مدرسة فلسطينية في الضفة الغربية مهددة بالهدم بعد شهرين من افتتاحها
بحث

مدرسة فلسطينية في الضفة الغربية مهددة بالهدم بعد شهرين من افتتاحها

بينما تقول الإدارة المدنية الإسرائيلية إن المدرسة الممولة من الاتحاد الأوروبي غير قانونية ، يقول سكان رأس التين إنه ليس لديهم خيار ، حيث تتم الموافقة على 1.6٪ فقط من البناء الفلسطيني

أطفال يلعبون أمام مدرسة رأس التين بالضفة الغربية، المهددة بالهدم من قبل الإدارة المدنية، 15 أكتوبر، 2020. (Aaron Boxerman / Times of Israel)
أطفال يلعبون أمام مدرسة رأس التين بالضفة الغربية، المهددة بالهدم من قبل الإدارة المدنية، 15 أكتوبر، 2020. (Aaron Boxerman / Times of Israel)

لا يزال محمد الكعابنة يتذكر كيف كان الحال عند كان يسير لأميال للوصول إلى المدرسة على طول الطرق السريعة الموحلة والخطيرة، والمركبات السريعة والجنود الإسرائيليين. ولأنه نشأ في مخيم رأس التين بالضفة الغربية، كانت أقرب مدرسة يمكنه الوصول إليها في قرية المغير، على بعد أربعة أميال.

“كنا نسير على طول هذا الطريق الصغير في التلال، أحيانا لساعات. أحيانا يكون هناك دوريات للجيش ومستوطنون، أو تكون السماء تمطر والطريق موحلة أو سيارات سريعة. كان الأمر صعبا حقا علينا كأطفال صغار. عند وصولنا إلى المدرسة – إذا نجحنا في ذلك – نكون منهكين”، كما يروي الكعابنة، الذي تخرج مؤخرا من كلية تدريس في رام الله، ويضيف: “عندما كنا نعود إلى المنزل، بدلا من الدراسة، كنا نذهب إلى النوم مباشرة”.

بعد سنوات من مشاهدة أطفالهم وهم يسيرون إلى القرية المجاورة للوصول إلى المدرسة، قرر أفراد تجمع رأس التين، وهي قرية صغيرة تضم 280 من البدو وتقع في وسط الضفة الغربية بالقرب من مستوطنة كوخاف هشاحر، بناء مدرستهم الخاصة بهم.

قاموا بجمع مبلغ 35,000 دولار كتمويل من حكومات أوروبية وإنشاء مبنى مدرسة لخمسين طالبا من القرية على تل يطل على التجمع السكني الرئيسي.

ولكن بمجرد أن بدأ العمل في أوائل سبتمبر 2020، أصدرت الإدارة المدنية بوزارة الدفاع أمر هدم للمدرسة لبنائها بدون تصريح. وسكان رأس التين لا ينفون عدم حصولهم على تصريح. في الواقع، هم لم يتقدموا بطلب للحصول على تصريح كهذا – لكنهم يجادلون بأن إسرائيل نادرا ما تصدر تصاريح للبناء الفلسطيني.

توظف المدرسة الصغيرة خمسة معلمين فقط، يتم نقلهم في حافلات يومية من قبل وزارة التعليم التابعة للسلطة الفلسطينية من القرى المحيطة برام الله. لكن الزعيم المحلي سلايمة الكعابنة يقول أنه بدون المدرسة، يواجه تعليم الأطفال في القرية صعوبات كبيرة.

وقال الكعابنة: “نحن نرسل أطفالنا إلى المدرسة وهم يعودون دون تعليم. كان الوضع التعليمي لدينا هنا سيئا لفترة طويلة، لذلك قمنا ببناء المدرسة حتى نتمكن من تحسين مجتمعنا”.

بحسب نورا الأزهري، مديرة المدرسة، فإن الفتيات في القرية هن أكثر من يعانين من عدم وجود مدرسة قريبة.

وقالت الأزهري: “العديد من الفتيات، بمجرد وصولهن إلى الصف السابع أو الثامن، لا يذهبن إلى المدرسة. خوفا على سلامتهن، لا تعد العائلات ترغب في إرسال الفتيات إلى المدرسة. لذلك يستمر الصبية في الذهاب، في حين تبقى الفتيات في المنزل”.

نورا الأزهري ، مديرة مدرسة صغيرة في تجمع رأس التين بالضفة الغربية. (Aaron Boxerman/The Times of Israel)

وقال الكعابنة: “لو حصل شبابنا على تعليم مناسب ، لكانت ظروفنا أفضل بكثير مما هي عليه الآن. هذه المدرسة ضرورية للغاية”.

حقائق على الأرض

في خضم جائحة كورونا، كثفت إسرائيل من عمليات هدم المنازل والبنية التحتية الفلسطينية المبنية بشكل غير قانوني. وقد تسببت عمليات الهدم الإسرائيلية منذ يناير بتشريد حوالي 798 فلسطينيا، وهو رقم قياسي، وفقا لمنظمة “بتسيلم” لحقوق الإنسان.

فيما يتعلق بهدم المدرسة، تقول الإدارة المدنية إنها لا تقوم سوى بتنفيذ “إجراءات الإنفاذ ضد المخالفات في التخطيط والبناء، كجزء من واجبها في حماية النظام العام وسيادة القانون”.

وقالت الهيئة الحكومية أنه لم يُطلب حتى من الإدارة المدنية الحصول على تصريح بناء، وأنه تم بناء المدرسة على الرغم من صدور العديد من الأوامر بوقف البناء. وبحسب الإدارة المدنية، فإن سكان رأس التين يحاولون كسب الوقت في المحاكم لبناء المدرسة بالقوة وجعل هدمها أكثر صعوبة.

كما جادلت الإدارة المدنية في مرافعات المحكمة “هذا مبنى غير قانوني تم بناؤه عمدا، في انتهاك لعدة أوامر بوقف البناء. بعد مصادرة أجزاء من المبنى من قبل [الإدارة المدنية]، أعيد بناؤه حتى بعد أن أساء الملتمسون استخدام الإجراءات القانونية … في محاولة لوضع حقائق على الأرض”.

وفقا للاتحاد الأوروبي، صدرت أوامر هدم لحوالي 52 مدرسة فلسطينية في الضفة الغربية.

موقع التجمع الصغير، الموجود في المنطقة منذ عقود، غير مسجل لدى الإدارة المدنية، التي نادرا ما تعترف بالتجمعات البدوية. ولكن على عكس بعض المواقع المعروفة في الضفة الغربية مثل الخان الأحمر – التي تقول الدولة إن مستقطنين قامو بإنشائه على أراض عامة – أو خربة حمصة – التي تقع في مناطق أعلنت الدولة عنها منطقة تدريب عسكري – فلا يوجد خلاف بين الطرفين في أن الأراضي التي يعيش عليها سكان رأس التين هي أراضي خاصة ومسجلة بشكل صحيح لدى السلطات الإسرائيلية، كما أن القرية نفسها غير معدة للهدم.

يقر سكان رأس التين بأنهم لم يحصلوا على تصريح قبل البدء في البناء. في حين أنهم قدموا خطة شاملة للقرية إلى الإدارة المدنية للموافقة عليها – والتي إذا تم تمريرها ستضفي أيضا الشرعية على المدرسة – فلقد تم تقديم الخطة فقط بعد بناء المدرسة.

ومع ذلك، حتى لو كانوا قد تقدموا بطلبات للحصول على تصريح، نادرا ما تصدر السلطات الإسرائيلية تصاريح للبناء الفلسطيني في المنطقة (C)، حيث يقع التجمع السكاني. يبدو أن الإدارة المدنية تتبنى وجهة نظر أكثر تسامحا تجاه البناء في البؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي.

بموجب “اتفاقية أوسلو” التي تم توقيعها في عام 1995، التي قسمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق، تتحمل إسرائيل مسؤولية إدارة جميع القضايا المدنية في المنطقة (C)، بينما تدير السلطة الفلسطينية المنطقتين (A) و (B).

وفقا لمنظمة “بيمكوم” لحقوق الإنسان، التي تدعو إلى المساواة في التخطيط الحضري، فإن الإدارة المدنية رفضت 98.6٪ من الطلبات الفلسطينية للحصول على تصاريح للبناء في المنطقة (C) بين العامين 2016 و 2018. وتختلف رسوم تقديم طلبات للحصول على تصاريح لكنها قد تصل إلى آلاف الشواقل.

يقول ألون كوهين-ليفشيتس، وهو باحث في منظمة “بيمكوم”، “منذ اتفاقية أوسلو، أجبرت إسرائيل التجمعات السكنية الفلسطينية على العيش دون تصاريح. في الواقع، إن فرصة الحصول على تصريح كهذا هي صفر عمليا”.

في رأي قُدم إلى المحكمة، قال كوهين-ليفشيتس إن الأرض التي أقيمت عليها المدرسة، مثل المنطقة التي يعيش فيها السكان، هي ملكية خاصة ومسجلة. علاوة على ذلك، فإن تصنيف المنطقة “كأرض زراعية” لا يمنع بناء مدرسة، على حد زعمه.

وقال كوهين-ليفشيتس إن “الخطة الحالية تسمح بإنشاء مدرسة. لكن الإدارة المدنية تحاول منع أي تطور من قبل الفلسطينيين في المنطقة (C)”.

الزعيم المحلي سلايمة الكعابنة، الذي شاركت في جلب مدرسة إلى قرية رأس التين بالضفة الغربية، 15 أكتوبر، 2020. (Aaron Boxerman / Times of Israel)

التمويل الأوروبي للموقع هو مصدر آخر للجدل. لطالما اتهم سياسيون ومنظمات في اليمين الإسرائيلي الاتحاد الأوروبي بمساعدة الفلسطينيين في بناء مبان غير قانونية في محاولة لترسيخ الوجود الفلسطيني في المنطقة (C)، التي يأمل العديد من السياسيين الإسرائيليين في اليمين في ضمها يوما ما.

تعارض منظمة “ريغافيم” اليمينية بشدة المدرسة في رأس التين، وأصرت في منشور لها على وسائل التواصل الاجتماعي بأنها بُنيت “لخلق حقائق على الأرض لمنع الاستمرارية اليهودية في أرض أجدادنا”. وتزعم المنظمة أنه تم بناء المدرسة بهدف تسهيل “سلب الأراضي” من قبل السكان وزيادة احتمال بقاء السكان الفلسطينيين في المنطقة.

كما قالت “ريغافيم” إن المباني الممولة من الإتحاد الأوروبي في الضفة الغربية – وتم بناؤها بما لا يتوافق مع القانون الإسرائيلي – تقوض السيادة الإسرائيلية.

في تقرير أصدرته في عام 2012، قالت “ريغافيم” إن “انتهاك الاتحاد الأوروبي لقوانين تقسيم المناطق والبناء المعمول بها في المنطقة يشكل خرقا صارخا للقانون الدولي”.

من جهته، أدان الاتحاد الأوروبي عمليات الهدم الإسرائيلية للمباني الفلسطينية غير القانونية معتبرا اياها “عائقا أمام حل الدولتين”، وتعهد بمواصلة تمويل جزء منها.

وقال سفين كون فون بورغسدورف، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في الضفة الغربية وقطاع غزة: “يسمع المرء أصواتا في إسرائيل تقول إن ’هؤلاء الناس غير شرعيين، ولا ينبغي أن يكونوا هنا’، ’أنتم تدعمون هؤلاء الفلسطينيين غير الشرعيين’. هؤلاء الناس يعيشون هنا منذ قرون”.

وقال كون فون بورغسدورف، مستشهدا ب”اتفاقية جنيف الرابعة”، إنه بالنظر إلى احتلال إسرائيل للضفة الغربية، فليس لها سيادة على المنطقة. بحسب كون فون بورغسدورف، تلزم الاتفاقية أطرافا ثالثة مثل الاتحاد الأوروبي بالتدخل وتقديم المساعدة الإنسانية للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال عندما تفشل إسرائيل في القيام بذلك.

وقال كون فون بورغسدورف: “نحن لا ننتهك السيادة، إننا نحافظ على المعايير الإنسانية الدولية”.

تعترض إسرائيل على صلة “اتفاقية جنيف الرابعة” بسيطرتها على الضفة الغربية، على الرغم من أنها قالت في الماضي إنها تسعى إلى الامتثال طوعا للالتزامات الانسانية للاتفاقية.

وتزعم الإدارة المدنية أيضا أن المدرسة غير صالحة للإشغال، وأنها حتى قد تشكل خطرا على طلاب القرية.

في فيديو صورته منظمة “بتسيلم” الحقوقية، أطفال يقفون أمام المدرسة في تجمع رأس التين بالضفة الغربية، الخميس، 25 أكتوبر، 2020. (Screenshot)

وقالت الإدارة المدنية إن “المبنى غير المكتمل في منتصف عملية البناء، ولا يمكن إجراء دراسة في داخله، وهو يشكل خطرا على كل من في داخله”، وأشارت إلى أن مهندسا مستقلا وقّع على وثيقة تعتبر  المبنى  “هيكلا خطرا”.

حتى معلمة المدرسة المحلية صمود بعيرات، التي تدعم المدرسة بقوة، تقر بأنها عندما بدأت التدريس في مطلع سبتمبر “كانت المدرسة مجرد أسمنت وسقف من الصفيح. كان الأمر صادما نوعا ما. عدت إلى وزارة التربية والتعليم التابعة للسلطة الفلسطينية وطلبت منهم نقلي إلى مكان آخر”.

إلا أن سكان القرية يجادلون في ملفات المحكمة أن الإدارة المدنية جعلت المبنى أقل ملائمة للتعليم بشكل فعلي من خلال مصادرة طاولات ومعدات مدرسية، وحتى أنها قامت في مرحلة ما بإزالة ومصادرة سقف المدرسة.

وسخر كوهين-ليفشيتس، باحث التخطيط، من ادعاء الإدارة المدنية بأنها تعارض المشروع حرصا على سلامة الأطفال، واصفا إياه بأنه محاولة لخداع المحكمة.

وقال “على الرغم من أن هذه هي الطريقة الوحيدة للعديد من الطلاب للحصول على تعليم، إلا أن الإدارة المدنية لا تلبي هذه الحاجة”.

بحسب كوهين-ليفشيتس، فإن الشركة التي وقّعت على الرأي الذي يعتبر المبنى خطيرا هي نفس الشركة التي تقوم بتنفيذ عمليات الهدم للإدارة المدنية، مما يجعل ذلك “حالة واضحة من تضارب المصالح”، على حد تعبيره.

ورفضت الإدارة المدنية التعليق على الأمر، وقالت إنها سترد على مزاعم كوهين-ليفشيتس في المحكمة.

من جهتهم ، يقول أهالي رأس التين، إن السير اليومي إلى القرية المجاورة أخطر على أطفالهم من المدرسة الاسمنتية البديلة. وتقول بعيرات، المعلمة، إن الطلاب يجهشون بالبكاء أحيانا إذا ذكر البالغون أن المدرسة يمكن أن تهدم.

وقالت الأزهري: “سيكون الأمر بمثابة كارثة للأطفال الذين سيضطرون إلى العودة إلى ما كانت الأمور عليه، عندما كانوا مضطرين إلى المشي ذهابا وإيابا في كل يوم. ليس من الصواب أن يدفعوا مثل هذا الثمن الباهظ مقابل حقهم في التعليم”، وأضافت: “هذه ليست كماليات، وهم لا يطلبون طائرة أو مطار. إنها مدرسة”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال