منقسمة ومنفصلة على الرغم من المكاسب التاريخية، الأحزاب العربية تنزف دعم ناخبيها
بحث
تحليل

منقسمة ومنفصلة على الرغم من المكاسب التاريخية، الأحزاب العربية تنزف دعم ناخبيها

تحالف القائمة المشتركة حصل على 15 مقعدا بشكل غير مسبوق وكسر المحرمات السياسية في محاولة لتحقيق أهدافه. فصائلها ليس لديها الكثير لتعرضه باستثناء غضب ناخبيها

أعضاء القائمة المشتركة في مقر الحزب  في مدينة شفاعمرو العربية، خلال انتخابات الكنيست، 2 مارس ، 2020.(David Cohen/Flash90)
أعضاء القائمة المشتركة في مقر الحزب في مدينة شفاعمرو العربية، خلال انتخابات الكنيست، 2 مارس ، 2020.(David Cohen/Flash90)

منحت انتخابات مارس 2020 مواطني إسرائيل العرب 15 مقعدا في نتيجة غير مسبوقة حققوها في الكنيست، وهي أفضل ما حققه الوسط العربي في تاريخ السياسة الإسرائيلية.

وقال رئيس “القائمة المشتركة”، أيمن عودة، في بيان أشاد فيه بالنصر في ذلك الوقت: “منذ الانتخابات الأولى عام 1949 وحتى اليوم، لم نحصل على هذه الدرجة من الدعم وهذا العدد من المقاعد”.

مع ارتفاع سقف الآمال، أوصت القائمة المشتركة بتكليف بيني غانتس برئاسة الوزراء. لقد كانت هذه لحظة تاريخية غير مسبوقة تقريبا، وهي المرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاثة عقود التي أوصى فيها حزب عربي على سياسي صهيوني من التيار السائد لرئاسة الوزراء. (بعد كل انتخابات، يطلب الرئيس الإسرائيلي توصيات من رئيس كل حزب في الكنيست بشأن الشخص الذي يجب أن يكلفه بتشكيل وقيادة الحكومة).

كان من الممكن أن تمنح هذه الخطوة غانتس الفرصة لتشكيل حكومة بدون زعيم “الليكود” بنيامين نتنياهو، لو تمكن من اقناع الأحزاب المناهضة لنتنياهو في الوقوف بالصف وراء الخطوة. بدلا من ذلك، اختار غانتس الانضمام إلى رئيس الوزراء اليميني، ليبدأ الحياة التعيسة لإحدى الحكومات الإسرائيلية الأكثر انقساما. ومرة أخرى، تم ترك القائمة المشتركة  في العراء.

منقسمة داخليا ومتحولة إلى هدف للغضب داخل المجتمع العربي، ومع القليل من الانجازات التي بإمكانها أن تعرضها في العام الأخير، تبدو القائمة المشتركة الآن على وشك التفكك.

تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن تحالف الأحزاب العربية قد يخسر ثلث مقاعده، وقد تؤدي الانقسامات الداخلية إلى إضعافه أكثر، مما قد يؤدي إلى عدم اجتياز الفصائل المكونة له نسبة الحسم اللازمة لدخول الكنيست.

رئيس ’القائمة المشتركة’ أيمن عودة يلقي كلمة خلال تظاهرة ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في ميدان رابين بتل أبيب، 19 أبريل، 2020. (Tomer Neuberg/Flash90)

اجتمعت القائمة المشتركة لأول مرة في عام 2015، حيث وحدت تحت مظلتها أربعة أحزاب عربية تمثل قوس قزح من المواقف السياسية والاجتماعية بعد أن فرض قانون جديد رفع نسبة الحسم الانتخابية، مما هدد البقاء السياسي لكل حزب على حدة.

لكن وفقا لمصادر في القائمة المشتركة تحدثت مع “تايمز أوف إسرائيل”، فإن بعض النشطاء في الأحزاب الأربعة للائتلاف يطالبون بالانفصال منذ أوائل ديسمبر، عندما امتنع حزب “القائمة العربية الموحدة” المتمرد برئاسة منصور عباس عن التصويت الذي كان من شأنه الإطاحة بحكومة نتنياهو.

كان عباس يسعى علنا إلى توثيق العلاقات مع رئيس الوزراء، متعهدا بأنه يقدم مقاربة براغماتية يمكن الاعتماد عليها للسياسة العربية. وقال رئيس القائمة العربية الموحدة إنه سيدرس التصويت على قانون يحمي نتنياهو من الملاحقة القضائية – تم توجيه لوائح اتهام ضد رئيس الوزراء في ثلاث قضايا فساد- أو حتى العمل كوزير في حكومة يقودها نتنياهو.

تظهر هذه الصورة التي التقطت في 10 سبتمبر 2019، اعلانا انتخابيا لمرشح القائمة المشتركة يوسف عطاونة، مع شعار باللغة العربية “مشاركة أكثر ، تأثير أكثر” ، في مدينة رهط البدوية الجنوبية. (Hazem Bader/AFP)

اعتبر بقية الأعضاء في القائمة المشتركة أن عباس يتجاوز الخط الأحمر في التعاون مع نتنياهو، الذي يتهمونه بالتحريض ضدهم مرارا وتكرارا. يتذكر الكثيرون بغضب مقطع فيديو يوم الانتخابات في عام 2015 دعا فيه نتنياهو أنصاره إلى الخروج للتصويت، والذي قال فيه للناخبين إن “العرب يتجهون بأعداد كبيرة إلى صناديق الاقتراع”.

يوم الثلاثاء قالت عضو الكنيست عن حزب “التجمع” هبة يزبك لصحيفة “هآرتس”: “أعمل بانتظام مع الحكومة والمؤسسات الحكومية التي – ماذا يمكننا أن نقول، إنها يمينية. ولكن هناك فرق عميق بين المطالبة دون التنازل عن مبادئك وبين التعاون مقابل بيع مبادئك”.

وبحسب ما ورد، فإن الأحزاب الثلاثة الأخرى – “الجبهة” و”التجمع” و”العربية للتغيير” – قريبة من توقيع اتفاق من شأنه عزل عباس وفصيله الإسلامي المحافظ. وتأمل الأحزاب الثلاثة في أن ينتهي حظ القائمة العربية الموحدة وأن يجد الحزب نفسه خارج الكنيست، مع عدد قليل جدا من الأصوات التي لن تسمح له بتجاوز نسبة الحسم الانتخابية.

ويصر عضو الكنيست عن الجبهة يوسف جبارين في حديث مع تايمز أوف إسرائيل على أن “المشكلة الرئيسية هي مع حزب واحد: الحركة الإسلامية [القائمة العربية الموحدة]. الأحزاب الثلاثة المتبقية متفقة على الحاجة للبقاء موحدة”، معربا عن أمله في أن يتراجع عباس عن رغبته المعلنة في النظر في توفير الحصانة لنتنياهو.

لكن في خوض الانتخابات كتحالف ثلاثي هناك مخاطرة في فقدان المزيد من دعم الناخبين للقائمة المشتركة – أقل من المقاعد العشرة التي تتوقعها لها استطلاعات الرأي مع حزب القائمة العربية الموحدة. وقال جبارين إن الجميع متفقون على أنه في الماضي، عندما انقسمت القائمة المشتركة لأجزاء، ازداد اللامبالاة بين الناخبين.

وقالت يزبك: “من المؤلم أن نرى كيف أنه بعد النجاح الهائل الذي حققناه في مارس تراجعنا إلى 10 مقاعد. إنه أمر مفجع. لقد رأيت الطريقة التي ذهب بها الناس بأعداد كبيرة للتصويت بأمل”.

في استطلاع رأي أجراه مؤخرا أريك رودنيتسكي، الذي يدرس السياسة العربية في إسرائيل، بالتعاون مع خبير استطلاعات الرأي يوسف مقالدة، أعربت أغلبية طفيفة – حوالي 52% – من مواطني إسرائيل العرب عن رضاها من أداء القائمة المشتركة خلال العام المنصرم.

كما انخفض عدد الذين أعلنوا عن نيتهم التصويت في الانتخابات المقبلة بنسبة 10%. كلا الرقمين بعيد كل البعد عن التصويت بثقة مدوية في صفوف قاعدة الناخبين العرب.

في العام الماضي، قال مقالدة في حديث مع تايمز أوف إسرائيل بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي بالفعل انخفاضا حادا للدعم للتحالف في صفوف المواطنين العرب “يريد الناخبون العرب معاقبة القائمة المشتركة”.

توضيحية: ناخبون عرب يصلون الى مركز اقتراع في حيفا خلال الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية، 17 سبتمبر 2019. (Ahmad GHARABLI / AFP)

كل شخص في القائمة المشتركة لديه تفسير مختلف لتراجع الحزب في استطلاعات الرأي. وتحمّل الفصائل الأكثر ليبرالية اللوم على تحركات منصور عباس تجاه نتنياهو، والتي يقولون إنها فاقمت الانقسام داخل الحزب. كما يلقون باللوم على غانتس الذي يقولون إنه تخلى عن فرصة تاريخية لمنحهم مقعدا على الطاولة.

وقال عضو الكنيست عن القائمة المشتركة، يوسف جبارين، “كان لهذا أثر سلبي حقا على المجتمع العربي، خاصة وأن التوصية كانت صعبة من الناحية السياسية في حد ذاتها – جنرال سابق في الجيش الإسرائيلي، تفاخر بعدد الفلسطينيين الذين قتلهم في غزة”.

في غضون ذلك، يزعم أعضاء الفصيل الذي يرأسه عباس أن دعم أعضاء الكنيست الأكثر ليبرالية لحقوق المثليين – والذي جاء إلى الواجهة هذا الصيف – كان الضربة الأولى في الصراع الداخلي بين الأحزاب العربية.

ولقد صوت رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، والنائبة عايدة توما سليمان لصالح مشروع قانون يحظر ما يُسمى ب”علاج التحويل”، وهي ممارسة علمية زائفة تسعى إلى تغيير الميول الجنسية الفطرية للمثليين. بشكل غير مفاجئ، اختار عباس وفصيله المحافظ التصويت ضد القانون.

في اتصال هاتفي مع تايمز أوف إسرائيل، قال سكرتير القائمة العربية الموحدة، وليد الهواشلة: “خذها مني: التدهور في مكانتنا في الوسط العربي جاء عندما صوت أيمن عودة وعايدة توما سليمان لصالح حظر علاج المنحرفين”.

عضو الكنيست عن القائمة المشتركة يوسف جبارين يشارك في قافلة احتجاج على الطريق 6 للمطالبة بتحرك الحكومة ضد العنف في المجتمعات العربية. (Courtesy Yousef Jabareen)

جزء كبير من المجتمع العربي في إسرائيل محافظ بلا شك، ويرفض المثلية، ومستاء من قرار عودة بالتصويت لصالح حظر علاج التحويل. لكن في استطلاع تلو الآخر، تتدنى القضايا الاجتماعية على قائمة أولويات الناخبين العرب.

في قائمة من ثمانية خيارات عُرضت في الاستطلاع الأخير لمقالدة، كانت الأولوية الأكثر أهمية هي محاربة العنف والجريمة المنظمة في المدن العربية – حيث قال 51.8% إنها القضية الأولى بالنسبة لهم وبفارق كبير عن كل القضايا الأخرى. جاء حل أزمة الإسكان في البلدات العربية ومحاربة الفقر في المرتبتين الثانية والثالثة، حيث اعتبرهما حوالي 12٪ ممن شملهم استطلاع الرأي أولوية قصوى.

حول هذه القضايا، كان الإجماع على الحاجة إلى العمل جارفا، لكن القائمة المشتركة كانت غير فعالة. وألقى جبارين، عضو الكنيست عن الجبهة، باللوم على الحكومة الهشة والمنقسمة وأزمة كورونا.

وقال جبارين “ركزت الحكومة بالكامل على التعامل مع الكورونا، لذلك لا يمكن للقائمة المشتركة أن تترجم سلطتها السياسية الجديدة إلى تشريعات. في الأشهر القليلة الماضية، لم تكن هناك حتى حكومة”.

لكن حتى في السنوات الجيدة، لم يمارس مواطنو إسرائيل العرب مطلقا هذا النوع من القوة السياسية التي تمارسها الجماعات اليهودية، مثل الحريديم أو المتدينين القوميين، وقد تم إهمالهم من قبل نتنياهو والمعارضة.

وقال مقالدة “ما الذي يمكن أن تفعله القائمة المشتركة بشأن القضايا الأكثر أهمية لعرب إسرائيل؟ ببساط لا شيء”.

حتى عودة أقر بأنه قد يكون بالغ في وعده الأولي بما سيكون من الممكن انجازه مع 15 مقعدا.

وقال عودة في مقابلة مع قناة “بكرا” الفلسطينية في أوائل شهر يناير “في بعض الأحيان يكون من المهم إدارة توقعات الناس. في بعض الأحيان ترفع سقف توقعات الناس وتحصل على نتيجة كبيرة – ولكن لأنك جعلتهم يتوقعون المزيد، تبدو صغيرة”.

لقد قيل الكثير عن علاقة منصور عباس التي تبدو حميمة مع نتنياهو. لقد أعلن السياسي الإسلامي الملتزم عن استعداده العميق للتعاون مع حزب الليكود من أجل الدفع بالعديد من القضايا التي تحتل أولوية قصوى للمجتمع العربي.

مارس عباس الضغط على نتنياهو للمصادقة على  خطة واسعة النطاق لمكافحة العنف في المجتمع العربي وتخصيص تمويل لها، وأثنى عليه وعلى حلفائه علنا لجهودهم لحل القضية.

منصور عباس، من حزب القائمة العربية الموحدة، خلال مؤتمر صحفي بعد لقاء مع رئيس الدولة رؤوفين ريفلين في مقر رؤساء إسرائيل في القدس، 16 ابريل، 2019.(Noam Revkin Fenton/Flash90)

لكن تعامل عباس مع رئيس الوزراء اليميني لم يترك له حتى الآن الكثير ليعرضه باستثناء إثارة غضب زملائه. كما فشلت قضايا أخرى حاولت القائمة العربية الموحدة الدفع بها في الحكومة، مثل محاولة إضفاء الشرعية على عدد من القرى البدوية غير المعترف بها في جنوب البلاد، والتي فشلت عندما طالب مستوطنون من الضفة الغربية بالاعتراف بعدد من البؤر الاستيطانية غير القانونية في المقابل.

“من الواضح أن أسباب الامتناع عن الاعتراف كانت سياسية تماما، وليست مهنية”، هذا ما قاله عضو الكنيست عن حزب القائمة العربية الموحدة، سعيد الخرومي، لتايمز أوف إسرائيل.

رجل حريدي يسير بالقرب من لوحة إعلانية لحزب الليكود في في 17 فبراير ، 2020 ، تظهر عليها (من اليسار إلى اليمين) صورتي بيني غانتس، رئيس حزب “أزرق أبيض” وأحمد الطيبي، عضو الكنيست عن “القائمة المشتركة”، مع شعار: “لا حكومة لغانتس بدون طيبي”. (Ahmad Gharabli / AFP)

بكلمات أخرى، يبدو إن كلا الاستراتيجيتين السياسيتين التي اتبعتها السياسيون العرب هذا العام لم تؤت بثمارها. فلقد أوصى السياسيون العرب على غانتس كرئيس للوزراء، فقط ليجدوا أن الجنرال السابق قرر تجاهلهم. وعباس تغازل مع نتنياهو ولم يتلق سوى الكثير من الضجيج ووابل من الانتقادات من داخل القائمة المشتركة.

لكن خبير استطلاعات الرأي رودنيتسكي يرى أن عباس، على الأقل، يدرك تماما ما الذي سيفعله في هذه الانتخابات، واصفا استراتيجيته بأنها”مناورة رائعة”.

وشرح رودنيتسكي قائلا: “يأمل عباس أن يكون هو العامل الفاصل في الائتلاف المقبل. هل تعرف ما الذي يمكن عمله بأربعة مقاعد؟ لديه قدر هائل من النفوذ”.

يبدو أن الناخبين العرب محبطون وغير منظمين وغير متحمسين للانتخابات القادمة. إن زيادة اللامبالاة بين الناخبين – التي ربما أذكتها حملة نتنياهو للحصول على أصوات عربية – تبدو طبيعية. فهم يشعرون أنه حتى بعد حشد أعظم قوة سياسية رآها مواطنو إسرائيل العرب في الدولة اليهودية، وحتى بعد تجربة كل شيء، وكسر المحرمات السياسية على اليسار واليمين، فشل ممثلوهم في تحقيق أهدافهم السياسية الرئيسية.

ربما يكون الاستثناء الوحيد هو تجميد أجزاء من قانون تم سنه في عام 2018 يعاقب على البناء غير القانوني؛ واضعو القانون قالوا إن النية من القانون كانت استهداف النباء غير القانوني في الوسط العربي. هذا الإنجاز أقل مما كانت تأمله القائمة المشتركة – وقد أطلق سياسيوها حملة علنية بشأن إلغاء القانون – لكن مع ذلك كان هذا فوزا مطلوبا بشدة في عام صعب.

سياسيو القائمة المشتركة الذين تحدثوا مع تايمز أوف إسرائيل أعربوا عن أملهم في استعادة بعض الثقة، التي فُقدت، خلال الحملة الانتخابية.

وقال الخرومي: “لدينا وقت قبل الانتخابات لسد الفجوات. هناك وقت طويل قبل أن يتوجه الناس للتصويت”.

ولكن مع انهيار الحكومة ومع احتمال ضئيل في تمرير تشريعات رئيسية في غضون ذلك، قد لا يكون ذلك ممكنا.

وقال رودنيتسكي: “لو كان هناك المزيد من الوقت، ربما لتمرير خطة حكومية أخرى، فربما كان بإمكانهم تخفيف الضربة. لكن الانتخابات الآن”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال