مقتل فتى فلسطيني بنيران جنود إسرائيليين في الضفة الغربية، والجيش لم يوضح الدوافع
بحث
تحقيق

مقتل فتى فلسطيني بنيران جنود إسرائيليين في الضفة الغربية، والجيش لم يوضح الدوافع

العائلة تطالب بمحاكمة الجنود الذين أطلقوا النار على عمار أبو عفيفة. لكن من النادر توجيه لوائح اتهام ضد جنود أطلقوا النار على فلسطينيين في ظروف غامضة

فلسطينيون يقفون فوق جثمان عمار شفيق أبو عفيفة، الذي قُتل برصاص قوات الجيش الإسرائيلي بالقرب من بلدة بيت فجار، خلال جنازته في مخيم العروب للاجئين بالقرب من مدينة الخليل بالضفة الغربية، 2 مارس، 2022.  (Wisam Hashlamoun/ Flash90)
فلسطينيون يقفون فوق جثمان عمار شفيق أبو عفيفة، الذي قُتل برصاص قوات الجيش الإسرائيلي بالقرب من بلدة بيت فجار، خلال جنازته في مخيم العروب للاجئين بالقرب من مدينة الخليل بالضفة الغربية، 2 مارس، 2022. (Wisam Hashlamoun/ Flash90)

مخيم العروب، الضفة الغربية – بحسب الجيش، أطلق الجنود النار على عمار أبو عفيفة، وهو طالب فلسطيني يبلغ من العمر 19 عاما أثناء فراره. على عكس العديد من عمليات اطلاق النار التي تُعد محل خلاف في الضفة الغربية المتوترة، لم يتهم الجيش الإسرائيلي أبو عفيفة بارتكاب أي اعمال عنف.

أعلنت الشرطة العسكرية عن فتح تحقيق في وفاته، لكن المنتقدين يشيرون إلى أن تحقيقات الشرطة نادرا ما تنتهي بتوجيه لوائح اتهام ضد جنود إسرائيليين.

قالت عائلة أبو عفيفة أن ابنهم، وهو من سكان مخيم العروب القريب، دخل أرضا رعوية في نزهة مع صديق. الفلسطينيون الذين يعيشون في أزقة المخيم المتعرجة والضيقة يزورون المكان بانتظام.

وقال محمد، أحد أقرب أصدقاء عمار، الذي كان معه قبل لحظات من مقتله: “خرجنا لتنفس بعض الهواء النقي. لا توجد أي أماكن خضراء في المخيم. نحن نعيش في قفص”.

عمار أبو عفيفة (19 عاما) قُتل برصاص جنود إسرائيليين بالقرب من مخيم العروب، 2 مارس، 2022. (courtesy)

وفقا للجيش الإسرائيلي، رصد الجنود أبو عفيفة وصديقه محمد يقتربان من بقعة صغيرة بنيت لإحياء ذكرى آري فولد، وهو يهودي أمريكي-إسرائيلي قُتل في هجوم فلسطيني عام 2018.

وجاء في بيان مقتضب أصدره الجيش بعد وقت قصير من مقتل أبو عفيفة، “الجنود الإسرائيليون الذين تم استدعاؤهم إلى مكان الحادث شاهدوا المشتبه بهما الفارين وطاردوهما. بعد ذلك، شرعوا في إجراء عملية الاعتقال التي شملت إطلاق النار عليهما. أحدهما توفي”.

قُتل سبعة فلسطينيين في مواجهات عنيفة مع القوات الإسرائيلية خلال الأسبوعين الماضيين. بعضهم في اشتباكات عنيفة مع جنود إسرائيليين بالقرب من جنين، بينما قُتل آخرون في محاولات طعن في البلدة القديمة بالقدس.

لكن البعض، مثل أبو عفيفة، قُتلوا في ملابسات أكثر غموضا. بعد أسبوعين من مقتله، لم يعدل الجيش الإسرائيلي روايته الأولية عن إطلاق النار على أبو عفيفة دون أي عنف من جانبه.

سميحة أبو عفيفة (يسار)، والدة عمار أبو عفيفة، الذي قتلته القوات الإسرائيلية في ظروف غامضة ، تجلس بجانب ابنها عيسى (24 عاما) شقيق عمار الأكبر، 9 مارس، 2022. (Aaron Boxerman / The Times of Israel)

الموت المفاجئ للشاب حطم عائلته. احتشد أقارب أبو عفيفة في الأسبوع الماضي في الصالون الضيق في منزل العائلة المتواضع الذي يبعد نحو 40 دقيقة جنوب القدس. في الخارج، علقت صور الشاب أبو عفيفة فوق البوابة.

شددت عائلته على أن عمار المحب للكتب والمزاح كان الشخص الأخير الذي يُتوقع أن يتعرض لإطلاق النار من الجنود الإسرائيليين.

وقال ابن عمه شادي أبو عفيفة: “عمار ليس مهاجما. إنه ضحية، ونحن نريد العدالة”.

طفل صغير، أحلام كبيرة

قالت شقيقته أسمان، إن عمار كان طالبا مجتهدا وصاحب ضمير حي وكانت ولديه “أحلام كبيرة”. على الرغم من نشأته الصعبة في أحد أقسى مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، إلا أنه كان مصمما على أن يصنع شيئا من نفسه.

وقالت أسمان (21 عاما): “كان يشجع الأطفال الآخرين على الدراسة، ليكون لديهم طموحات كبيرة. شجعهم على التفكير في الذهاب إلى الجامعة”.

أبلى عمار بلاء حسنا في امتحانات الثانوية العامة ليتم قبوله بعد ذلك في إحدى الجامعات المرموقة في رام الله. لكن الدخل المتواضع للأسرة – والده شفيق يعمل كبواب – كان يعني أنه لن يستطيع تحمل تكاليف الدراسة، لذلك التحق بكلية تقنية محلية بدلا من ذلك، كما روى شقيقه عيسى.

عمار أبو عفيفة البالغ من العمر 19 عاما (يسار)، قُتل برصاص جنود إسرائيليين بالقرب من مخيم العروب في 2 مارس، 2022. (courtesy)

وصفته والدته سميحة بأنه شاب شغوف بدراسته سريع الابتسام والضحك، وقالت إن عمار أحب الطبيعة، حتى أنه كان يربي مجموعة من الطيور على سطح منزل العائلة.

وقالت: “أحب عمار الأشياء الخضراء.كان يحب أن يمشي على العشب وأن يضيع في الطبيعة”.

تشهد بلدة أبو عفيفة، مخيم العروب، بانتظام اشتباكات عنيفة مع الجنود الإسرائيليين. في الأفق يظهر برج عسكري إسرائيلي فوق مدخل متاهة المباني الخرسانية والأزقة الضيقة للمخيم، وتقوم القوات بدوريات عند مدخله.

قضى معظم إخوة عمّار وأبناء عمه – مثل العديد من الفلسطينيين في المخيم – فترات بالسجن في إسرائيل لتورطهم في مخالفات أمنية. لكن عائلته قالت إن عمار لم يكن منخرطا في السياسة.

وقال ابن عمه أحمد: “كان تفكيره كله منصب على دراسته ومستقبله”.

عندما كان الجيش يداهم المخيم لإجراء اعتقالات، كان عمار يجلس في غرفته. كانت عائلته تأمل في أن يتمكن الطالب الناجح من الخروج من العروب، على عكس الآخرين المحاصرين في فقر ينتقل من جيل لآخر في المخيم.

حتى 2 مارس، يوم إطلاق النار على عمار. في وقت سابق من ظهر ذلك اليوم، قال عمار أنه كان متوجها مع صديقه محمد إلى منطقة بعيدة عن مداخل المخيم، التي تعد مواقع متكررة للاشتباكات مع القوات الإسرائيلية.

شفيق ابو عفيفة (50 عاما)، الذي قتل ابنه عمار رصاص جنود إسرائيليين بالقرب من مخيم العروب في 2 مارس، 2022.(Aaron Boxerman/The Times of Israel)

توقف الاثنان عند محل بقالة محلي لشراء بذور عباد الشمس قبل أن يشقا طريقهما عبر الطريق المنحدر المؤدي إلى خارج مخيم اللاجئين، بعيدا عن البرج العسكري الإسرائيلي عند مدخل المخيم، وصولا إلى سفح التل.

وصل عمار ومحمد إلى تلة خضراء مليئة بالأشجار على بعد كيلومتر واحد من المخيم. تقع مستوطنة ميغدل عوز الإسرائيلية على بعد 400 متر عبر طريق صغير.

وبحسب محمد، الذي طلب عدم الكشف  عن اسم العائلة خوفا من الانتقام، رصد الاثنان جنديا صاح في وجههما بالعبرية. هرب الاثنان بعد أن شعرا بالذعر. والطلقات النارية تبعتهما مباشرة.

وقال محمد: “كانت هناك عشرات الرصاصات، كانوا يطلقون النار في كل مكان. لذنا بالفرار”.

في هذه الفوضى، ركض الاثنان في اتجاهين مختلفين. وقال محمد أنه عرف عن مقتل صديقه في وقت لاحق فقط.

وكتب أحد المستجيبين الأوائل الإسرائيليين في تقرير، “جروح طلقات نارية على حاجبه الأيسر. إصابة بعيار ناري في فخذه الأيسر. الكثير من الدم على رأسه وساقه. اتساع في حدقة العين”.

واحتجز الجيش جثمان عمار لعدة ساعات. حوالي الساعة الثالثة فجرا – بعد أن أكد مسعفون إسرائيليون وفاته – تم تسليم جثته إلى عائلته.

بحسب شفيق، تلقت العائلة مكالمة هاتفية من قائد في جهاز الأمن العام (الشاباك) المحلي بعد بضعة أيام. وطلب الضابط، المعروف بلقبه العربي “الكابتن نضال”، من شفيق أن “يهتم ببقية أولاده”.

ملصقات تعلن مقتل عمار أبو عفيفة، (19 عاما)، من سكان مخيم العروب بالقرب من الخليل. (Aaron Boxerman / The Times of Israel)

وقال شفيق: “لقد هددني. كيف يمكنك أن تطلق النار على ابني ثم تهددني؟ أغلقت الخط”.

ورفض الشاباك التعليق.

منذ مقتل عمار، يعتني شقيق عمار الأكبر، عيسى ، بالطيور التي تركها شقيقه على سطح منزلهم. قد تأتي بعض هذه الطيور ذات الريش الزاهي بثمن جيد، لكن عيسى قال إنه لا ينوي التخلي عنها.

وقال: “إنهم لعمار. لن أتمكن من بيعها”.

“موقف مختلف”

فتحت الشرطة العسكرية بالجيش الإسرائيلي تحقيقا في مقتل عمار. لكن نادرا ما تتم إدانة جنود إسرائيليين في حوادث إطلاق نار تحدث في ظروف مشكوك فيها.

يقرر المدعون العسكريون الإسرائيليون في نهاية المطاف ما إذا كان سيتم إغلاق القضية، أو التوصية بإجراءات تأديبية داخلية، أو توجيه اتهامات. في حالة تقديم لائحة اتهام، يمثل الجنود أمام محكمة عسكرية أمام قضاة من الجيش الإسرائيلي.

بين سنوات 2011-2019، من بين 200 تحقيق في حوداث قُتل فيها فلسطينيون بالرصاص، أدين جنديين فقط، وفقا لمعطيات رسمية قدمتها منظمة “بتسيلم” الحقوقية اليسارية.

وفقا للجنرال الإسرائيلي السابق نيتسان ألون، فإن إسرائيل تحاول تحقيق توازن يمكن الجنود من استخدام القوة الفتاكة عند الضرورة وتجنب النيران المتهورة التي تودي بحياة الأبرياء.

قال ألون، الذي أشرف على قيادة المنطقة الوسطى الإسرائيلية – التي تشمل الضفة الغربية – من عام 2012 إلى عام 2015: “تتخذ السياسة موقفا مختلفا تجاه النيران الخاطئة من قبل الجنود، ما لم يكن هناك دليل واضح على الإهمال أو النية الخبيثة”.

إلا أن القائد السابق حذر من أن تكرار “الحوادث” التي يُقتل فيها فلسطينيون بهذه الطريقة قد يؤدي إلى اندلاع اضطرابات أوسع نطاقا.

وقال ألون: “مثل هذه الحوادث ترفع درجة الحرارة في جميع أنحاء الضفة الغربية. وإذا كان هناك العديد منها في فترة قصيرة من الزمن، فقد يؤدي ذلك إلى تدهور أكبر في الوضع”.

شارع 60، كما يظهر من سطح منزل أبو عفيفة في مخيم العروب للاجئين بالقرب من الخليل. (Aaron Boxerman/ The Times of Israel)

أكد المحامي العسكري الإسرائيلي الكبير السابق آشر هلبرين أن الصورة الكاملة لم تتضح بعد، بغض النظر عن التصريحات الأولية للجيش.

وقال هلبرين، الذي شغل منصب كبير محامي الدفاع في الجيش الإسرائيلي بين الأعوام 2012-2016، المكلف بتمثيل الجنود المتهمين بانتهاك القانون العسكري: “في كثير من الأحيان، يتم فتح تحقيق، وللوهلة الأولى يبدو أنه كان هناك انتهاك لقواعد إطلاق النار. لكن بعد ذلك، مع تقدم التحقيق، تصبح الصورة أكثر تعقيدا”.

بحسب رواية الجيش، أطلق الجنود النار على أبو عفيفة وصديقه محمد في محاولة لاعتقالهما. يُسمح للجنود بإطلاق النار لاعتقال المشتبه بهم – إلا أنه من غير الواضح ما الذي يُشتبه في قيام أبو عفيفة ومحمد بفعله، إن وجد أصلا.

حتى لو استخدم الجنود القوة المميتة لتنفيذ عملية اعتقال، فليس المقصود منها إطلاق النار بهدف القتل، لكن الأخطاء تحدث، كما يقول هلبرين.

وقال هلبرين: “عندما تطلق النار باتجاه ساقيّ شخص ما، وهو يركض أو يزحف، لا يمكنك أن تكون دقيقا. حقيقة أن مثل هذا الحادث ينتهي بمقتل شخص ليس بالضرورة إخفاقا عملياتيا، ناهيك عن جريمة جنائية”.

ويقول منتقدون إن التحقيقات العسكرية تحمي الجنود على حساب الفلسطينيين. غالبا ما تستغرق التحقيقات سنوات وتُغلق معظم القضايا دون توجيه اتهامات.

وتقول ياعيل شتاين، باحثة في مجموعة “بتسيلم” الحقوقية إن “النظام ببساطة لا يريد محاسبة الجنود على ذلك. ليس من قبيل المصادفة أن الجنود لا يمثلون للمحاكمة، إلا في حالات نادرة جدا”.

حتى عندما يُدان جنود بفتح النار على فلسطينيين أبرياء دون سبب مبرر، فإن العقوبات نادرا ما تكون قاسية، بحسب شتاين.

في عام 2019، أطلق جندي إسرائيل النار على الشاب الفلسطيني علاء غياضة، بعد أن ظن أنه كان يلقي الحجار بالقرب من حاجز عسكري في بيت لحم. راى أحمد مناصرة (22 عاما) غياضة وهو ينزف على الطريق وأوقف سيارته لتقديم المساعدة. أطلق الجندي النار مجددا وقتل مناصرة.

فلسطينيون يودعون عمار شفيق أبو عفيفة، الذي قُتل بنيران القوات الإسرائيلية من بلدة بيت فجار ، خلال جنازته في مخيم العروب للاجئين ، بالقرب من مدينة الخليل بالضفة الغربية، 2 مارس، 2022. (Wisam Hashlamoun/Flash90)

خلص المحققون في وقت لاحق إلى أنه لا غياضة، الذي نجا ، ولا مناصرة قاما برشق الحجارة على الإطلاق. وتوصل الجندي إلى صفقة إدعاء مع النيابة العسكرية الإسرائيلية فُرض عليه بموجبها خدمة غير مدفوعة الأجر لثلاثة أشهر وخفض رتبته إلى عسكري.

اجتمعت عائلة أبو عفيفة بعد أيام قليلة من وفاة عمار وناقشت ما إذا كان التحقيق العسكري مجديا.

في حديثه مع والدي عمار، أصر ابن عمه شادي أبو عفيفة: “في نهاية المطاف، توجد في إسرائيل قوانين. هناك احتلال، لكنهم أقروا بأن قتله كان خطأ”.

لكن ذلك لم يقنع والدته ووالده، اللذين كان لا يزالان مصدومين بشكل واضح من مقتل ابنهما. اقتبست سميحة، بصوت متأثر، آية من القرآن “أرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل”.

وشرحت قائلة “سينصفه الله” في إشارة إلى الجندي الذي أطلق النار على عمار.

وأضافت: “أريد منهم فقط أن يتركوننا وشأننا، الابتعاد عنا وعن بقية أولادنا. اتركونا وشأننا”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال