الشخصية التلفزيونية وصائب عريقات المفاوض”.

وفي عام 2002، كان عريقات مروجًا مؤثرًا للادعاءات الكاذبة بأن الجيش الإسرائيلي قتل 500 فلسطيني في جنين. في الواقع، قُتل في القتال المرير الذي تلى دخول الجيش الإسرائيلي مخيم جنين للاجئين، والذي كان ينطلق منه انتحاريون فلسطينيون لاستهداف الإسرائيليين، 50-55 فلسطينيًا، معظمهم مسلحون، و23 جنديًا إسرائيليًا. وحظيت المزاعم الكاذبة التي نشرها عريقات وزملاؤه بمصداقية واسعة وتغطية واسعة في كثير من وسائل الإعلام الدولية.

وفي عام 2014، شبه نتنياهو بأبو بكر البغدادي، الخليفة المزعوم لتنظيم الدولة الإسلامية المتطرف.

لكن الكثيرين ممن عرفوه، بمن فيهم الإسرائيليون الذين تفاوض معهم، شهدوا على حسن نيته وجديته بخصوص حل الدولتين.

وقال بيلين: “لقد كان مفاوضًا صعبًا، بلا شك، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين شخص لا يريد عقد صفقة وعنيد في جميع القضايا، وبين شخص يريد اتفاقًا ويمارس الضغط من أجل وجهات نظره”.

صائب عريقات يتحدث في مؤتمر لصحيفة ’هآرتس’ ومنظمة ’الصندوق الجديد لإسرائيل’ في فندق ’روزفلت’ في نيويورك، 13 ديسمبر، 2015. (Amir Levy/Flash90)

وكان عوفر كاسيف، النائب اليهودي من القائمة المشتركة ذات الغالبية العربية، من بين الشخصيات العامة الإسرائيلية الأولى التي علقت على وفاة عريقات، ووصفه بأنه “مقاتل حقيقي من أجل السلام” وأرسل تعازيه لأسرة عريقات والشعب الفلسطيني. ووصف زميله في القائمة المشتركة عضو الكنيست أحمد الطيبي عريقات بأنه “صديق وقائد شجاع”.

وقال عضو الكنيست عن حزب الليكود تساحي هنغبي لإذاعة الجيش إنه “حزين” من الأخبار وتمنى لعائلة عريقات “ألا تعرف المزيد من الأسى”.

على النقيض من ذلك، قال أوفير صوفر، النائب عن حزب “يمينا” اليميني الديني: “أشاد صائب عريقات بالإرهابيين، ودعا إلى مقاطعة دولة إسرائيل، وكان حتى أحد المروجين [للإداعات التشهيرية حول] مجزرة جنين. كيف يمكن أن تقال عنه حتى نصف كلمة طيبة؟”

وعندما تم تشخيص إصابة عريقات بفيروس كورونا في وقت سابق من هذا الشهر، سعى إلى أن يبدو متفائلا في مكالمة هاتفية مع تايمز أوف إسرائيل. وقال أنه لم يثبت إصابة أي من أفراد أسرته بالفيروس، ما وصفه بـ”المعجزة”.

لكنه أقر بأن وضعه الطبي معقد للغاية. وقد نجا من نوبة قلبية خفيفة في عام 2012 وزرع رئة عام 2017 بعد سنوات من المعاناة من التليف الرئوي، وهي حالة تسبب ندوبا في الرئتين وتضر بقدرتها على توزيع الأكسجين.

في 18 أكتوبر، تم نقل عريقات عبر الخط الأخضر الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية لتلقي العلاج في مستشفى هداسا في القدس.

وأثار دخول عريقات مستشفى هداسا عين كارم بعض الجدل بين الفلسطينيين. ورفضت رام الله التنسيق مع إسرائيل منذ شهور احتجاجًا على خطة إسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية، مما يزيد من صعوبة حصول الفلسطينيين على تصاريح العلاج في المستشفيات الإسرائيلية.

وفي حين تم تعليق خطط الضم كشرط لمعاهدة السلام بين إسرائيل والإمارات، لم يتم احياء التنسيق بعد. وأثار تحرك الحكومتين بسرعة لإنقاذ الدبلوماسي المسن غضب البعض في الضفة الغربية، الذين اعتبروها مثالاً آخر على المعاملة المفضلة التي تتلقاها قيادتهم.

وتوفي عريقات بعد أقل من شهر من دخوله المستشفى.

ويترك عريقات زوجته نعمة وأبناءه الأربعة: دلال، علي، سلام ومحمد.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال