محمود عباس لم يقطع العلاقات مع الولايات المتحدة لكنه يتحدث بشكل متزايد عن بايدن كما لو كان ترامب
بحث
تحليل

محمود عباس لم يقطع العلاقات مع الولايات المتحدة لكنه يتحدث بشكل متزايد عن بايدن كما لو كان ترامب

بعد أن أعلن رئيس السلطة الفلسطينية، بينما كان يجلس إلى جانب بوتين، أن رام الله لا تثق بالولايات المتحدة ، رغبة واشنطن للانخراط في هذه القضية تقلصت بشكل أكبر

الرئيس الأمريكي جو بايدن (على يسار الصورة) ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتحدثان بعد تصريحاتهما لوسائل الإعلام في مجمع المقاطعة الرئاسي في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية، 15 يوليو، 2022. (AHMAD GHARABLI / AFP)
الرئيس الأمريكي جو بايدن (على يسار الصورة) ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتحدثان بعد تصريحاتهما لوسائل الإعلام في مجمع المقاطعة الرئاسي في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية، 15 يوليو، 2022. (AHMAD GHARABLI / AFP)

بالطريقة التي يتحدث بها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، قد يعتقد المرء أننا عدنا بالزمن إلى الوراء قبل عدة سنوات إلى فترة كانت العلاقات الأمريكية-الفلسطينية فيها في أدنى مستوياتها.

صرح رئيس السلطة الفلسطينية: “نحن لا نثق بأمريكا … لا نثق بها، ولا نعتمد عليها، ولا نقبل تحت أي ظرف من الظروف أن تكون أمريكا الطرف الوحيد في حل مشكلة”.

لكن هذا التصريح صدر عن عباس في الأسبوع الماضي فقط، والرئيس الأمريكي الذي قادته سياساته إلى التوصل إلى هذا الاستنتاج هو جو بايدن، وليس دونالد ترامب.

كان هذا الانتقاد مطابقا تقريبا لانتقادات عبّر عنها عباس طوال فترة ترامب.

في عام 2018 قال عباس للجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة: “الآن، وجهة نظرنا تجاه الولايات المتحدة هي أنه لا يحق لها أن تكون وسيطا بمفردها. لم نعد نقبل وساطتها لأنها منحازة لإسرائيل”.

ألقى عباس هذا الخطاب بعد شهور من اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل. ومضى الرئيس الأمريكي في نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة، وقطع جميع المساعدات عن الفلسطينيين، وروج لخطة سلام تسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بكل واحدة من مستوطنات الضفة الغربية، وسحب الرأي القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية الذي اعتبر المستوطنات غير شرعية، وقام بإغلاق البعثتين الدبلوماسيتين للفلسطينيين في واشنطن والقدس.

رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يمين، يلتقي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية يوم 23 مايو 2017. (Fadi Arouri, Xinhua Pool via AP)

وأعاد بايدن عند توليه منصبه العلاقات مع رام الله وجدد المساعدة للفلسطينيين. لكنه وعد أيضا خلال حملته الانتخابية بإعادة فتح البعثات الدبلوماسية المغلقة – وهي خطوة لم يتم اتخاذها بعد – وكانت السلطة الفلسطينية تأمل في أن يقوم بدور أكثر نشاطا في إحياء عملية السلام.

مع استمرار تدهور الوضع الراهن على الأرض، وفقدان عباس المسن السيطرة بشكل متزايد على الضفة الغربية، عاد رئيس السلطة الفلسطينية إلى استنتاجاته القديمة فيما يتعلق بالدور الذي يعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تلعبه في إصلاح الأوضاع.

لم يذهب عباس بعد إلى حد قطع العلاقات مع واشنطن تماما، كما فعل خلال إدارة ترامب، وأصر مسؤولان فلسطينيان تحدثا مع “تايمز أوف إسرائيل” على أن الخيار ليس مطروحا على الطاولة، لكنهما أقرا أيضا بأن الإحباط في رام الله يقترب من المستويات التي بلغها خلال سنوات ترامب.

قال أحد المسؤولين، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: “آنذاك، لم يكن هناك الكثير مما يمكن توقعه ولكن الضربات استمرت في الظهور. مع بايدن، أدركنا أنه ليس مهتما بالقضية بشكل كبير، لكننا اعتقدنا أنه سيكون على الأقل قادرا على تقديم ما وعد به خلال حملته الانتخابية”.

وأضاف المسؤول الفلسطيني: “هناك اختلافات أخرى بين الرئيسين الأمريكيين، وربما المزاج السائد في فلسطين الآن هو اليأس أكثر من الغضب (كما كان في عهد ترامب)، لكن الشعور قوي بالقدر نفسه”.

خلال سنوات ترامب، تحول الانتقاد إلى شخصي، حيث وصف عباس السفير الأمريكي في ذلك الوقت لدى إسرائيل ديفيد فريدمان بأنه “ابن كلب” وشتم ترامب بقوله “الله يخرب بيتك”.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يحمل لافتة توضح خرائط (من اليسار إلى اليمين) فلسطين التاريخية، خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين لعام 1947، حدود 1948-1967 بين الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، خريطة اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن دولة فلسطينية في إطار خطته الجديدة للسلام، بينما يتحدث في رام الله بالضفة الغربية عبر الفيديو مع ممثلي الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حماس، المجتمعين في السفارة الفلسطينية في بيروت، 3 سبتمبر 2020 (Alaa BADARNEH / POOL / AFP)

في حين أن عباس لم يهن حتى الآن مسؤولي بايدن بهذه الطريقة علنا، فقد بدأ في فعل ذلك خلف الأبواب المغلقة.

في تسجيل حصل عليه “تايمز أوف إسرائيل” الشهر الماضي، يمكن سماع عباس في محادثة هاتفية أجراها مؤخرا مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين وصفه خلالها بأنه “ولد صغير” وانتقاده لإدارة بايدن لفشلها في الضغط الكافي على إسرائيل لتقديم تنازلات من أجل السلام.

رفضت وزارة الخارجية الأمريكية التعليق على تلك الإهانة وأصر متحدث باسمها في ذلك الوقت على أن بلينكن “حافظ على حوار محترم مع الرئيس عباس”.

لكن من الواضح أن تصريحات عباس الأسبوع الماضي تجاوزت الحد بالنسبة لواشنطن التي أصدرت إدانة نادرة.

وقال متحدث بإسم البيت الأبيض “شعرنا بخيبة أمل شديدة لسماع تصريحات الرئيس عباس”، مشيرا بشكل خاص إلى قرار عباس بالتعبير عنها أثناء جلوسه إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد أيام من إعلان موسكو ضم أربع مقاطعات أوكرانية. كما أشاد عباس بموقف بوتين من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني واعتبر أن روسيا ستكون وسيطا أفضل من الولايات المتحدة (هذه لم تكن المرة الأولى التي يقوم فيها بذلك).

وأضاف: “بوتين بعيد كل البعد عن نوع الشريك الدولي المطلوب للتعامل بشكل بناء مع الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. روسيا لا تدافع عن العدالة والقانون الدولي. في المقابل، أظهر الرئيس بايدن التزام الولايات المتحدة لعقود من الزمن بالبحث عن حلول خلاقة والعمل نحو السلام الدائم اللازم لتعزيز الاستقرار والازدهار في جميع أنحاء الشرق الأوسط”.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (على يسار الصورة) ، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قبل محادثاتهما في المقر الصيفي للرئيس الروسي “وشاروف روتشي في مدينة سوتشي على البحر الأسود، روسيا، 23 نوفمبر، 2021. (Yevgeny Biyatov, Sputnik, Kremlin Pool Photo via AP)

قال دبلوماسي أمريكي مطلع على الأمر إن تصريحات عباس أثارت غضب العديد من أولئك الذين يعملون بانتظام على الملف الإسرائيلي-الفلسطيني في واشنطن، “خاصة أنها جاءت بعد أيام قليلة من استضافتنا [أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية] حسين الشيخ في واشنطن”.

وقال: “لكن بالنسبة لمن هم في المستويات العليا، فإن التصريحات عززت فقط الشعور بأن هذه القضية لا تستحق الانخراط المباشر للرئيس وكبار موظفيه فيها”.

وقال مدير منتدى السياسات الإسرائيلية، مايكل كوبلو، إن عباس “يتجاهل حقيقة أن هذا يتعلق بالحد الأقصى لما يمكن أن يفعله بايدن بموجب القانون الأمريكي وبالاقتران مع ما ستدعمه السياسة الحالية في الكونغرس”، في إشارة إلى تشريعات الكونغرس التي تحد من تعامل واشنطن مع رام الله طالما أنها تواصل دفع رواتب للأسرى الأمنيين الفلسطينيين وعائلات منفذي الهجمات، وهي سياسة انتُقدت باعتبارها تحفيزا للإرهاب.

وأضاف: “حقيقة أن الولايات المتحدة تواصل إيجاد طرق لدعم العديد من الفلسطينيين بشكل مباشر ودعم المؤسسات التي تخدم الفلسطينيين على الرغم من عدم قدرتها على إنفاق دولار واحد لصالح السلطة الفلسطينية بشكل مباشر هي في الواقع أمر مذهل إلى حد ما”.

خالد الجندي من معهد الشرق الأوسط ومقره واشنطن يرى أن إحباط عباس له ما يبرره.

يقول إن “كلمات عباس المفرطة بشأن الولايات المتحدة مزعجة لإدارة بايدن لأسباب مفهومة، لكن إحباطه ليس بالضرورة في غير محله بالنظر إلى المدى الذي قامت به الإدارة بإلغاء الأولوية للقضية الفلسطينية. في نهاية المطاف، يبدو أن الإدارة لا تمانع الوضع الراهن المريح إلى حد ما للإسرائيليين وغير المريح للغاية (وبشكل متزايد) من كل النواحي تقريبا بالنسبة للفلسطينيين”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال