إسرائيل في حالة حرب - اليوم 229

بحث

معركة لوقف تدفق الأموال لحركة حماس في غزة

تم تجميد حسابات العملات المشفرة لحماس، لكن لا يزال لدى الحركة "سيولة" كبيرة؛ طالب 107 مشرعين أمريكيين بتشديد اللوائح بعد الإعلان عن عقوبات على شركة قامت بتبيض العملات المشفرة لحماس

توضيحية: العملات المشفرة المستخدمة لتمويل الإرهاب (Lubo Ivanko / Alamy Stock Photo)
توضيحية: العملات المشفرة المستخدمة لتمويل الإرهاب (Lubo Ivanko / Alamy Stock Photo)

في مكان ما في خان يونس، ثاني أكبر مدينة في غزة، توجد شركة عملات مشفرة اسمها “Buy Cash” (اشتر نقدا).

ومن غير المعروف ما إذا كانت مكاتب الشركة موجودة بالفعل هناك أم أنها مجرد عنوان ويب، ولكن تعرف إسرائيل والولايات المتحدة أن هذه الشركة تستخدم في السنوات الأخيرة لغسل العملات المشفرة وتسليم الأموال النقدية إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي – وحتى إجراء معاملات تبادل مع حزب الله.

وقبل عشرة أيام، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إدراج الشركة ضمن قائمة الشركات الخاضعة للعقوبات، ما يعني تجميد جميع أصول الشركة – الممتلكات أو الحسابات أو الأشخاص الذين يتحكمون في أنشطة الشركة.

وكانت إسرائيل (وحدة “لاهاف 433” السيبرانية) قد ضبطت محفظة الشركة الرقمية في يونيو 2021 خلال حملة لجمع التبرعات بالعملات الرقمية، بما في ذلك “بيتكوين”، لصالح حركة حماس. ووكانت الأموال مخصصة لكتائب عز الدين القسام، الذراع العسكرية لحركة حماس.

فلسطينيون يستلمون مساعدات مالية من قطر في مكتب بريد بمدينة غزة، 20 يونيو، 2019. (Abed Rahim Khatib/Flash90)

وبالإضافة إلى عملها بمثابة محفظة لحركة حماس، عملت الشركة أيضا كمركز لتحويل الأموال بين التنظيمات المسلحة المختلفة. ووفر الأمريكيون بعض الأمثلة في الإعلان عن العقوبات، منها تحويل أموال إلى خدمة دفع موجودة في تركيا ومرتبطة بتنظيم “القاعدة”، أو حساب تابع لـ”Buy Cash” مسجل بأسماء أشخاص متورطين في عمليات تنظيم داعش في سوريا وفي العراق.

الشخص الذي سجل عنوان الموقع الإلكتروني للشركة عام 2015 هو من سكان غزة. وعمل طوال هذه السنوات كممثل للشركة ومالكها. وقد أعلنت السلطات في إسرائيل والولايات المتحدة عن هذه الشركة – والأشخاص المرتبطين بها – ممولين للإرهاب، وموفري سلع وأموال لحماس.

إعلان وزارة الخزانة الأمريكية يعني تجميد جميع أصول الشركة وحساباتها واتصالاتها. ويعني بالطبع حظر التواصل معها و/أو تحويل الأموال أو العملات المشفرة إليها

إعلان وزارة الخزانة الأمريكية يعني تجميد جميع أصول الشركة وحساباتها واتصالاتها. ويعني بالطبع حظر التواصل معها و/أو تحويل الأموال أو العملات المشفرة إليها.

ولكن معظم المعلومات المنشورة هذا الأسبوع على موقع العقوبات التابع لوزارة الخزانة الأمريكية تستند إلى معلومات تم جمعها بين عامي 2015-2021. لدى الشرطة الإسرائيلية معلومات حديثة أكثر، لكن يحظر على عناصر وحدة “لاهاف” الكشف عن المعلومات للجمهور فورا، من أجل السماح بإجراء العمليات السرية لحظر الحسابات والمحافظ الرقمية.

صورة توضيحية لـ”بيتكوين” (iStock)

المحافظ الرقمية والعملات المشفرة لتمويل الإرهاب

اعتمدت حماس على عدة طرق تمويل عبرب السنين. الطريقة الأولى هي التمويل من دول، مثل إيران وقطر، والثانية هي جمع التبرعات من جمعيات حول العالم تتظاهر بأنها جمعيات خيرية. يعتقد بعض المتبرعين لهذه الجمعيات الخيرية أنهم يتبرعون لجمعية خيرية إسلامية. لكن الجمعيات المزعومة تقوم فعليا بتحويل الأموال إلى حماس والجهاد.

أما الطريقة الثالثة – والتي تصاعدت في العقد الماضي – فهي جمع التبرعات عبر الإنترنت. وكثيرا ما تكون هذه عمليات تحويل لمبالغ صغيرة باستخدام المحافظ الرقمية. ووفقا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” بتاريخ 10 أكتوبر، حصلت حماس على إجمالي 41 مليون دولار من العملات الرقمية خلال العامين الماضيين – وحصلت حركة الجهاد الإسلامي على 93 مليون دولار خلال نفس الفترة.

كشف تمويل الإرهاب عبر المحافظ الرقمية أمر صعب. هذه ليست تحويلات مصرفية عبر بنوك مركزية لها سيطرة وإشراف، بل تجارة تتم مباشرطة بين الأطراف، التي تكون مجهولة في العديد من الأحيان

كشف تمويل الإرهاب عبر المحافظ الرقمية أمر صعب. هذه ليست تحويلات مصرفية عبر بنوك مركزية لها سيطرة وإشراف، بل تجارة تتم مباشرطة بين الأطراف، التي تكون مجهولة في العديد من الأحيان.

وأوضح المحامي يهودا شيفر، الذي أسس وترأس هيئة حظر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب – وشغل فيما بعد منصب نائب المدعي العام لشؤون التنفيذ الاقتصادي – لموقع “زمان يسرائيل” العبري الشقيق لتايمز أوف إسرائيل أن إحدى الطرق التي تستخدمها هذه المنظمات لتحويل الأموال هي إستغلال الطرق المشروعة للعمال الأجانب في إسرائيل لتحويل الأموال.

المحامي يهودا شيفر (Courtesy)

وهكذا، على سبيل المثال، كان العمال الأجانب من إريتريا أو الصين الذين يعملون في إسرائيل يذهبون في فترة معينة إلى رام الله لتحويل الأموال إلى أفراد أسرهم في بلدانهم. “ذلك يتم دون أي بصمة مالية. شخص دفتر وقلم رصاص يعطي ألف دولار ويحصل على رمز”.

“يتصل بعائلة في الصين أو إريتريا. ويعطيهم الرمز – فيحصلون على المال”، أوضح شيفر، وأضاف أن “حماس استغلت هذه الطرق، ولكن من الجانب الآخر. شخص ما في رام الله أو في مكان آخر لاحظ حجم تبادل الأموال – وطلب إرسال الأموال من الصين أو إريتريا إلى رام الله، على سبيل المثال”.

في كل محور من محاور حركة الأموال المشروعة للعمال الأجانب، استغلت المنظمات الإرهابية المحور في الاتجاه المعاكس. لقد لاحظوا عمل الوسطاء وكم النشاط الهائل، وبالتالي ساعدوا في جلب الأموال إلى المنظمات الإرهابية

“في كل محور من محاور حركة الأموال المشروعة للعمال الأجانب، استغلت المنظمات الإرهابية المحور في الاتجاه المعاكس. لاحظت المنظمات عمل الوسطاء وكم النشاط الهائل، وبالتالي ساعدت في جلب الأموال إلى المنظمات الإرهابية. وبالنظر إلى عدم وجود بصمة رقمية، فكان من الصعب للغاية كشف ذلك حينها”.

كما ذكرنا سابقا، كان نشاط وحدة “لاهاف 433” السيبرانية الرئيسي في السنوات الأخيرة هو الاستيلاء على حسابات العملات الرقمية. وقد انكشف الجمهور في إسرائيل في الأسابيع الأخيرة على استمرار جمع التبرعات عبر حسابات “تلغرام” مناصرة لحماس وغيرها. والشرطة على علم بجميع مراكز النشاط من هذا القبيل، وتتعامل معها.

قائد وحدة “لاهاف 433” السيبرانية دودي كاتس (Police spokesperson)

وإضافة إلى وحدة “لاهاف 433” السيبرانية، يقوم المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الاقتصادي التابع إلى وزارة الدفاع، والذي يقوده بول لاندز، بعمل مكثف أيضا. وقد حدد المركز ووحدة “لاهاف” (سايبر) حسابات 67 عميلا في شركة “باينانس” (Binance) – أكبر بورصة عملات مشفرة في العالم – وطالبا بفرض أمر حجز على هذه الحسابات.

وقالت صحيفة “وول ستريت جورنال” إن وزارة العدل الأمريكية تحقق حاليا في الطريقة التي تقدم بها “باينانس” تقاريرها إلى السلطات – وما إذا كانت تمتثل للقواعد التي تحظر غسل الأموال. وتأسست “باينانس” عام 2017 في جزر كايمان على يد تشانغفنغ تشاو – وهو مواطن كندي مولود في الصين – وهي أكبر بورصة للأصول الرقمية تبلغ تجارتها سنوية 7.7 تريليون دولار ولديها 28 مليون عميل.

حددت وحدة “لاهاف” (سايبر) حسابات 67 عميلاً في شركة “باينانس” – أكبر بورصة عملات مشفرة في العالم – وطلبت فرض أمر حجز على هذه الحسابات

وقالت الشرطة أنه تم أيضا تجميد حساب في بنك “باركليز” في بريطانيا، والذي تبين أن له علاقة بجمع الأموال لحماس. وكانت الحركة فد نشرت تفاصيل الحساب حتى يتمكن الجمهور من إيداع الأموال فيه.

***

بالنسبة لوحدة السايبر، مسألة الحسابات المكشوفة – مثل الحساب في بنك “باركليز” – ليست هي المشكلة. هناك يتم العمل مع السلطات البريطانية بسرعة كبيرة.

تأتي الصعوبات في كشف شبكات العملات المشفرة. إنها مشكلة يصعب حلها لأنه لا توجد في الواقع أطراف محددة مرتبطة بالحساب، بل مجرد محفظة رقمية مع “شهادة تعريف” – وهناك تقنيات تتبع محددة في هذا المجال تم تطويرها في إسرائيل.

وتمكنت “لاهاف” من تفكيك مئات المحافظ النشطة التابعة للمنظمات المسلحة وتجميدها. والكلام يدور عن محافظ تحتوي على ملايين الدولارات. وفي الوقت نفسه، تمكنت حماس من تحقيق “سيولة” لمبالغ كبيرة حتى أثناء القتال، لأن تحويل الأموال عبر المحافظ الرقمية لا يتطلب الاحتفاظ بأموال “حقيقية”.

توضح وحدة “لاهاف” السيبرانية أن الحركات المسلحة تعمل مع بعضها البعض في تبادل العملات المشفرة، في حين أن العمال النهائيين – الصرافين – هم أشخاص وهميين مع جوازات سفر مزورة وعناوين IP متغيرة

وتوضح وحدة “لاهاف” السيبرانية أن الحركات المسلحة تعمل مع بعضها البعض في تبادل العملات المشفرة، في حين أن العمال النهائيين – الصرافين – هم أشخاص وهميين مع جوازات سفر مزورة وعناوين IP متغيرة. ومواجهة هذه النشاطات تتطلب التعاون مع قوات الشرطة في أوروبا والولايات المتحدة.

وقالت وحدة السايبر لموقع ”زمان يسرائيل” إن هذا التعاون كان في العادة جيدًا جدًا، قبل الحرب، لكنه الآن تزايد وتعزز.

صورة توضيحية لهجوم سيبراني (iStock)

رسالة المشرعين الأمريكيين

بعد إعلان وزارة المالية، بعث 107 مشرعين أميركيين (من مجلسي الشيوخ والنواب) من الحزبين – الجمهوري والديمقراطي – برسالة إلى البيت الأبيض زعموا فيها أن فرض العقوبات على أصول حماس وأفرادها كشف “الفجوة الكبيرة الموجودة في مسألة استخدام العملات المشفرة لجمع الأموال من قبل المنظمات الإرهابية”.

وجاء في الرسالة، التي بادرت إليها السيناتور إليزابيث وارن، أن هناك حاليا تهديدا خطيرا للأمن الوطني من قطاع العملات المشفرة، والذي يعمل كقاعدة كبيرة لتمويل الإرهاب. “تستخدم حماس العملات المشفرة منذ عام 2019، وقد أصبح هذا من أكثر الأساليب تطورا في مجال تمويل الإرهاب”.

جرت محاولة في عهد حكومة بينيت لتحويل الأموال النقدية إلى بطاقات مساعدات إنسانية قابلة للشحن، بحيث لا يمكن استخدام الأموال إلا لشراء المنتجات الحيوية

وتدعي وارن، كما أوضحنا أعلاه أيضا، أن تحويل العملات الرقمية يتم بسرعة، في تبادل مباشر بين طرفين، غالبًا من قبل مستخدمين مجهولين. “يوجد حاليًا تشريع في مجلس الشيوخ يلزم هيئة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية (FinCEN) بوضع لوائح متقدمة للتقليل من مخاطر التمويل غير القانوني”.

ويوضح المحامي يهودا شيفر أنه على الرغم من التمويل الرقمي، فإن معظم تمويل هذه المنظمات لا يزال يأتي من دول، “وقد سمحت إسرائيل بتحويل الأموال من قطر”. وبحسب قوله، “جرت محاولة في عهد حكومة بينيت لتحويل الأموال النقدية إلى بطاقات مساعدات إنسانية قابلة للشحن، بحيث لا يمكن استخدام الأموال إلا لشراء المنتجات الحيوية”.

إليزابيث وارن (AP Photo/Ringo H.W. Chiu)

وأشار شيفر أيضا إلى أنه على مدار 20 عاما، سمحت الحكومات الإسرائيلية المختلفة بتحويل الأموال إلى حماس من قطر. “تقوم وحدة لاهاف السيبرانية والمركز الوطني لمكافحة الإرهاب الاقتصادي في وزارة الدفاع اليوم بعمليات مراقبة جدية”.

وأضاف أن “كل المعلومات تصل إليهم ويقومون بتمريرها إلى الإنتربول والوكالات الأخرى في جميع أنحاء العالم، لكن للأسف السلطات الأوروبية في غيبوبة فيما يتعلق بتمويل الإرهاب، لأنه يتم جمع الأموال في أوروبا عبر جمعيات تتظاهر أنها خيرية”.

وقال إن بعض الجمعيات تعمل في بريطانيا، والبعض الآخر في فرنسا، وبعضها يجمع الأموال لحماس والبعض الآخر لحزب الله – والسلطات الأوروبية على علم بجميع الأسماء

“على سبيل المثال، هناك جمعية تدعى إنتربال تعمل في أوروبا وتقوم بجمع أموال من المفترض أنها مخصصة للأعمال الخيرية، لكنها أموال لتمويل الإرهاب”. وسلمني شيفر خلال المحادثة وثيقة تحتوي على قائمة تضم 62 “جمعية خيرية”، وقال أن أسمائها معروفة لدى المسؤولين الأوروبيين.

وفيما يلي قائمة جزئية لهذه الجمعيات: Palestine Youth Movement، وNational Students for Justice in Palestine، وSamidoun Network، وPalestinian Feminst Collective، وAl-Awda Palestine Right to Return Coalition، وغيرها.

توزيع الأموال في قطاع غزة (Abed Rahim Khatib/Flash90)

وقال إن بعض الجمعيات تعمل في بريطانيا، والبعض الآخر في فرنسا، وبعضها يجمع الأموال لحماس والبعض الآخر لحزب الله – والسلطات الأوروبية على علم بجميع الأسماء. “وهناك جمعية قدم الإسرائيليون معلومات عنها للبريطانيين. قام البريطانيون بفحصها وقالوا إنهم “بذلوا العناية الواجبة” في فحصها. وما كانت طبيعة هذا الفحص؟ أرسلوا للجمعية استبيانًا حيث سألوها: هل تتورطون في الإرهاب؟ فأجابوا: كلا”.

“قدمت إسرائيل للبريطانيين أدلة. لكنهم وبخوا أعضاء الجمعية على الإدارة غير السليمة – ولم يغلقوها. هذا يعني أنهم يقومون بجمع أموال خيرية مفترضة ويرسلوها عبر جميع القنوات الرقمية والمشفرة – وبكل الطرق. ادعت إسرائيل لسنوات أن هذه كانت فضيحة ولم يحدث شيء. ربما يتداركوا هناك الآن”.

كما كان لدى شيفر أيضا انتقادات للجانب الإسرائيلي. وقال إنه عندما تسمح إسرائيل لمدة 20 عاما بتحويل الأموال النقدية إلى غزة أو تحويل الرواتب إلى الأسرى الأمنيين؛ حين يتلقى القتلة في جرائم إرهابية من السلطة الفلسطينية مبالغ مضاعفة عما يحصل عليه السجناء الجنائيون الآخرون، فإن العالم الأوسع يراقب هذه العملية، ولا يسارع لفرض الحظر. “يجب تغيير القضة برمتها بالكامل”، قال في ختام حديثه.

اقرأ المزيد عن