إسرائيل في حالة حرب - اليوم 193

بحث

موجة الاضطهاد السياسي منذ اندلاع الحرب: النساء العربيات يدفعن ثمن الأجواء السامة

انتقال معلمة إلى مدسة جديدة خشية على سلامتها، طرد مهندسة لنشرها فيديو ضد إسكات الانتقادات، طرد عاملات في سوبر ماركت بسبب اتهامات كاذبة: في هذه الأجواء المشحونة، تهم دون أساس تؤدي إلى ملاحقة فورية

صورة توضيحية لمعلمة في مدرسة إسرائيلية (Courtesy Abraham Initiatives)
صورة توضيحية لمعلمة في مدرسة إسرائيلية (Courtesy Abraham Initiatives)

خلال شهر أكتوبر، نشرت معلمة من شمال البلاد عدة منشورات على فيسبوك باللغة العربية. عبرت المنشورات عن حزن وعزاء لوفاة صديق عزيز عليها.

كانت هذه المعلمة تعمل في مدرسة إعدادية وثانوية في شمال البلاد في ذلك الوقت. وكانت تحظى، على حد قولها، بتقدير من زملائها وأولياء الأمور على حد سواء، دون أي مشاكل تذكر. لكن شيئا لم يجهزها للأحداث التي أعقبت هذه المنشورات، والتي كما ذكرنا، لا علاقة لها بالأحداث الجارية وحرب غزة.

“في بداية شهر يناير، في يوم لم أدرّس فيه بالمدرسة، بدأت أتلقى رسائل واتساب من مجموعات التدريس في الإعدادية. أرسلوا لي علم الدولة وأرفقوا منشورًا من صفحتي في الفيسبوك ترجموه بشكل غير صحيح – أضافوا كلمات +إسرائيل+ و+وحشية+”، قالت في محادثة مع زمان إسرائيل هذا الأسبوع.

وتلقت رسائل كراهية وشتائم على الواتساب وتم تداول صورتها في منشورات تتهمها بدعم الإرهاب وحماس. وعندما عادت من يوم إجازتها إلى المدرسة، العديد من الطلاب لم يأتوا إلى الفصل.

“على ما يبدو تم إبلاغهم بأنه يمكن لمن يرغب في الدراسة معي القيام بذلك، وأن من لا يرغب، فليس مضطرا. من الواضح أنك إذا أخبرت الطلاب ذلك، فسوف يقولون لا. وأولئك الذين حضروا، كانوا في الفصل الدراسي مع هواتفهم، وقفزوا على المكاتب، وشغلوا الأغاني وقاموا بحركات تهديد تشبه الأسلحة في أيديهم، وصرخوا شعب إسرائيل حي والموت للعرب وما إلى ذلك”.

“أخبرت المستشارة أنني أعاني من صداع وعدت إلى المنزل. وفي وقت لاحق، بدأ رجل عرف نفسه بأنه ناشط في (عوتسما يهوديت) يهددني بعدم الحضور إلى المدرسة. وتقدمت بشكوى للشرطة بالإضافة إلى دعوى قضائية ضده. .كان لدي موعد مع نائب مدير المنطقة، وهو شخص لطيف ومتفهم. قال إنني لست آمنًة داخل المدرسة وما حولها وسألني إذا كنت سأوافق على الانتقال إلى مدرسة أخرى. قلت له نعم”.

“عندما عدت إلى المدرسة في ذلك يوم الأحد، لم يرغب الحارس عند البوابة في السماح لي بالدخول أيضا. أخبرت نائب مدير المنطقة أنه كان ينبغي على مديرة المدرسة الاهتمام بالأمر ولكن يبدو أنها لم تفعل ذلك وقرر نقلي. من المفترض أن أبدأ العمل في المدرسة الجديدة هذا الأسبوع”.

شتائم ورسائل مهينة تلقتها المعلمة (screen capture: Facebook)

رد قسم منطقة الشمال في وزارة التربية والتعليم: “على إثر منشور كتبته المعلمة، أثير الغضب في المدرسة وخارجها، وبعد التحقيق تبين أن المنشور كتب بحسن نية ولم يحتوي على أي تحريض على الإرهاب. لقد قدمت مديرة المدرسة الدعم الكامل للمعلمة طوال الوقت، وتم إخبارها بشكل لبس فيه أنها تستطيع البقاء للتدريس في المدرسة وستحصل على الدعم والمرافقة الكاملة”.

“اتخذت المعلمة قرارا من تلقاء نفسها بالانتقال إلى مدرسة أخرى. أجرت مديرة المدرسة حوارا مع جميع الطلاب في المدرسة ووجهت لهم رسالة واضحة مفادها أنه لا مكان للخطاب التحريضي والعنيف في المدرسة. كما تم إجراء جلسة تأديبية مع الطلاب المتورطين. تعاملت مديرة المدرسة مع هذه الحادثة بشكل ممتاز برفقة المفتشة والمشرف على الانضباط بالمنطقة الشمالية”.

تصر وزارة التربية والتعليم على أن سلوك مديرة المدرسة كان ممتازا، ولكن في نهاية المطاف، هذه المعلمة المحترفة هي من سيدفع ثمن التحريض والتهديد والعنف تجاه موظفتها. وهذه ليست الحالة الوحيدة.

أضرار لا يمكن إصلاحها

هذا حدث مؤخرا لمعلمة أخرى من وسط البلاد، عندما سارعت المدرسة التي كانت تعمل بها إلى الإضرار بسمعتها الطيبة ومصدر رزقها دون التحقق من صحة الحقائق.

في منتصف نوفمبر، تلقت المعلمة التي تدرّس في مدرسة ابتدائية في إحدى المدن المحيطة بتل أبيب إخطارا بفصلها عن العمل من المديرة بسبب إدعاءات تبين أنها خاطئة بأنها قامت شاركت منشورات تسخر من المختطفين لدى حماس. ويعود هذا الادعاء إلى اكتشاف الطلاب في المدرسة حساب على موقع إكس (تويتر سابقا) يحمل اسم المستخدم الخاص بها وأعجب بمثل هذه المنشورات.

وحاولت المعلمة أن تشرح للمديرة أن هناك حسابا يحمل نفس اسم المستخدم ولكن مسجل باسم امرأة من الأردن وتم فتحه منذ أربعة أشهر. واسمها مطابق وفعلا كان لدى المعلمة حساب يحمل هذا الإسم، لكنها أغلقته منذ سنوات، وهو يعود الآن إلى مستخدمة أخرى. وتوجهت المعلمة للمديرة مرة أخرى واقترحت عليها التحقق من عنوان IP الخاص بالحساب.

ورغم ذلك، طُلب من المعلمة أن لا تعود إلى المدرسة، بسبب ما وُصف بـ”الأجواء الصعبة” السائدة، ولحين موافقة المشرفة على عودتها إلى العمل. وبينما كانت تنتظر، لفترة طويلة جدا، لعودتها إلى العمل، كان قد تم تشويه سمعتها بين الطلاب وأولياء أمورهم وزملائها في طاقم التدريس.

وبمساعدة “كاف لعوفيد” والمقر المدني، الذين اتصلوا بالمدرسة عدة مرات، أعيدت في النهاية إلى عملها لكنها استمرت في مواجهة المضايقات من الطلاب. الإجراءات السريعة لفصلها دون السماح لها بالتعبير عن موقفها تسببت في أضرار لا يمكن إصلاحها.

رد قسم منطقة تل أبيب في وزارة التربية والتعليم: “وجد التحقيق الذي تم إجراؤه إن عمل المعلمة لم يتضرر إطلاقا، وهي تعمل حاليا كالمعتاد. أجرت لجنة التحريض تحقيقا حول ما نشرته المعلمة ولم تجدها مذنبة، ولذلك لم يتم استدعاؤها إلى جلسة استماع”.

صدمة السابع من أكتوبر والشكوك والحساسيات لا تبرر التمييز ضد النساء العربيات، اللواتي لديهن الحق في الاستفسار، وإذا لزم الأمر، جلسات استماع، والتي من الأفضل أن تكون سرية، لتجنب الإضرار بسمعتهن نتيجة ادعاءات كاذبة، كما حدث في الحالتين المذكورتين أعلاه. على المدارس أن تكون مثالا للحوار والاحترام المتبادل والتضامن – وبالتأكيد ليس إجراء محاكم ميدانية لأعضاء هيئة التدريس.

تهديدات تلقتها المعلمة من الشمال

تعرضن للصراخ والشتائم، ثم فصلن عن العمل

الأجواء السامة والمتفجرة خطيرة بشكل خاص على عمال الخدمة الذين يتعين عليهم العمل مع الناس. تعرضت موظفات عربيات في فرع سوبر “بوم” في “رملود” للتحريض من العملاء ضدهن. بعد الموجهة، لم يتلقوا أي دعم من الإدارة – ودفعوا الثمن.

لقد تم فصلهن عن العمل بعد انطلاق صفارات الإنذار في المنطقة التي يقع بها الفرع في نهاية شهر أكتوبر. صفقت إحدى العاملات في محاولة لحث العملاء على التوجه إلى الملجأ، لكن اعتقدت إحدى العملاء أن التصفيق كان تعبيرا عن الفرح بإطلاق الصواريخ.

وروت إحدى العاملات، أمونة أبو غنيم، لزمان إسرائيل ما حدث في ذلك اليوم ومنذ ذلك الحين، “تشاجرت العميلة وشتمت العاملات بشتائم لا أريد أن أكررها. سمعنا الصراخ وحاولت أن أخبرها أن هذا ليس الوقت والمكان المناسبين للنقاش”.

“بدأت في مهاجمتنا وتصاعد الأمر. وفجأة شعرت بلكمة من جانبي، وحاولت درء الضربة وألقت إحدى العملاء علينا رزم شوك ومعالق. عدنا إلى منازلنا واتصلنا بالشرطة، ولكن كانت العميلة قد غادرت بالفعل”.

“لقد رأينا منشورًا للشبكة على فيسبوك حول إيقاف جميع العاملات عن العمل للتحقيق في القضية. اتصل المدير بعد ذلك وطلب منا البقاء في المنزل في الوقت الحالي. كنا ثلاثة عاملات وعامل تنظيف آخر. تم إيقافنا عن العمل لمدة حوالي ثلاثة أسابيع، أزعجني أن المدير وصاحب الشركة لم يدعمونا على فيسبوك ولم يوضحوا أننا لم نعبر عن فرحتنا بصفارات الإنذار”.

كما أصدرت الشرطة بيانا أوضحت فيه عدم وجود أي شبهة تحريض، وأنه حادث نتج عن تفسير خاطئ لتصرفات العاملة، لكن ذلك لم يمنع الشبكة من تعليق عملهن. وقالت أبو غنيم إنها لم تكن تعلم وقتها إن كانت ستعود إلى عملها أم لا. وبعد بضعة أسابيع، عُقدت جلسة استماع لها، لكن بحسب قولها، كان الإجراء رسميًا ولم يكن هناك أي اهتمام حقيقي بتفسيرها لما حدث في ذلك اليوم.

بيان الشرطة حول حادثة سوبرماركت “بوم”، 25 أكتوبر 2023 (Telegram)

“لقد قرأوا ببساطة الدعوة لجلسة الاستماع وسألوا عن ردنا، ولم يكونوا مهتمين بسماع التفسير. وكان سبب الفصل هو أن سلوكنا لا يتوافق مع إجراءات الفرع. في الوقت الحالي نحن ننوي رفع دعوى قضائية ضدهم”. وفي النهاية، تم طرد عدة عاملات عربيات إضافيات من الفرع. أبو غنيم تعرضت لأضرار مالية وتشعر أنها تعرضت للظلم.

“أنا لا أعمل حتى الآن ولا أستطيع العثور على وظيفة أخرى. الدفعات لا تمر بدون راتب وهذا يصاحبه شعور بالتمييز ضدي. أنا شخص يجيد الخدمة، قبل فصلي عن العمل، أرادوا ترقيتي إلى مديرة صناديق الدفع، وكنت قبلها مشرفة”.

“بعد هذه الحادثة، تمت معاقبتي. إنه شعور مزعج، شعور سيء، كشخص لا يميز ولا يفرق بين يهودي وعربي، رجل أو امرأة، كيف علي أن أشعر الآن؟ يحزنني أننا وصلنا إلى مثل هذا الوضع”.

وزعم الرئيس التنفيذي للشبكة يوسكه زوزوت في حديثه مع زمان إسرائيل أنه تم فصل العاملات بسبب مواجهتهن للعملاء وعدم الابتعاد عن المكان كما طلب منهن، وأكد أن هناك العديد من العمال العرب في هذا فرع وفي فروع أخرى للشبكة التي يملكها إيلي لاهاف.

وبحسب قوله، فإن شبكة “بوم” تستثمر الكثير من الموارد في رفاه هؤلاء العمال وغيرهم، ويتوقعون منهم أن يعرفوا كيفية الابتعاد عن العملاء في المواقف المتطرفة، وترك التعامل مع الحالات الاستثنائية لمديري الفروع.

وكانت هناك حالات أخرى للإضرار بعمل نساء عربيات في الأسابيع الأخيرة. فعلى سبيل المثال، نشرت متدربة في إحدى شركات الهندسة المعمارية منشورًا احتجاجيًا يُظهر إسكات رجل بمجرد محاولته التعبير عن انتقاداته.

وسعت عبر المنشور للاحتجاج على توجيه أصابع الاتهام إليها مهما قالت عن الحرب. وتم فصلها من وظيفتها بعد نشر الفيديو، وهي تبحث حاليا عن شركة جديدة للتدرب فيها.

وفي حالة أخرى، تم فصل ممرضة عربية من مستشفى بني تسيون في حيفا. واتضح في محكمة العمل أنها نشرت منشورات تحتوي على آيات قرآنية حتى قبل هجوم حماس، وأن منشوراتها لا تشكل دعما للإرهاب. ونتيجة لذلك، ستجري البلدية عملية وساطة مع الممرضة، لكن سبب فصلها في المقام الأول، قبل إجراء أي تحقيق، ليس واضحًا.

وقدمت منظمة “كاف لعوفيد” المساعدة القانونية لبعض للعاملات المتأثرة. وبحسب المحامية ديانا بارون، مديرة الأبحاث والسياسة العامة في المنظمة “منذ بداية الحرب، كانت هناك ردود فعل متطرفة من أماكن العمل وأصحاب العمل على تصريحات كان بعضها بريئًا أو يشكل انتقادات مشروعة. يبدو أن السابع من أكتوبر قد أثار الكثير من المشاعر. أنا أفهم سبب ذلك، لكن القانون يحمي أيضًا الانتقادات في أوقات الطوارئ”.

“الاضطهاد السياسي الساحق”

تعاملت المحامية سوسن زهر، المستشارة القانونية لائتلاف الطوارئ للمجتمع العربي، مع أكثر من 80 قضية تتعلق بمحاولة طرد العمال العرب أو استدعائهم لجلسات استماع. “لم أعد أفرق بين الإجراءات. بالنسبة لي، استدعاء أي شخص إلى أي إجراء ديل على وصمه. نحن نلاحظ أن أي شخص عربي يشتبه فعلا في أنه يدعم حماس، حتى لمجرد التعبير عن التضامن مع الأبرياء في غزة”.

“الأشخاص الذين نشروا مضامين، سواء كانت آيات قرآنية أو صور الدمار في غزة، اعتبروا من أنصار حماس وهذا محظور. لقد ميزت المحكمة العليا أيضا بين دعم حماس والتعبير عن الحزن على الدمار في غزة. للأسف، هذه حملة تحريض ضد العرب، بغض النظر عن المكان”.

المحامية سوسن زهر (Hadas Parush/Flash90)

وذكرت زهر عدة حالات في هذا السياق، مثل عاملة تنظيف في مؤسسة تعليمية تم استدعاؤها للتحقيق بعد أن سمعت عاملة أخرى أنها تشاهد قناة الجزيرة؛ موظفة في شركة أجهزة طبية تم استدعاؤها لجلسة استماع فقط لقولها لأحد العملاء أنه يجب أيضا النظر في سياق ما حدث قبل 7 أكتوبر؛ أو عاملة في مستشفى في الشمال تم إيقافها عن العمل فقط لأنها لم تفهم خطورة الوضع في صباح 7 أكتوبر، وقالت لزميلتها أن إطلاق الصواريخ قد يكون مجرد جولة أخرى، وغيرها.

هل تعتقدين أن هذا اضطهاد؟

“منذ بداية الحرب، لا يستطيع الناس فتح أفواههم. يكفي أن لا يعجبهم ما قلته. المسألة هنا هي مدى هضمك لي. وإلا، يتم وصمي وإطلاق إجراءات ضدي. منذ اندلاع الحرب، هناك موجة مكثفة وعدوانية من الاضطهاد السياسي لم نشهد مثلها في أي حرب سابقة. المواطنون العرب مستهدفون بغض النظر عن محتوى الأمور، تم وما زال يتم اختبارهم فقط بسبب انتمائهم العرقي”.

“ليس فقط بسبب ما يقولون أو ينشرون ولكن أيضًا بسبب ما يفكرون أو يتحدثون به. هذه ليست مفاهيم قانونية لحرية التعبير فحسب، بل هي أيضًا تعبير عن مشاعر أو وجهات نظر إذا لم ترقى للأغلبية، فتتخذ إجراءات ضدهم. هناك إجراءات عملية تتخذ ضدهم، وهذا يترجم إلى شعور بالتفوق لدة الأغلبية التي يمكنها أن تعاقب أو تردع أو تلاحق بناء على مجرد التعبير عن موقف”.

اقرأ المزيد عن