لماذا سيكون السلام مع الخرطوم بمثابة نقلة نوعية حقيقية لإسرائيل
بحث
تحليل

لماذا سيكون السلام مع الخرطوم بمثابة نقلة نوعية حقيقية لإسرائيل

هناك اختلاف واضح بين البلد الأفريقي الفقير والكبير ودول الخليج الصغيرة والغنية؛ كبداية، على عكس البحرين والإمارات، فإن السودان خاض في الواقع حربا ضد إسرائيل

سودانيون يتظاهرون دعما لشعبهم في السودان، جنوب تل أبيب، 13 أبريل، 2019. (Tomer Neuberg / Flash90)
سودانيون يتظاهرون دعما لشعبهم في السودان، جنوب تل أبيب، 13 أبريل، 2019. (Tomer Neuberg / Flash90)

نعم لشطب السودان من القائمة الامريكية للدول الراعية للارهاب. نعم لحزمة مساعدات بقيمة مليار دولار. ونعم للتطبيع مع إسرائيل؟

يمكن تلخيص الحكاية اللافتة للنظر لتحول السودان من رمز لرفض العالم العربي للدولة اليهودية، إلى أحدث شريك محتمل لها في السلام، بالإشارة إلى ثلاث لاءات والتي يبدو أنها ستصبح، بعد 53 عاما، ثلاث نعم.

لا يزال العديد من الإسرائيليين يربطون الخرطوم بـ”اللاءات الثلاث” – “لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، ولا مفاوضات مع إسرائيل” – والتي صاغتها قمة جامعة الدول العربية التي عُقدت في العاصمة السودانية بعد وقت قصير من انتهاء حرب “الأيام الستة” في عام 1967.

الآن ، بعد شهور من الضغط من الإدارة الأمريكية، يبدو أن تتويج الجهود المبذولة لجعل الدولة العربية الواقعة في شمال شرق إفريقيا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل أصبح أقرب من أي وقت مضى، وربما على بعد أيام فقط.

متظاهر يقوم بعلامة النصر في مظاهرة في العاصمة السودانية الخرطوم في 21 أكتوبر ، 2020. خرج المتظاهرون إلى الشوارع في العاصمة وفي جميع أنحاء البلاد بسبب ظروف معيشية مزرية وقمع دام للمتظاهرين في شرق البلاد في وقت سابق من الشهر. (AP Photo/Marwan Ali)

في وقت سابق من هذا الأسبوع، وافقت الحكومة الانتقالية بالخرطوم على دفع مبلغ 335 مليون دولار كتعويضات لضحايا تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في إفريقيا (لم ترتكب السودان الهجمات التي أودت بحياة أكثر من 4000 شخص، لكنها منحت حق اللجوء للإرهابيين). في المقابل، تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، حيث أنها مدرجة منذ عام 1993.

إلى جانب حزمة مساعدات مالية ضخمة للبلد المتعثر – يقال إن الولايات المتحدة عرضت 800 مليون دولار كمساعدات واستثمارات، لكن السودان تطلب حوالي 3-4 مليار دولار – يُنظر إلى شطب هذا البلد من قائمة الدول الراعية للإرهاب إلى حد كبير على أنه مقدمة لاتفاق تطبيع مع إسرائيل.

وتحدث وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يوم الخميس مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، وأشاد “بجهوده حتى الآن لتحسين علاقة السودان مع إسرائيل، وأعرب عن أمله في أن تستمر تلك الجهود”.

في اتجاه عقارب الساعة ، من أعلى اليسار: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مكتبه في القدس، 13 سبتمبر، 2020 (Alex Kolomiensky / Yedioth Ahronoth via AP، Pool)؛ رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك في قصر الاليزيه في باريس، 30 سبتمبر، 2019. (AP Photo / Thibault Camus)؛ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، 21 أكتوبر، 2020. (AP Photo / Alex Brandon)؛ الفريق أول عبد الفتاح برهان ، رئيس المجلس العسكري السوداني، غرب الخرطوم، 29 يونيو، 2019. (,AP Photo / Hussein Mala File)

بحسب تقارير إعلامية عبرية، ستعلن اسرائيل والخرطوم عن إقامة علاقات دبلوماسية في نهاية الأسبوع أو مطلع الأسبوع المقبل.

تقارير أخرى أشارت إلى أن حمدوك مستعد من حيث المبدأ لتطبيع العلاقات مع الدولة اليهودية، لكنه يصر أولا على أن تحصل الخطوة على مصادقة البرلمان الانتقالي لبلاده، الذي لم يتم تشكيله بعد.

وهكذا يبدو أن الاتفاق بين السودان وإسرائيل هو مسألة وقت ليس إلا.

ست فرق عسكرية سودانية حاربت إسرائيل عام 1948

عندما تحين تلك اللحظة، لن يكون ذلك مجرد إنجاز كبير آخر في السياسة الخارجية لترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ولا مجرد خطوة مشجعة أخرى على طريق إسرائيل نحو الاندماج الكامل في المنطقة.

وإنما سيكون بمثابة نقلة نوعية في سياسات الشرق الأوسط. لسبب واحد، للسودان، على عكس أصدقاء إسرائيل الجدد في الخليج، تاريخ من الصراع العسكري مع إسرائيل. وعلى عكس الإمارات العربية المتحدة والبحرين، لا يُعرف عن تعاون سري طويل بينها وبين اسرائيل في مجالات مختلفة، بما في ذلك الأمن والتجارة.

من المؤكد أن إعلان 13 أغسطس المفاجئ عن موافقة الإمارات على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل كان تاريخيا. الإعلان كشف على الملأ عن التحالف الذي كان سريا حتى هذه اللحظة بين البلدين، وحطم حق النقض الفلسطيني على العلاقات العربية مع اسرائيل.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط الصورة ، مع (من اليسار)، وزير خارجية البحرين عبد اللطيف الزياني، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان، خلال مراسم التوقيع على ’اتفاقية إبراهيم’ في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، 15 سبتمبر، 2020، في واشنطن. (Alex Brandon/AP)

كما أنه مهد الطريق لدول خليجية سنية أخرى لتحذو حذوها: فالبحرين وقّعت بالفعل على اتفاقية، في خطوة رحبت بها المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، اللتان قد تكونان أيضا في طابور التطبيع قريبا.

لكن السودان لعبة مختلفة تماما، ليس أفضل أو أسوأ، وإنما مختلفة كليا.

على سبيل المثال، من المرجح أن يكون لـ”نعم” دافئة من العاصمة المعروفة بـ”اللاءات الثلاث” تأثير نفسي هائل على الإسرائيليين. قد يقول الكثيرون بشكل معقول: “أولئك الذين اعتادوا على رفضنا بشدة، احتضنونا أخيرا”.

منظر عام للجلسة الختامية لمؤتمر قمة الخرطوم لرؤساء الدول العربية في مبنى البرلمان السوداني في 1 سبتمبر 1967. يخاطب الرؤساء العرب المجتمعون الرئيس السوداني إسماعيل الأزهري. (AP Photo / Claus Hampel)

والأهم من ذلك، إن اتفاق سلام مع الخرطوم سيكون في الواقع – اتفاق سلام. الإمارات والبحرين – البلدان اللذان يشاركان إسرائيل مخاوفها من العداء الإيراني، وبالتالي درسا فكرة التطبيع منذ فترة طويلة – لم يكونا أبدا في حالة حرب مع إسرائيل.

من ناحية أخرى، كانت السودان عدوا لدودا لاسرائيل منذ تأسيسها. وخلال حرب الاستقلال عام 1948، انضمت ست سرايا عسكرية سودانية إلى المصريين في محاربة اسرائيل.

استمر العداء لمدة سبعة عقود. حتى عام 2016، كانت السودان حليفا قويا لإيران، حيث ساعدت الجمهورية الإسلامية في تهريب الصواريخ وغيرها من الأسلحة إلى الفصائل الفلسطينية في غزة. ودفع ذلك إسرائيل إلى قصف المنشآت العسكرية فيها بشكل متكرر، وفقا لتقارير أجنبية.

انفجارات في مصنع للذخائر بالخرطوم في أكتوبر 2012. (Screen capture: YouTube)

جسر بين العرب والأفارقة

يختلف نظام السودان اختلافا كبيرا عن نظام الإمارات والبحرين، فهذا البلد في طريقه إلى أن يصبح دولة ديمقراطية، بينما سيستمر أوتوقراطيون في حكم الدولتين الخليجيتين في المستقبل المنظور.

تقول إيريت باك، رئيسة قسم الدراسات الإفريقية في جامعة تل أبيب، إن الوضع الجيوسياسي للخرطوم قد يكون مثيرا للاهتمام للغاية  بالنسبة لإسرائيل.

وقالت باك ل”نادي القدس للصحافة” يوم الخميس: “لدينا الآن علاقات دبلوماسية مع معظم الدول الأفريقية، ودولة مهمة مثل السودان، وهي واحدة من أكبر الدول في إفريقيا وهي أيضا نوع من الجسر بين جنوب إفريقيا وشمال الصحراء الكبرى، وبين العرب والأفارقة في إفريقيا، قد تكون بمثابة فائدة كبيرة … في محاولة لجلب المزيد من الدعم الدبلوماسي لإسرائيل في المحافل الدولية”.

أكثر من 40 مليون مسلم

تبلغ مساحة السودان 1,861,484 كيلومترا مربعا (718,722 ميلا مربعا)، وهي أكبر 22 مرة من الإمارات والبحرين معا.

يبلغ عدد سكانها 45 مليون نسمة، معظمهم من السودانيين العرب. في المقابل، يبلغ عدد سكان الإمارات العربية المتحدة 10 ملايين نسمة فقط ، 12% منهم فقط من الإماراتيين. (يبلغ عدد سكان البحرين 1.5 مليون، أقل من نصفهم بحرينيين).

لكن الحجم الأكبر لا يعني بالضرورة أنه أفضل، وبالتأكيد ليس من الناحية الاقتصادية. تُعتبر الإمارات (الناتج المحلي الإجمالي للفرد: 68,600 دولار) والبحرين (49,000 دولار) مركزين ماليين عالميين. في حين أن الاقتصاد السوداني (4300 دولار) في حالة انهيار بعد عقود من الحروب والصراعات الداخلية.

القوات العسكرية تؤمن المنطقة في الخارج بينما يتم استجواب الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير في مكتب المدعي العام بتهم فساد وحيازة غير مشروعة لعملة أجنبية، في العاصمة السودانية الخرطوم،، 16 يونيو، 2019. (AP Photo / Mahmoud Hjaj) )

ماذا عن العلاقات بين الشعوب؟ يبدو أن الإماراتيين متحمسون حقا للعلاقات مع إسرائيل، وقد رحب البحرينيون إلى حد كبير باتفاق حكومتهم مع اسرائيل أيضا، على الرغم من بعض الاحتجاجات من قبل سكانها الشيعة. كلا البلدين لديهما جاليات يهودية صغيرة مندمجة بشكل جيد وتحظى بدعم من الحكومة.

بالنسبة للسودان فالوضع أكثر تعقيدا. على الرغم من تشكيل مجموعة صغيرة من الجماعات المناصرة لإسرائيل التي تدعو إلى التطبيع مؤخرا، لا تزال الكراهية تجاه دولة إسرائيل منتشرة على نطاق واسع.

وفقا لباك، الباحثة في الشؤون الإفريقية، فإن اتفاق السلام مع إسرائيل سيكون “مثيرا للجدل بين العديد من التيارات في السياسة والمجتمع في السودان” وقد يخلق “عداء بين العديد من السكان أو المجتمعات المدنية في السودان”.

طلاب سودانيون يحرقون العلم الإسرائيلي في مظاهرة ضد الضربات الجوية الإسرائيلية في غزة أمام مقر الأمم المتحدة في الخرطوم، السودان، 29 ديسمبر، 2008. (AP / Abd Raouf)

في الشهر الماضي، قضت هيئة العلماء والدعاة الإسلامية التابعة للحكومة، التي تقدم الاستشارة للحكومة في المسائل الدينية، إن الشريعة الإسلامية تحظر العلاقات مع إسرائيل (لكن رجل دين بارز عارض هذا الموقف).

في هذه الصورة المنشورة عام 1950، التي نشرتها “Tales of Jewish Sudan” ، يظهر حفل زفاف يهودي في كنيس العاصمة السودانية الخرطوم . يعتبر الكنيس مركز الحياة الدينية اليهودية ، وقد تأسس عام 1926 في وسط الخرطوم ليحل محل الكنيس الصغير الأقدم. تم بيع المعبد اليهودي في عام 1987 بعد أن غادر معظم اليهود السودانيين البلاد وهو حاليا مصرف. (Photo courtesy of Flore Eleini, Tales of Jewish Sudan, via AP)

لا يوجد كنيس يهودي نشط واحد في كل السودان. في الواقع، بقيت عائلة يهودية واحدة فقط مما كان ذات يوم مجتمع يهودي.

من المرجح أن تكون عملية التطبيع مع السودان معقدة وغير مستقرة وأبطأ بكثير من تلك التي مع الإمارات والبحرين. ولكن إذا تم اختتامها بنجاح، فإن اسرائيل ستحظى أخيرا بسلام مع دولة كبيرة ومهمة كانت لعقود مثالا على حرب العالم العربي ضد الدولة اليهودية.

بالنسبة للكثير من الإسرائيليين، قد يكون لذلك في نهاية المطاف دلالات أكبر من صفقات تجارية مربحة وامكانية قضاء إجازات في فنادق فاخرة.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال