مخرج الفيلم الوثائقي “الطنطورة”: إسرائيل تستمر في إنكار المذابح التي قامت بها ضد الفلسطينيين
بحث

مخرج الفيلم الوثائقي “الطنطورة”: إسرائيل تستمر في إنكار المذابح التي قامت بها ضد الفلسطينيين

مع عرض فيلمه الوثائقي الصادم هذا الشهر، قال ألون شفارتز إن إسرائيل لا يمكنها المضي قدما كدولة يهودية ديمقراطية إلا إذا كانت صادقة بشأن قتل القرويين العرب

تيدي كاتس، في فيلم "الطنطورة" للمخرج ألون شفارتز. (يوناثان فايتسمان، بإذن من فيلم Reel Peak Films)
تيدي كاتس، في فيلم "الطنطورة" للمخرج ألون شفارتز. (يوناثان فايتسمان، بإذن من فيلم Reel Peak Films)

في أواخر التسعينات من القرن الماضي، قدم باحث إسرائيلي يُدعى تيدي كاتس رسالة ماجستير لجامعة حيفا زعمت أن إسرائيل ارتكبت جريمة قتل جماعي ضد المدنيين العرب في قرية الطنطورة العربية عام 1948.

وقال إن المذبحة ارتكبتها قوات لواء “ألكسندروني” في الجيش الإسرائيلي في المراحل الأولى من حرب الاستقلال الإسرائيلية. واستند في عمله إلى 140 ساعة من المقابلات المسجلة مع 135 شاهدا من اليهود والعرب على الحدث.

الأطروحة، التي حصلت على علامة عالية، مرت دون أن يلاحظها أحد حتى نشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية النتائج التي توصلت إليها في عام 2000. خاض مقاتلو لواء “السكندروني” معركة ضد كاتس، وقاضوه بتهمة التشهير. القاضي المكلف بالقضية رفضها دون الاستماع إلى أشرطة كاتس. وتم الضغط على كاتس للتوقيع على خطاب تراجع يفيد بأن المذبحة لم تحدث، وألغت الجامعة شهادته.

سرعان ما ندم كاتس على توقيع الرسالة وطلب مواصلة الدفاع عن نفسه. وصل الطلب إلى المحكمة العليا التي رفضت النظر في القضية.

“لقد كانوا قادرين على خلق الخداع، الأخبار المزيفة، لأنه لم يستمع أحد إلى أشرطة تيدي. إذا كانوا قد فعلوا ذلك، فلن يكون هناك شك في أذهان أي شخص أن شيئا فظيعا حدث في الطنطورة. كانت هناك عمليات قتل واسعة النطاق”، قال المخرج ألون شفارتز، الذي عرض فيلمه الوثائقي “الطنطورة” لأول مرة في العالم هذا الشهر في مهرجان “صندانس” للأفلام.

قام شفارتز برقمنة الشهادات المسجلة واستمع إليها. وقال المخرج للتايمز أوف إسرائيل إنه مقتنع بأن الجنود الإسرائيليين قتلوا ما بين 200-250 ذكرا من سكان الطنطورة في أعقاب معركة السيطرة على القرية المزدهرة والاستراتيجية على ساحل البحر الأبيض المتوسط جنوب حيفا.

13 حزيران 1948: طرد نساء وأطفال وشيوخ الطنطورة من الفريديس إلى الأردن. الصليب الأحمر هو المشرف. (مجموعة بينو روتنبرغ، بإذن من أرشيف دولة إسرائيل. جميع الحقوق محفوظة.)

“هناك روايات مختلفة [في الشهادات] حول ما حدث، لكن عندما تستمع إلى جميعها، يكون الأمر مروعا وتحصل على صورة لما حدث هناك. قُتل الناس بطرق مختلفة وفي أماكن مختلفة في القرية. استغرق الأمر ما يقارب أسبوعين لدفنهم. هناك شهادات حول جثث في الموقع لم تُدفن لمدة ثمانية إلى عشرة أيام”، قال شفارتز.

فيما يتعلق بالجثث المدفونة، قد يرغب الإسرائيليون والسياح الذين يزورون شاطئ “دور” الشهير، بالقرب من المكان الذي كانت تتواجد فيه الطنطورة ذات يوم، في معرفة أنه من المحتمل (إن لم يكن على الأرجح) وجود مقبرة جماعية أسفل ساحة السيارات.

ادعاءات كاتس – والآن شفارتز – مدعومة في الفيلم بوثائق التي تم الحصول عليها من أرشيف الجيش الإسرائيلي والخرائط الجوية التاريخية التي تم تحليلها من قبل الخبراء، بما في ذلك بعض في الجيش الذين قال شفارتز إنهم يرغبون في عدم الكشف عن هويتهم. وأفادت وكالة “فرانس برس” أن الجيش الإسرائيلي رفض التعليق على الفيلم أو اداعاءات المجزرة.

أجرى شفارتز أيضًا مقابلات مع كاتس والمؤرخ الجديد إيلان بابي، بالإضافة إلى قدامى المحاربين الذين تخطوا عمر التسعين والذين كانوا في الطنطورة واعترفوا بارتكاب جرائم القتل (إن لم يقوموا بالقتل بأنفسهم، قام به زملائهم الجنود).

قام المخرج أيضا بمقابلات مع بعض الجنود القدامى غير المرتاحين مع الواقع الذين استمروا في إنكار عمليات القتل، بالإضافة إلى الأكاديميين الذين يضاعفون من رفضهم لمنهجية كاتس ونتائجها.

حسب شفارتز، حان الوقت لتسليط الضوء على التاريخ الصعب المتعلق بتأسيس إسرائيل وكسر الأساطير التأسيسية للبلاد، مهما كانت مؤلمة. إنه قلق على مستقبل المجتمع الإسرائيلي إذا لم يستطع إقناع نفسه بما يسميه الفلسطينيون بالنكبة، أو التطهير العرقي ونقل مئات الآلاف من السكان العرب المحليين كعملية ضرورية لإقامة دولة يهودية.

قرية الطنطورة عام 1948 كما رأينا في فيلم “الطنطورة” للمخرج ألون شفارتز. (مجموعة صور إريك وإديث ماتسون، بإذن من مكتبة الكونغرس. جميع الحقوق محفوظة.)

اعترف المخرج أنه بالنسبة للعديد من الإسرائيليين سيكون من الصعب مشاهدة فيلمه. لكنه على استعداد لإخراجهم من مناطق الراحة الخاصة بهم، وتحمل الحرارة الناتجة للقيام بذلك”.

“الكثير من الناس في المعسكر الصهيوني اليساري، مثلي ومثل عائلتي، صوتوا للأحزاب ميريتس والعمل على مر السنين. لكن عندما يتعلق الأمر بالنكبة، فإن الغالبية إما لا تعرف، أو لا تريد التحدث عنها. إنهم لا يريدون التعامل معها”، قال شفارتز.

“علينا أن ندرك الحقيقة. الحقيقة مهمة في عالم ما بعد الحقيقة الذي نعيشه. الحقيقة ستزيل الثقب الأسود الذي كان معنا منذ 73 عاما ولم نواجهه”، قال.

تم تحرير المحادثة التالية مع شفارتز من أجل الطول والوضوح.

كيف عرفت عن مذبحة الطنطورة وتيدي كاتس؟

ألون شفارتز، مخرج “الطنطورة”. (أفنير شاهاف)

شعرت برغبة شديدة تجاه القيام بشيء سياسي بطبيعتي لأنني كنت خائفا جدا من هشاشة ديمقراطيتنا الشابة. لقد قدمت في الأصل سلسلة من ثلاثة أجزاء حول الديمقراطية الإسرائيلية، مع فصل واحد عن كيفية أن الحكومة، وحتى الأشخاص على اليسار، قد قاموا بتشويه سمعة الصحافة والمنظمات غير الحكومية مثل “بتسيلم” و”كسر الصمت” وعزلها.

لم ينجح هذا المشروع، لكنني وجدت نفسي ذات ليلة أمام موقع “غوغل” أبحث عن تاريخ كيف كسر الناس الصمت في إسرائيل، وصادفت تيدي كاتس وقصة بدت لي غريبة. كيف يمكن أن يكون شخص ما سجل ساعات طويلة واعتبر كاذب وحكمت المحاكم ضده؟ شعرت أنه ربما كان هناك خطأ ما. لذلك اتصلت بتيدي وأجاب طلبي. قال إنه يود أن نلتقي ونتحدث. لقد اندهشت لأنه أعطاني جميع شرائطه.

ماذا كان رد فعلك على المؤرخين الرئيسيين الذين قابلتهم، مثل يوآف غيلبر، الذي اعترف بعدم الاستماع إلى أي من الأشرطة، لكنه رفض استنتاجات كاتس بناء على منهجيته؟ بخصوص القيمة النسبية لمختلف المصادر، قال غيلبر: “لا أصدق الشهود”.

التاريخ لا ينتمي للمؤرخين. التاريخ الشفوي شرعي. إذا لم يكن الأمر كذلك، فيمكنهم إغلاق “ياد فاشيم”. أنا لا أشتري هذه الحجة. حتى لو وجدنا جماجم سيقولون أنها ليست كذلك. أفهم اليوم أن المؤرخين كانوا من بين الذين أسكتوا كاتس. هم خلقوا أخبار كاذبة. هؤلاء المؤرخون المحترمون كانوا يحمون السرد الإسرائيلي بأنه دائما على حق ونقي من السلاح.

كيف كان قدامى المقاتلين في لواء الإسكندروني على استعداد لإجراء مقابلات معهم أمام الكاميرا؟

لم أخبرهم أنني سوف أسأل عن الطنطورة.

لم تخبرهم بما يدور حوله فيلمك؟

أخبرتهم أنني أريد أن أسألهم عن الحرب، عن لواء الإسكندروني. أخبرت بعضهم أنني مهتم بالطنطورة، وبعضهم الآخر لم اخبرهم بأنني مهتما بها. إعتمد الأمر على العلاقة التي كانت لي معهم.

عندما يستجوب محقق الشرطة جريمة قتل، لا يخبر القاتل بما سيسأله عنه… الأمر مشروع 100%. كان هذا تحقيق في قتل جماعي.

عند الحديث عن تجربة الحرب، قفز عدد قليل منهم إلى قصة الطنطورة على الفور. لقد كان الأمر صادما بالنسبة لي. يظهر لك الأمر الصدمة التي بقيت معهم كجناة.

كيف كان شعورك عند الاستماع إلى هؤلاء الرجال المسنين؟

أنا لا أكرههم. هؤلاء الناس مثل أجدادي. أنا لست غاضبا من هؤلاء الناس… لقد فعلوا أشياء فظيعة. معظمهم لم يفعلوا القتل بأنفسهم، لكنهم رأوا زملاءهم يقتلون وتغاضوا عن الأمر في الأطراف. هذا هو جوهر كل شيء.

أنا لا أحكم عليهم. لقد كانت حربا. لكن حتى لو قمت بنقل أو تطهير الناس عرقيا من الأرض، وهي أيضا جريمة حرب – والتي كان يجب القيام بها – لا تذهب وتقتل الناس بعد المعركة. لا يجب ان تفعل ذلك.

صورة توضيحية: رئيس الوزراء دافيد بن غوريون وقائد الجبهة الجنوبية يغئال ألون (إلى اليمين) وإسحاق رابين (بينهما) في الجبهة الجنوبية خلال حرب الاستقلال عام 1948. (جيش الدفاع الإسرائيلي / ويكيبيديا)

لقد غمرتك العاطفة. لماذا؟

إنه أمر مؤلم للغاية بالنسبة لي أن أكتشف هذه الحقيقة عن بلدنا والكذب. أنا أفهم ما حدث. أنا غاضب من حقيقة أنه تم الكذب علينا كشعب لمدة 73 عاما، وهذا الأمر يدمر حياتنا في هذا البلد. نحن ندمر مستقبلنا من خلال عدم الاعتراف بدورنا في الحرب.

كانت هناك مذابح ضد اليهود على يد العرب في غوش عتسيون وأماكن أخرى، لكن أن نقول لأنفسنا هذه الأسطورة التأسيسية بأننا أنقياء، لم نفعل ذلك، وهم فقط الأشرار الذين يؤذوننا.

ماذا يجب ان تفعل اسرائيل؟

جميع البلدان لها تاريخ مثل هذا. فعل الأمريكيون ذلك بالهنود، والأستراليون فعلوا ذلك بالسكان الأصليين، ونيوزيلندا فعلت ذلك بالماوريين – وهذا يحدث في كل دولة. الفرق الوحيد هو أن بعض الدول تنضج وتقول إن هذا خطأ، وأننا في العصر الحديث ونحتاج إلى التعرف على هؤلاء السكان المحليين والأخطاء التي ارتكبت بحقهم. هذا ما يتعين علينا القيام به. نحن بحاجة لرؤية ألم الجانب الآخر.

ماذا يعني هذا من الناحية العملية؟

هذا يعني أنه ينبغي نصب تخليدا لذكرى النكبة وما حدث هناك في الطنطورة. ما نحتاجه هو أن يقول رئيس الوزراء علانية أن لكل أمة تاريخها المظلم ونحن نعترف بتاريخنا. كان التاريخ ذي وجهين، وما فعلناه كان خطأ، وأننا نتطلع إلى الأمام ونمد أيدينا نحو السلام.

توضيحية: السكان الفلسطينيون والإسرائيليون في مدينة يافا الساحلية بالقرب من تل أبيب يحملون لافتة أثناء مشاركتهم في مسيرة يوم 15 مايو 2021، حين إحياء الفلسطينيون الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة، “كارثة” قيام إسرائيل في 1948 (احمد غرابلي / وكالة الصحافة الفرنسية)

ماذا تقول لمن يقول إنك لست صهيونيا وأن هذا الفيلم معاد للصهيونية؟

أنا صهيوني كبير. يعتقد الناس أنني لست كذلك، لكنهم مخطئون. أنا صهيوني أكثر من اليمينيين الذين يريدون الاستيطان في المناطق الفلسطينية لتكون لديهم دولة واحدة، والتي لن تكون في نهاية المطاف دولة يهودية.

أنا لا أقول أعيدوا العرب إلى الطنطورة وأطردوا اليهود. ليس هذا ما أقوله. هذا ليس ما يجب أن يحدث. أنا لست مع حق العودة بأي وسيلة. اريد دولة يهودية. جاء أجدادي من المحرقة.

ماذا تقول للإسرائيليين الذين يخشون الاعتراف بالنكبة لأنهم لا يريدون أن تعادل المحرقة؟

الحدثان ليسا نفس الشيء. في عام 1948 لم تكن هناك غرف غاز ولا خطوط سكك حديدية، ولم يكن لدى بن غوريون خطة رئيسية للإبادة الجماعية الصناعية. لكن كان هناك نوع من التطهير العرقي يجب أن نعترف به. لا يمكننا أن نقول: “النكبة هي هراء”.

هل أنت قلق من أن كارهي إسرائيل، الذين يتهمون إسرائيل زورا بارتكاب مذابح وتطهير عرقي للفلسطينيين اليوم، سوف يستخدمون هذا الفيلم لنزع الشرعية عن إسرائيل؟

كارهي إسرائيل سيستمرون في كره إسرائيل بغض النظر. لا أستطيع السيطرة على ما يحدث لهذا الفيلم. يمكنني فقط إنشاء قطعة سينمائية.

لسنا بحاجة إلى اعتراف أحد. أعلن بن غوريون دولة إسرائيل. لدينا دولة يهودية. نحن بحاجة إلى أن نكون منارة للأمل والأخلاق للعالم، ولا يمكننا أن نكون منارة إذا أخفينا هياكلنا العظمية في الخزانة. النكبة هي هيكلنا العظمي في الخزانة.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال