مستقبل مستقر لإسرائيل في ظل إنخفاض مصداقية الولايات المتحدة عالميا بعد الإنسحاب من كابول
بحث
تحليل

مستقبل مستقر لإسرائيل في ظل إنخفاض مصداقية الولايات المتحدة عالميا بعد الإنسحاب من كابول

الانسحاب الفاشل لبايدن يشجع المسلحين الجهاديين ويدفع الحلفاء نحو إيران، على الرغم من أن إسرائيل قد تجد بصيص أمل كشريكة للولايات المتحدة الأكثر موثوقية وقدرة

الرئيس الأمريكي جو بايدن بعد حديثه عن استيلاء طالبان على أفغانستان، يغادر من الغرفة الشرقية للبيت الأبيض، في 16 أغسطس 2021، في واشنطن العاصمة. (بريندان سميالوفسكي / وكالة الصحافة الفرنسية)
الرئيس الأمريكي جو بايدن بعد حديثه عن استيلاء طالبان على أفغانستان، يغادر من الغرفة الشرقية للبيت الأبيض، في 16 أغسطس 2021، في واشنطن العاصمة. (بريندان سميالوفسكي / وكالة الصحافة الفرنسية)

يتسابق الناس إلى جانب الطائرات، ويتشبث البعض بالخارج ثم يسقطون من علو مئات الأقدام إلى موتهم. جثث مبعثرة ملقاة على رصيف المطار. متعصبون مسلحون تجمعوا حول مكتب الرئيس الذي تم إخلائه قبل ساعات فقط. طائرات الهليكوبتر تحلق فوق مدينة محترقة ومظلمة كانت قبل يوم واحد معقلا للقوات الأمريكية في الخارج.

كانت المشاهد المؤلمة التي خرجت من كابول عندما سقطت في أيادي طالبان بمثابة “نهاية مروعة لجهود استمرت 20 عاما من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو لبناء أفغانستان متماسكة وفاعلة وديمقراطية إلى حد معقول”.

الكارثة التي حلّت، والتي تم بثها مباشرة تم تصورها على أنها هزيمة للولايات المتحدة في مواجهة جيش جهادي، وتركت جرحا في صورة أمريكا الخارجية.

على الرغم من أن المأساة تتكشف على بعد حوالي 4000 كيلومتر (2485 ميل) من إسرائيل، إلا أنه سيكون لها تداعيات مهمة عليها والخيارات التي سيتخذها شركاؤها وأعداؤها في الأشهر المقبلة.

بالنسبة لإسرائيل، التي ربطت نفسها بشكل مريح بواشنطن لعقود، فإن الجوانب السلبية واضحة.

“بينما يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها ضعيفة، بأبسط العبارات، فهذا سيء لإسرائيل”، قال ميكي أهارونسون، العضو البارز في معهد القدس للاستراتيجية والأمن والمدير السابق للسياسة الخارجية في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي.

إن الفكرة القائلة بأن جهاز المخابرات الأكثر قدرة في العالم يخطئ في قراءة بلد كان متورطا فيه عن كثب على مدى عقدين من الزمن لا يوحي بالثقة في قدرة أمريكا على قراءة وتشكيل المنطقة – خاصة بعد سلسلة من إخفاقات استخباراتية بارزة في العراق وإيران وليبيا وغيرها.

افغان يصعدون على متن طائرة ويجلسون عند الباب بينما ينتظرون في مطار كابول، 16 اغسطس 2021 (Wakil Kohsar / AFP)

“عندما تعاني أقوى دولة في العالم من فشل مذل في السياسة الخارجية، فسيكون لذلك آثارا دولية بعيدة المدى، بما في ذلك لدولة مثل إسرائيل، التي استندت كثيرا في ردعها وأمنها القومي على مصداقية شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة”، قال جون حنا، عضو خبير في المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي.

“حتى لو لم تكن إسرائيل مهددة بشكل مباشر، فقد يتعرض العديد من جيرانها الأضعف في الخليج العربي وأماكن أخرى للخطر، على حساب الوضع الأمني لإسرائيل” حذر.

عبر الشرق الأوسط، أضاف استيلاء طالبان على أفغانستان إلى الشعور المتزايد بالفعل بتقلص النفوذ الأمريكي في المنطقة.

مقاتلو طالبان والسكان المحليون يجلسون على عربة همفي تابعة للجيش الوطني الأفغاني على جانب الطريق في ولاية لغمان، 15 أغسطس 2021 (AFP)

“لقد أرادت الولايات المتحدة منذ بعض الوقت تغيير مواردها المادية. أرادت إعادة جنودها، وتريد التعامل مع قضية الصين وروسيا، مع المناخ، أزمة فيروس كورونا، الاقتصاد، وإيران”، قال يورام شفايتسر، عضو باحث في معهد الأمن القومي الإسرائيلي.

مضيفا: “الولايات المتحدة لم تهزم. يمكن أن نرى الأمر كما لو أن الولايات المتحدة قد هُزمت حتى تعود الأبقار إلى الوطن، لكن الولايات المتحدة أرادت المغادرة. فعلت ذلك ببساطة 17 عاما على الأقل بعد فوات الأوان”.

اعتماد أقل على الولايات المتحدة، وإلقاء نظرة جديدة على إيران

صور الإنسحاب، ونظرة الدول الشاملة لإدارة بايدن، ستملي ردود أفعالها على مغادرة الولايات المتحدة لأفغانستان.

احتشد أفغان في مدرج مطار كابول، في 16 أغسطس 2021 ، للفرار من البلاد حيث سيطرت طالبان على أفغانستان بعد أن فر الرئيس أشرف غني من البلاد وأقر بأن المتمردين انتصروا في الحرب التي استمرت 20 عامًا. (أ ف ب)

“سيتطلع الجميع إلى التحوط من رهاناتهم”، قال موشيه ألبو، مؤرخ الشرق الأوسط الحديث والباحث في مركز دادو للدراسات العسكرية متعددة التخصصات.

“في الخليج، سيستنتجون أنهم لا يستطيعون الوثوق بأي شخص سوى أنفسهم”، قال ألبو.

“لو كنت سعوديا، أو إماراتيا، أو بحرينيا، أو غيرهم ممن كانوا قريبين من أمريكا، سأود التفكير في علاقتي مع الولايات المتحدة، وما إذا كان من الحكمة مني أن أبدأ إستكشاف ما إذا كان بقائي سيكون مضمونا بشكل أفضل من خلال إبرام نوع من الصفقة مع إيران بدلا من الاعتماد على الدعم الأمريكي”، قال كليف ماي، مؤسس ورئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة فكرية ذات ميول يمينية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، من اليسار، يحيي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى وصوله إلى القاهرة، مصر ، في زيارة تهدف إلى تعميق التحالف بين القوى في المنطقة، 4 مارس 2018 (محمد سماحة / MENA عبر AP)

منذ أن تولى الرئيس الأمريكي جو بايدن منصبه في كانون الثاني (يناير)، أجرت السعودية محادثات سرية مع خصومهم اللدودين في إيران. وكشفت تقارير إعلامية في شهر أبريل/نيسان أن مسؤولين إيرانيين وسعوديين التقوا في بغداد في ذلك الشهر، وهو أول اجتماع رفيع المستوى لهم منذ أن قطعت الرياض العلاقات الدبلوماسية مع طهران عام 2016. وعقدت الجولة الثانية في مايو/أيار، في بغداد أيضا، ومشاهد الخروج من أفغانستان قد تقنع الرياض بتعميق اتصالاتها مع إيران.

تريد الإمارات العربية المتحدة، التي أبقت دائما القنوات الدبلوماسية مفتوحة مع إيران، الحفاظ على الاستقرار في الخليج العربي لتمكينها من مواصلة تنويع اقتصادها بعيدا عن النفط. قد تتطلع هي أيضا إلى عقد صفقات مع شريكها التجاري الإيراني كوسيلة بديلة ضد عدم الرغبة الأمريكية المتصورة في إنفاق الموارد واستخدام القوة في الشرق الأوسط.

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي كان يحاول شق طريق جديد للعراق بعيدا عن النفوذ الأجنبي، سيكون أيضا أكثر حرصا في جهوده لتقليص دور إيران في البلاد.

في الوقت الحالي، من المقرر أن تبقى القوات الأمريكية في العراق إلى أجل غير مسمى في أدوار استشارية ودعم قتالي، وأي إشارة إلى أن هذا الترتيب موضع تساؤل من شأنه أن يغير حسابات العراق.

المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، من اليسار، يتحدث مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وهم يرتدون أقنعة واقية للوجه للمساعدة في منع انتشار فيروس كورونا، خلال اجتماعهم في طهران، إيران، في 21 يوليو 2020. (مكتب المرشد الأعلى الإيراني عبر أسوشيتد بريس)

وقال ألبو إن مصر تحاول أيضا تحقيق توازن في مواجهة عدم الثقة الأمريكية المتصورة لسنوات. تعتبر الصين مصر ركيزة وجودها في الشرق الأوسط، وأصبحت لاعبا رئيسيا في بناء مشاريع البنية التحتية العملاقة في مصر. ووسعت القاهرة أيضا علاقاتها العسكرية مع موسكو التي تبني أول محطة نووية مصرية.

“إنهم ينظرون إلى أفغانستان وأوكرانيا وهونغ كونغ والعراق”، قال أهارونسون. “العالم يستخلص استنتاجات حول الماركة الأمريكية”.

الخيار السياسي الأكثر تضليلا

ومما يثير القلق أيضا ما ستتعلمه الجهات المعادية – سواء الدول أو الجماعات المسلحة – من الانسحاب في أفغانستان.

كانت مشاهد الانسحاب الأمريكي لها صيت لفشل آخر في السياسة الخارجية ترسّخ في أذهان الأمريكيين وغيرهم لعقود من الزمن، وهو الانسحاب من سايغون في فيتنام.

“إنها ليست سايغون”، قال أهارونسون. “الأمر أسوأ بكثير. في سايغون، لم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي”.

وقال ماي أنه بدلا من الهروب الفوضوي والمحرج من كابول، كان بإمكان الولايات المتحدة ترك قوة متبقية في أفغانستان لتقديم المساعدة والمشورة والدعم الجوي القريب.

“كان لدى الرئيس بايدن خيارات، وقد اختار الأسوأ، ونحن نشهد النتائج الرهيبة”، قال.

“على أقل تقدير، لا تنسحب فجأة في منتصف موسم القتال الصيفي”، أضاف ماي. “لكن القيام بذلك بحيث يرفرف علم طالبان فوق السفارة الأمريكية في الذكرى العشرين لـ 11 سبتمبر، فهو مضلل مثل أي خيار سياسي آخر كان أمام بايدن”.

جنود امريكيون يتخذون مواقعهم اثناء قيامهم بتأمين مطار كابول، 16 اغسطس 2021 (شكيب رحماني / وكالة الصحافة الفرنسية)

ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق هو احتمال أن يكون صانعو القرار على دراية كاملة بمدى عدم فاعلية الجيش الوطني الأفغاني الميؤوس منه، وأنهم اختاروا ببساطة تضليل الرأي العام الأمريكي.

في عام 2019، نشرت صحيفة (واشنطن بوست) تقرير “أوراق أفغانستان: تاريخ سري للحرب”، بناء على وثائق سرية تم تسريبها إلى الصحيفة. ذكر التقرير إن “العديد من الذين تمت مقابلتهم وصفوا جهودا صريحة ومتواصلة من قبل حكومة الولايات المتحدة لتضليل الجمهور عمدا”.

“عاما بعد عام، قال الجنرالات الأمريكيون علنا إنهم يحرزون تقدما ثابتا في اللوح المركزي لاستراتيجيتهم: تدريب جيش أفغاني قوي وقوة شرطة وطنية يمكنها الدفاع عن البلاد دون مساعدة أجنبية. لكن المدربون العسكريون الأمريكيون وصفوا قوات الأمن الأفغانية بأنها غير كفؤة وغير محفزة ومليئة بالهاربين. لم يعرب أي منهم عن ثقته في أن الجيش والشرطة الأفغانية يمكن أن يتصدوا لطالبان بمفردهم، ناهيك عن هزيمتهم”.

مدرب عسكري يعدل خوذة جندي في الجيش الأفغاني خلال تفتيش من منزل لمنزل في منشأة تدريب في ضواحي كابول، أفغانستان، 8 مايو 2013 (Anja Niedringhaus / AP)

يوفر الانسحاب دفعة أخلاقية واضحة للمنظمات المسلحة المختلفة، مما يعزز اعتقادها بأنها طالما بقيت في القتال، فإنها في النهاية ستصمد أكثر من إرادة الولايات المتحدة والغرب.

“الجهاديون في جميع أنحاء العالم يراقبون، وهم يستخلصون النتائج”، قال أهارونسون.

ومن جهته، قال موسى أبو مرزوق، المسؤول البارز في حركة حماس، على تويتر، إن انتصار طالبان كان “درس مرت به كل الشعوب المظلومة”.

مقاتلو طالبان يسيطرون على القصر الرئاسي الأفغاني بعد فرار الرئيس الأفغاني أشرف غني من البلاد، في كابول، أفغانستان، في 15 أغسطس 2021 (AP / Zabi Karimi)

إن استيلاء طالبان على السلطة يجلب معه فوائد ملموسة مقلقة للمنظمات المسلحة الجهادية. ستصبح أفغانستان مرة أخرى أرضا يمكن للحركات فيها التجنيد والتدريب وتصدير الإيديولوجيات المتطرفة والعنف، بالإضافة إلى مخدرات الهيروين والأفيون.

حتى لو لم يتمكنوا من مهاجمة الولايات المتحدة كما فعلوا في عام 2001، فسيكون للمسلحين والجهاديين وقتا أسهل بكثير للوصول إلى الدول العربية وآسيا الوسطى وروسيا وحتى أوروبا.

جرأة إيران

وستتوصل إيران إلى النتائج كذلك.

ومن المتوقع أن تستأنف المحادثات النووية في فيينا في شهر سبتمبر، مع تولي الرئيس الإيراني المتشدد الجديد إبراهيم رئيسي منصبه. وفق كل المؤشرات – بما في ذلك تشكيل حكومته – سيتخذ رئيسي موقفًا أكثر عدوانية تجاه الأمريكيين مما فعل أسلافه.

الانسحاب من أفغانستان سيجعله هو وحليفه المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يعتقدان أنهما قادران على انتزاع المزيد من إدارة بايدن.

الرئيس الإيراني المنتخب حديثًا إبراهيم رئيسي يقف على المنصة خلال حفل أداء اليمين في البرلمان الإيراني في العاصمة طهران، 5 أغسطس 2021. (Atta Kenare / AFP)

بالنسبة للإيرانيين، قال ألبو: “الطريقة التي تغادر بها الولايات المتحدة أفغانستان تعكس عدم الرغبة في الاستثمار في المنطقة، واستعدادها لدفع الثمن”.

في الوقت نفسه، على الرغم من ذلك، قد يؤدي فقدان النفوذ الأمريكي في أفغانستان إلى تعزيز إسرائيل، التي ستكتسب أهمية باعتبارها أقوى معقل لواشنطن في الشرق الأوسط.

“نظرًا لقوتها العسكرية وقدراتها، فإن إسرائيل في وضع أفضل بكثير من دون شك لتجاوز تداعيات الانهيار الأمريكي في جنوب آسيا مقارنة بأصدقاء آخرين أضعف بكثير للولايات المتحدة”، أوضح حنا.

عائلات أفغانية نازحة فرت من المحافظة الشمالية بسبب القتال بين طالبان وقوات الأمن الأفغانية، تجلس في ساحة مسجد وزير أكبر خان في كابول، 13 أغسطس، 2021 (Wakil Kohsar / AFP)

بينما تتطلع الدول إلى تحقيق التوازن ضد إيران في عصر تراجع مصداقية وتأثير الولايات المتحدة، فإنها تدرك جيدا أن إسرائيل لن تذهب إلى أي مكان. فهي لا تزال الدولة الوحيدة التي تضرب إيران ووكلائها في جميع أنحاء المنطقة، مما يزيد من أهميتها كشريك أمني واستخباراتي.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن وجود إسرائيل كحليف مستقر لا يحتاج إلى جنود أميركيين على الأرض لجعله أكثر قيمة لواشنطن.

“إن الولايات المتحدة تدرك أن لديها شريكا قويا واحدا فقط في المنطقة”، قال ألبو.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال