إسرائيل في حالة حرب - اليوم 286

بحث

هيئة أممية تطالب إسرائيل للمرة الأولى بإجابات بشأن مسألة تتعلق بالقانون المدني

على نحو غير معتاد، توجه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة السلطات الإسرائيلية مطالبا بإجابات فيما يتعلق بالإساءة المزعومة لامرأة تحمل جنسيتين إسرائيلية وأجنبية في إطار إجراءات طلاق؛ بقدر ما هو معلوم هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها فتح إجراء بشأن موقف المحاكم الإسرائيلية تجاه المواطنين الإسرائيليين

صورة توضيحية لقاعة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. (Fabrice COFFRINI / AFP)
صورة توضيحية لقاعة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. (Fabrice COFFRINI / AFP)

افتتح مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لأول مرة إجراء ضد إسرائيل بشأن حادثة مدنية. منذ إنشاءه في عام 2006، عُرف المجلس بموقفه العدائي تجاه إسرائيل، ولكن حتى اليوم تمحورت الانتقادات حول حقوق الفلسطينيين، والوضع في المناطق، والإجراءات الإسرائيلية في غزة – بما في ذلك التقارير الأمنية العسكرية حول انتهاك حقوق الإنسان.

ولكن مؤخرا تواصل مجلس حقوق الانسان لأول مرة مع السلطات في إسرائيل بشأن مخاوف من انتهاك حقوق انسان مدنية، بسبب سوء معاملة مزعومة لسيدة تحمل جنسية إسرائيلية وأجنبية في إطار إجراءات طلاق.

إن تفاصيل القضية – سوء معاملة من خلال الإجراءات القانونية – خطيرة للغاية لدرجة أن مجلس حقوق الإنسان وجد أنه من المناسب الخروج عن معالجته المعتادة للقضايا الفلسطينية – والتعامل مع انتهاك حقوق الإنسان في عملية قانونية إسرائيلية، بما في ذلك ضرر جسيم ألحقته المحكمة وخدمات الرفاه لتلك المرأة.

توجه المجلس حدث قبل بضعة أشهر. المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات، ريم السالم، توجهت إلى السفارات الإسرائيلية لدى هيئات الامم المتحدة في جنيف بطلب الرد على رسالة (تقرير) طويلة تحكي قصة (ن) – سيدة إسرائيلية وُلدت في سويسرا وتقيم في الولايات المتحدة – والتي بحسب التقرير عانت وما زالت تعاني من المحاكم في إسرائيل في إطار إجراءات طلاق خاصة.

بحسب التقرير، تعاني (ن) من سوء معاملة مستمرة بواسطة الإجراءات القضائية، حيث أن أحد أطراف الدعوى قوي وتربطه علاقات مع جهات قوية ويقوم باستخدام هذه القوة كما يُزعم – بما في ذلك الأوامر والإجراءات المختلفة – لإبعاد (ن)، التي لم تُولد في البلاد ومهاراتها اللغوية محدودة، عن أطفالها.

تبدو الأحداث المفصلة في التقرير وكأنها مسألة خاصة في إطار إجراءات الطلاق، لكن مجلس حقوق الإنسان قرر أن يأخذ هذه القضية تحت رعايته وأن يشير إلى اتجاه آخر – التدخل أو طلب إجابات في الإجراءات المدنية في المحاكم الإسرائيلية .

صورة توضيحية للممر خارج قاعة مؤتمرات الأمم المتحدة في جنيف . (Fabrice COFFRINI / AFP)

استمر العمل في هذه القضية لفترة طويلة، أكثر من عام. في مارس 2024، وجه مجلس حقوق الإنسان نداءه الأول إلى السفارة الإسرائيلية في جنيف. وعندما لم يتم تلقي أي رد، تم تحميل التقرير، بما في ذلك التفاصيل الشخصية التي تم حجبها باللون الأسود، على الموقع الإلكتروني لمجلس حقوق الإنسان.

توجه “زمان يسرائيل”، موقع “تايمز أوف إسرائيل” باللغة العبرية، إلى وزارة الخارجية لطلب الحصول على رد من مكتب المستشار القانوني. تم تقديم الطلب منذ حوالي عشرة أيام، ولكن لم يتم تلقي أي رد. وذكر دبلوماسيون إسرائيليون اطلعوا على القضية أن هذا التوجه استثنائي ولكنه مثير للقلق بالنسبة لإسرائيل.

مكاتب الأمم المتحدة في جنيف (Fabrice COFFRINI / AFP)

في إطار التقرير الطويل الذي صاغته السالم، تم حجب تفاصيل (ن) وطليقها وأولادهم الثلاثة. وبحسب تفاصيل القضية، حصلت (ن) على الجنسية الإسرائيلية عن طريق الزواج، وانتقلت العائلة للعيش في الولايات المتحدة لعدة سنوات في إطار مهنتي الزوجين الأكاديمية.

عندما كان الأطفال صغارا، ظهرت الخلافات بين الزوجين، وتُركت (ن) لتعيش مع الابن الأكبر في الولايات المتحدة بينما عاد الأب إلى إسرائيل مع الابنين الأصغر سنا.

واستمرت القصة، بحسب التقرير، نحو ست سنوات. تفاوض الزوجان فيما بينهما بشأن العودة إلى إسرائيل أو البقاء في الولايات المتحدة، ولكن في مرحلة ما انفصلت الأسرة. يتمتع طليق (ن)  بخلفية قانونية واسعة وعلاقات جيدة في المجتمع القانوني والأكاديمي في إسرائيل.

ويشير التقرير إلى أن (ن) حاولت العودة إلى إسرائيل، وتم فصلها عن أطفالها – وتم تقديم ادعاءات مسيئة ضدها دون دليل، بما في ذلك فيما يتعلق بحالتها العقلية. وفي إطار الإجراءات أمام المحاكم الإسرائيلية، كانت (ن) في وضع إشكالي بسبب افتقارها إلى المعرفة باللغة العبرية.

الجزء الأول من التقرير الذي يتناول إجراءات طلاق (ن) تم تحميله على الموقع الإلكتروني لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وفي كل مرة دخلت فيها جلسات المحكمة، تم التعامل معها باستعلاء، من بين أسباب أخرى (بحسب “ن”) بسبب لهجتها الثقيلة والبطء في فهم الحديث بين القاضي والمحامين والأطراف. ادعى طليق (ن) أنها تخلت عن أطفالها من خلال الاستمرار في العيش في الولايات المتحدة، بينما حاولت (ن) الادعاء بأن قرار العيش في الولايات المتحدة كان قرارا مشتركا.

وكجزء من أحد الإجراءات، طلب طليق (ن) من المحكمة الحصول على الوصاية الكاملة. في هذه المرحلة، لجأت (ن) إلى النظام القانوني في الولايات المتحدة الأمريكية بموجب قانون منع العنف ضد المرأة من أجل التخفيف من وضعها كمهاجرة، ومنحتها السلطات الأمر المطلوب، لكن ذلك لم يغير وضعها في إسرائيل.

وخلال إحدى زياراتها لمنزل طليقها تعرضت لضربة في رأسها بصندوق ألقاه زوجها السابق عليها. كما تم تسجيل هذه الحادثة أمام السلطات. تقول (ن) إنها عانت من الإساءة اللفظية والإهانة والانفصال عن أطفالها وحتى العنف الجسدي.

وتدعي (ن) أنه لم يتم توضيح الإجراءات لها، وأن طليقها تمكن من إصدار أمر إبعاد غيابي بحقها دون أن تتلقى أي تفسير. وتدعي أيضا أنه لم يُسمح لها بدخول منزل العائلة، وبالإضافة إلى الصعوبات التي واجهتها في التعامل مع المحاكم الإسرائيلية، وجدت نفسها أيضا في مواجهة تحد مالي كبير.

سمحت لها السلطات الإسرائيلية بمقابلة أولادها في مكان عام تحت حراسة أمنية، على الرغم من عدم تقديم أي دليل على حالتها العقلية الإشكالية المزعوم. وعلى الرغم من أنها أكاديمية حاصلة على ألقاب، بما في ذلك من جامعة ييل، إلا أنها لم تتمكن من إقناع المحكمة الإسرائيلية بالسماح لها بلقاء أولادها لأكثر من بضع ساعات في الأسبوع.

واعتقدت (ن) أن قرارات المحكمة الإسرائيلية ستبقى على حالها لفترة محدودة، لكنها وجدت نفسها بعد ذلك في صراع طويل دون الأدوات المناسبة. وفي إحدى الطعون القانونية، تمكنت من إقناع القضاة بعدم وجود مشكلة تتعلق بأهليتها كأم، ومع ذلك أُعيدت القضية إلى محكمة الأسرة للبت فيها بشكل معدل، بينما تجاهلت القاضية محاكم الاستئناف وفرضت قيودا مجددة.

منذ أكثر من عام، وبألم، قررت (ن) التوجه إلى مراكز المساعدة، ومن بين أمور أخرى، نشرت استئنافا مكتوبا على الموقع الإلكتروني لمجلس حقوق الإنسان تزعم فيه أنه تم انتهاك حقوقها في الإجراءات القانونية في المحكمة الإسرائيلية.

لمدة عام، تحدث معها المسؤولون في مجلس حقوق الإنسان عبر البريد الإلكتروني، طالبين وثائق وتوضيحات ومعلومات – وفي النهاية قرروا قبول القضية. يُتهم مجلس حقوق الإنسان دائما بالتركيز على الفلسطينيين وتجاهل حقوق المجتمعات الضعيفة في الصين وكوريا الشمالية والكونغو وسوريا والعديد من البلدان حول العالم.

صورة توضيحية لمحكمة. (Abir Sultan/Flash90)

من المحتمل أن يكون تعاملهم مع هذه القضية هو محاولتهم إثبات أنهم قرروا أيضا الانخراط في انتهاكات مزعومة لا علاقة لها بالفلسطينيين. ومن بين الادعاءات الواردة في التقرير حقيقة أن (ن) لا تتحدث العبرية باعتبارها لغتها الأم وأن إقامتها في إسرائيل كانت بمثابة إقامة مهاجرة جديدة.

وبحسب التقرير، فإن سلطات الرفاه في إسرائيل تجد في بعض الأحيان صعوبة في مساعدة المهاجرين الجدد و/أو المواطنين الأجانب الذين لا يفهمون جميع عواقب إجراءات المحاكم وقراراتها. ويزعم تقرير الأمم المتحدة وجود تمييز ضد (ن) بسبب كونها امرأة ومهاجرة ومطلقة، ويضيف أن فصلها القسري عن أولادها ينتهك أيضا حقوقهم المدنية.

كما يشير التقرير إلى المعاهدات الدولية التي وقّعت عليها إسرائيل، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية. وقّعت إسرائيل على هذه المعاهدات وانضمت إليها في عام 1991، والتي تتضمن الالتزام بـ”عدم التمييز ضد المرأة” و”الحق في إجراءات عادلة ومحاكمة عادلة”.

وذكرت السالم في التقرير أنها تطلب من السلطات في إسرائيل توضيحا، لمعرفة سبب عدم التحقيق في شكاوى (ن) بخصوص العنف والاستغلال في منزل العائلة ولماذا لا تعمل السلطات على حماية (ن) ومنع التمييز ضدها ومنحها الحق في العيش مع أطفالها (لجزء من الأسبوع) – والتأكد من أنها محمية.

صورة توضيحية لقاعة محكمة (Nati Shohat/Flash90)

وكما ذكر أعلاه، يدور الحديث عن حالة استثنائية للغاية حيث أن تدخل مجلس حقوق الإنسان حتى اليوم في الشأن الإسرائيلي تمحور حول الأمور المتعلقة بحقوق الفلسطينيين. وبقدر ما هو معلوم هذه هي المرة الأولى التي يبادر  فيها المجلس الأممي بإجراء يتعلق بموقف المحاكم الإسرائيلية تجاه مواطنين إسرائيليين.

اقرأ المزيد عن