مخرجة فلسطينية إسرائيلية تسلط الضوء على المحرمات في المجتمع العربي من خلال برنامجها التلفزيوني “بلا مؤاخذة”
بحث

مخرجة فلسطينية إسرائيلية تسلط الضوء على المحرمات في المجتمع العربي من خلال برنامجها التلفزيوني “بلا مؤاخذة”

البرنامج الذي تخرجه ابتسام مراعنة منوحين والذي يحمل عنوان "بلا مؤاخذة"، يتطرق إلى مواضيع كان الحديث عنها في المجتمع العربي في إسرائيل محرما حتى الآن... والجمهور آخذ بالازدياد

ابتسام مراعنة منوحين (courtesy)
ابتسام مراعنة منوحين (courtesy)

صيغة البرنامج التلفزيوني “بلا مؤاخذة” الذي تخرجه ابتسام مراعنة منورحين بسيطة: يجلس ضيوف البرنامج من مواطني إسرائيل العرب أمام خلفية بيضاء في موقع تصوير مظلم ويجيبون على أسئلة بشأن التجارب الأصعب والأكثر إيلاما في حياتهم الخاصة.

يقوم الأشخاص الذين تجرى معهم المقابلات بسحب الأسئلة من مجموعة من البطاقات قبل قراءتها بصوت عال. هذه أسئلة حقيقية تم جمعها من عامة الناس، كما تقول لهم مراعنة منوحين، وتمثل ما يفكر فيه الناس حقا حول الموضوعات الحساسة التي هم على وشك مناقشتها.

يتم التعبير عن الاستفسارات في بعض الأحيان بلباقة، ولكن في كثير من الأحيان تكون فظة أو اتهامية أو ساذجة أو فظة بشكل متعمد. وتتراوح الردود وفقا لذلك ما بين الدعابة الجافة والموجعة.

“هل فكرت بإلقاء ابنك من النافذة؟” هذا السؤال الذي قرأته سيدة محجبة من إحدى البطاقات في حلقة تناولت موضوع الاكتئاب ما بعد الولادة لدى السيدات العربيات في إسرائيل.  ابتسمت بحزن قائلة: “لا على الإطلاق، فقط بإلقاء نفسي”.

وتسأل مراعنة منوحين مجموعة من المثليين والمثليات – أقلية مهمشة داخل أقلية – في حلقة أخرى: “هل المثلية الجنسية معدية؟”

السؤال مسيء بطريقة تتجاوز الاستفزاز، لكن ضيوف الحلقة لا يظهرون أي تردد، في ايماءة إلى التحيزات الراسخة بعمق التي لا تزال في بعض أطراف المجتمع التي تحاول التحقيق فيها، وأسلوب المواجهة في البرنامج .

ويرد خضر أبو سيف، وهو ناشط في مجال حقوق المثليين، والذي يُعرّف عن نفسه بفلسطيني مواطن في إسرائيل ومقيم في تل أبيب، “بالطبع لا، وإلا كنت نقلت العدوى لكل رجل كنت معجبا به”.

“بلا مؤاخذة”، الذي يُبث على قناة “مكان” الناطقة بالعربية والتابعة لهيئة البث الإسرائيلية، يتعامل مع مع مجموعة لا حصر لها من الموضوعات الحساسة والمثيرة للانقسام في المجتمع العربي في إسرائيل، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: الزواج المختلط، وقتل الإناث، واضطرابات الأكل، والطلاق، والعنصرية.

تظهر الحلقة نفسها أيضا قوة الحب العائلي في مواجهة أشد المحرمات في المجتمع. على سبيل المثال، تتذكر المخرجة المثلية سميرة سرايا ما قالته لها والدتها “هذا هو منزلك، من فضلك لا تشعري بأنك غريبة، نحن عائلتك – أريدك فقط أن تعرفي ذلك”.

“بلا مؤاخذة”، الذي يُبث على قناة “مكان” الناطقة بالعربية والتابعة لهيئة البث الإسرائيلية، يتعامل مع مجموعة لا حصر لها من الموضوعات الحساسة والمثيرة للانقسام في المجتمع العربي في إسرائيل، بما في ذلك على سبيل المثال: الزواج المختلط، وقتل الإناث، واضطرابات الأكل، والطلاق، والعنصرية.

ولكن بدلا من تنفير المشاهدين عن طريق التطرق إلى مواضيع محظورة، فإن مراعنة منوحين، التي تنحدر من بلدة عربية في شمال إسرائيل، تجذبهم إلى البرنامج. وقد حصدت حلقات البرنامج مئات الآلاف من المشاهدات على “يوتيوب”. وعلى موقع “فيسبوك”، يوجد للقناة التي تعرض مقاطع وحلقات البرنامج 1.3 مليون متابع.

في كل أسبوع ، يتابع آلاف الأشخاص مراعنة منوحين (45 عاما) وضيوفها وهم يحاولون كسر الخطوط الحمراء في مجتمعهم، والبرنامج هو جزء من مشروع أكبر تأمل مراعنة منوحين في أن ينجح في إحداث تغيير من خلال دفع هذه المواضيع إلى العراء.

وتقول مراعنة منوحين: “العيب [في المجتمع العربي] هو عيب جماعي. نحن نولد معه، وننشأ عليه، مثل حليب الأم. نشعر بالعيب من أجسادنا، من واقعنا، ومن أي سلوك ومن كل سلوك”.

وتضيف: “إنه مثل سحابة معلقة فوقنا، وأنا – والشخص الجالس أمامي في المقابلة – نحاول حله شيئا فشيئا”.

مراعنة منوحين هي مخرجة أفلام وثائقية متمرسة لديها العديد من الأفلام لحسابها، ولطالما تطرقت إلى بعض من أصعب القضايا وأكثرها إثارة للجدل في المجتمع العربي الإسرائيلي. أخرجت أفلاما عن متسابقات درزيات في مسابقات جمال اللواتي هربن من أفراد عائلاتهن الذين أرادوا قتلهن سعيا إلى الحفاظ على “شرف العائلة”؛ وفيلم “بدل” الذي يتطرق إلى ظاهرة “زواج البدل”، حيث يقوم العريس بمبادلة عروسه بشقيقته، التي تصبح بدورها عروسا لصهره؛ وقرارها العيش في في تل أبيب كفلسطينية عزباء.

نشأت في بلدة الفريديس العربية، وهي ابنة لوالدين فقيرين وأميين. كان يُنظر إلى والديها، غير المتعلمين واللذين لا يتمتعان بأي نفوذ أو علاقات، بازدراء في مجتمعهم المحافظ. ولجعل الأمور أكثر صعوبة، عملت والدتها عاملة نظافة في منازل يهودية في زخرون يعقوب المجاورة، وهي واحدة من أثرى المدن في إسرائيل.

تستذكر مراعنة منوحين قائلة: “إذا كان لديك متجر في الفريديس، فأنت شخص مرموق، أنت ناجح. ونحن لم نكن كذلك. والدتي كانت فخورة بعملها. لكن والدتي عملت في تنظيف منازل اليهود فماذا يعني ذلك لمجتمعنا القروي العربي؟ لقد كان ذلك بمثابة وصمة عار”.

الفريديس، التي تبعد حوالي ثلاثين دقيقة عن حيفا، كانت أفقر بكثير من زخرون يعقوب. انتقال الفقر بين الأجيال في الفريديس تناقض بشكل صارخ مع الأجواء الجذابة في المدينة اليهودية الشمالية.

تقول مراعنة منوحين: “كانت منازل الفريديس مهترئة، وشوارعها محطمة، ومياه الصرف الصحي فيها تتدفق في الطرق. عملت مع والدتي في تنظيف منازل اليهود منذ الصغر، وتعلمت الفرق بين بيت يهودي ثري وبيت عربي فقير. كانت المدن اليهودية ثرية، وكانت المدن العربية فقيرة. كانت هذه هي الطريقة التي عشت بها وعلمت أن هناك حياة أخرى، حياة الآخرين”.

في ذروة الانتفاضة الأولى في أواخر الثمانينيات، بدأت في ركوب الحافلة إلى حيفا مع أشقائها للالتحاق بالمدرسة الثانوية، حيث لم يكن هناك مدارس ثانوية في الفريديس. شعرت في حيفا، مثل غيرها من المدن المختلطة في إسرائيل، بصدمة الاحتجاجات العنيفة والعصيان المدني المنبثق من الضفة الغربية وغزة. بدأت الكتابات السياسية على الجدران تملأ جوانب الجدران والمباني، وبدأت المجلات من المناطق المضطربة بالانتشار حتى في الفريديس البعيدة.

“كانت هناك كلمات في تلك المجلات لم أسمعها من قبل، عن إلقاء الحجارة وفلسطين والهوية. بدأت في الكتابة… كان لدي مدرس كيمياء لم يكن يتحملني، وأنا لم أكن أتحمله. لكن كل صباح جمعة كان يجلس مع جريدته ويقرأ مقالتي”، كما تروي.

بعد تخرجها من كلية السينما، بدأت مراعنة منوحين العمل بشكل احترافي كمخرجة أفلام. فيلمها الأكثر شهرة “سجل، أنا عربي” يروي قصة علاقة الشاعر الفلسطيني محمود درويش بامرأة يهودية إسرائيلية.

المخرجة ابتسام مراعنة منوحين في عرض لفيلم وثائقي من انتاجها في عام 2017. (courtesy)

ما دفع مراعنة منوحين إلى صنع الفيلم، على الأقل بشكل جزئي، كان تاريخها الشخصي. . قبل حوالي 10 سنوات، وقعت في حب رجل يهودي إسرائيلي يدعى بوعز منوحين – وتزوجته. وانجبا ابنة، صوفيا ، التي تصفها بأنها “100٪ يهودية و100٪ عربية”.

هناك حلقة في “بلا مؤاخذة” تحتل مكانة خاصة في قلب مراعنة منوحين – حلقة يظهر فيها أبناء لزيجات مختلطة يتحدثون فيها عن حياتهم وعائلاتهم وآمالهم، وهي تشعر بالقلق بشأن مستقبل ابنتها في بلد ظل الفرق بين العرب واليهود فيه منقوشا لعقود على كل بطاقة هوية.

خلال الحلقة يقرأ الضيوف بصوت عال “هل أنت غاضب من أهلك؟”. لحسن حظ مراعنة منوحين، لم يعرب أي من الضيوف عن غضبه من والديه. الكثيرون منهم أعربوا عن امتنانهم لنشأتهم في عائلات تحتفل بأعياد الميلاد وبشهر رمضان، بالأعياد الدرزية وتلك اليهودية.

تقول مراعنة منوحين: “أردت عمل حلقة تسمح لي برؤية كيف يمكن أن يبدو العالم لابنتي. عندما نجحت، أتيحت لي الفرصة لرؤية ابنتي بعد 10 إلى 15 عاما من الآن. رأيت أنها ستكون على ما يرام، وأن خياري كان شرعيا”.

تقر مراعنة منوحين إن للمجتمع اليهودي الإسرائيلي حصته من الخطوط الحمراء. برنامجها يستند على برنامج باللغة العبرية بنفس الصيغة، “آسف على السؤال” (الذي يستند بدوره على البرنامح الأسترالي “لا يمكنك أن تسأل هذا السؤال” (You Can’t Ask That))

لكنها تؤكد أن هناك اختلافات عميقة بين رغبة المجتمعين في مناقشة عقدة الخزي التي تملأ حياتهم الداخلية بصراحة، وترى إن البرنامج العبري يمكن أن ينغمس باندفاع في المحرمات حول الجنس والصحة العقلية بحرية نسبية، في حين أن النسخة العربية تواجه خطوطا حمراء أكثر وضوحا وقسوة.

وتشرح قائلة: “في البرنامج باللغة العبرية، هناك حرية هائلة لتفكيك جميع المحرمات. يمكنك التحدث عن الجنس مع المراهقين، وعن المخدرات. يمكنك التحدث عن العالم الذي يعيشون فيه حقا، دون أن تخسرهم”.

بينما طرحت حلقة أخيرة من البرنامج باللغة العبرية أسئلة صريحة على المراهقين حول الجنس والمواعدة، امتنع “بلا مؤاخذة” عن ذلك.

وقالت مراعنة منوحين وهي تهز بأصبعها: “هذا مستحيل. الجميع في هذا المجتمع يفهم القيود: الجنس والدين والأمراض النفسية. هذه أمور لا يمكنني التعامل معها. . لكن يجب أن أتعامل معها، لأننا لا نستطيع أن نبقى صامتين – لكني أتعامل معها بأساليب أخرى”.

عنوان برنامج “بلا مؤاخذة” للمخرجة ابتسام مراعنة منوحين يظهر على الشاشة خلال عرض للجمهور. (courtesy)

وتفسر قائلة إن معالجة هذه المواضيع دون أن تتعامل معها هو عملية معقدة: فتح الحوار دون “خسارة” المشاهد أو الضيف.

وتقول: “عندما صورت الحلقة حول الجيل الأول للعائلات المختلطة – أولئك الذين لديهم والدين من ديانتين مختلفتين – كنت أتحدث عن الدين، ولكن ليس عن الدين مباشرة. في الحلقة حول اضطرابات الأكل، كنت أتحدث عن الألم العاطفي الهائل، ولكن لم أتحدث عن المرض النفسي في حد ذاته”.

بعض الحقات أثارت ردود فعل خطير. ويبدو أن مراعنة منوحين تأخذ هذه الأمور على محمل الجد، حيث قالت إنها كانت تعلم منذ البداية أن البرنامج سيكون مثيرا للجدل. لكنها قالت إن الغضب الذي استُقبلت به بعض الحلقات فاجأها، لا سيما الحلقة التي تناقش موضوع المثليين العرب في إسرائيل.

وتقول: “رأينا ردود أفعال قاسية للغاية على تلك الحلقة. تلقيت رسائل مزعجة حول هذا الموضوع. أنا لست الضحية، ويسعدني أن أدفع الثمن… لكن العديد من المحادثات التي كنت سأقدمها في الأوساط العربية رُفضت بسبب وقفتي مع مجتمع المثليين. لقد شعرت بالاكتئاب حقا من ردود الفعل”.

أحد ضيوف هذه الحلقة، وهو الراقص المعروف أيمن صفية، راح ضحية حادث غرق قبالة ساحل عتليت في أواخر شهر مايو. ولقد جذبت جنازة الشاب، الذي تمتع بشخصية ساحرة وحظي بشعبية خلال حياته، آلاف المشيعين على الرغم من ميوله الجنسية والميل الاجتماعي المحافظ للعديد من العرب مواطني إسرائيل.

أيمن صفية (Courtesy)

كانت وفاته المفاجئة مجرد واحدة من عدة أحداث هزت المجتمع العربي في إسرائيل مؤخرا، وأعادت فتح باب النقاش بشأن المثليبن العرب في وسطهم: جدل حول قيام شركة طحينة بالتبرع بأموال لجمعية خيرية لحقوق المثليين، ومشروع قانون في الكنيست هدف إلى حظر ما يُسمى بـ”علاج تحول المثليين” أثارا هما أيضا الانقسام في صفوف مواطني إسرائيل العرب.

الحساب كان مشحونا ومؤلما. في مقابلة مع “كان” بعد التصويت في قراءة تمهيدية على مشروع قانون علاج التحول، الذي حظي بتأييد رئيس “القائمة المشتركة” أيمن عودة، ولكن عارضه الجناح الاكثر تحفظا في القائمة، أكد عضو الكنيست وليد طه أن “ظاهرة المثليين تكاد تكون معدومة في المجتمع العربي”.

تقول مراعنة منوحين: فكرت [أن] مجتمعنا – مجتمعي – قادر على التعامل مع الموضوع”، وأضافت بعد أن توقفت لإخراج سحابة من دخان السجائر من فمها، “ولكن لا”.

لكنها أعربت عن سرورها لأن البرنامج يثير الجدل في صفوف مواطني إسرائيل العرب، كما كان مقصودا.

وقالت ضاحكة: “يأتي الناس الآن إلى والدتي ويحيونها على عملي، وكل ذلك بسبب البرنامج”.

أما بالنسبة لليهود الإسرائيليين؟ تقول مراعنة منوحين إنهم مدعوون لمشاهدة البرنامج، طالما أنهم يدركون أنهم يختلسون النظر للمناقشات الداخلية للمجتمع العربي.

وتقول: “تفضلوا لفنجان قهوة، أو فنجان شاي، فأنتم ضيوف هناك. تعالوا وتعرفوا على هذا المجتمع. لكن هذه المحادثات ليست عنكم – أنتم لستم جزءا من هذه النقاشات”.

وتضيف: “هناك انتقاد داخلي في المجتمع العربي في إسرائيل، وفيه جدل ونقاش. إننا بعيدون كل البعد عن الصمت. صحيح أننا مجتمع أبوي ومحافظ – ولكن يوجد بيننا الكثيرون الذين يسعون إلى إجبار مجتمعنا على النظر إلى نفسه في المرآة والتحدث إلى نفسه”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال