قبل ضم محتمل، وزير الخارجية الألماني يصل إلى إسرائيل في مهمة حساسة
بحث
تحليل

قبل ضم محتمل، وزير الخارجية الألماني يصل إلى إسرائيل في مهمة حساسة

هايكو ماس، الذي قال إنه دخل السياسية بسبب أوشفيتس، سيعيد التأكيد على صداقة برلين الدائمة ولكنه سيحذر القدس من الخطوة التي يُنظر إليها باعتبارها انتهاكا للقانون الدولي

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يسار، يلتقي بوزير الخارجية الألماني هايكو ماس في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 26 مارس، 2020.  (Kobi Gideon / GPO)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يسار، يلتقي بوزير الخارجية الألماني هايكو ماس في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 26 مارس، 2020. (Kobi Gideon / GPO)

وصل وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الذي يُعرف عنه قوله إنه دخل السياسة بسبب أوشفيتس، إلى إسرائيل صباح الأربعاء في زيارة دبلوماسية حساسة سيكرر فيها التزام بلاده الذي لا يتزعزع بأمن إسرائيل، ولكنه سيعبّر أيضا عن معارضة بلاده الشديدة لإجراءات الضم الأحادي الجانب التي تزمع الحكومة الإسرائيلية تنفيذها في أجزاء من الضفة الغربية.

وتشمل زيارة ماس، وهو أول مسؤول أجنبي يزور إسرائيل منذ أداء الحكومة الجديدة اليمين القانونية الشهر الماضي، لقاءات بنظيره غابي أشكنازي، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع بيني غانتس، قبل التوجه إلى عمان للاجتماع مع نظيره الأردني، أيمن الصفدي. وسيتحدث إلى القادة الفلسطينيين عبر الفيديو، بدلا من اللقاء معهم شخصيا، بسبب القيود الإسرائيلية المتعلقة بكوفيد-19.

وقالت السفارة الألمانية في تل أبيب في بيان لها يوم الثلاثاء: “حقيقة أن زيارة وزير الخارجية الألماني ماس ستكون أول زيارة أوروبية منذ تفشي جائحة فيروس كورونا تعكس العلاقات الثنائية الوثيقة والمتنوعة، لذا فإن محادثات وزير الخارجية ماس ستعالج مجموعة كاملة من القضايا الثنائية والإقليمية، بما في ذلك مستقبل عملية السلام في الشرق الأوسط”.

لكن من الواضح أن اجتماعات ماس هنا لن تروق جميعها للقدس، لأن القضية الرئيسية على جدول الأعمال هي نقطة شائكة رئيسية في العلاقات الثنائية: الضم المزمع لغور الأردن وجميع المستوطنات في الضفة الغربية.

في الواقع، تمثل الرحلة القصيرة إلى الشرق الأوسط – بعد القدس وتل أبيب سيواصل رحلته إلى عمان ليعود إلى الديار في اليوم نفسه – تحديا استثنائيا لكبير الدبلوماسيين الألمان.

من ناحية، تلتزم برلين التزاما عميقا بصداقتها مع إسرائيل، حيث أن إعلان المستشارة أنغيلا ميركل عام 2008 عن أن أمن إسرائيل هو مصلحة وطنية ألمانية لا يزال قائما. من ناحية أخرى، تشعر أقوى دولة في أوروبا بأنها ملتزمة بنفس القدر بالسلام والأمن العالميين وبالاستقرار الإقليمي، وكذلك بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي.

الاصطدام بين هاتين الركيزتين في السياسة الخارجية الألمانية سيكون محتما إذا قررت إسرائيل المضي قدما في خطط الضم.


وزير الخارجية الألماني هيكو ماس يؤدي اليمين الدستورية بعد تعيين الحكومة الجديدة بعد انتخاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لولاية رابعة في منصب المستشار في البرلمان الألماني البوندستاغ في برلين، ألمانيا، 14 مارس 2018. (AP Photo / Michael Sohn )

يُنظر إلى ماس البالغ من العمر 53 عاما على أنه أحد أفضل أصدقاء إسرائيل في الساحة الدولية، وهو شخص يهتم حقا بالدولة اليهودية.

ويقول آفي نير فلدكلين، رئيس قسم أوروبا قي وزارة الخارجية، “هايكو ماس صديق حقيقي لإسرائيل، وهو شريك مهم لنا”، وأشار إلى حديث الوزير العضو في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني عن كون المحرقة المحفز الرئيسي في دخوله عالم السياسي.

في أول خطاب له كوزير للخارجية في مارس 2018 قال ماس: “لم أدخل السياسية بسبب [المستشار السابق] فيلي براندت. ولم أدخل السياسية أيضا بسبب حركة السلام أو قضايا بيئية. لقد دخلت السياسية بسبب أوشفيتس”.

وأشرف ماس منذ ذلك الحين على العديد من التغييرات التي كانت على رأس قائمة القدس منذ فترة طويلة، بما في ذلك تحسين نمط تصويت برلين إزاء إسرائيل في المنظمات الدولية، وحظر منظمة “حزب الله”. تحت قيادته، أعادت طائرات حكومية ألمانية المئات من الإسرائيلين العالقين في دول مختلفة في العالم خلال أزمة جائحة كورونا.

لكن زيارته يوم الأربعاء ستطغى عليها المناقشات حول الضم، التي تعارضها ألمانيا بشدة، مثل معظم الدول.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يمين، يصافح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس خلال لقاء جمع الإثنين في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 26 مارس، 2018. (AP Photo/Majdi Mohammed)

في بيان مشترك الشهر الماضي مع رئيس السلطة الفلسطينية محمد اشتية، الذي من المقرر أن يتحدث معه أيضا – وإن لم يكن في زيارة شخصية، بسبب قيود فيروس كورونا – يوم الأربعاء، أعرب الوزير الألماني عن “قلق بالغ” إزاء خطة الضم الإسرائيلية.

وجاء في البيان أن “ضم أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتملة بما في ذلك القدس الشرقية يشكل انتهاكا واضحا للقانون الدولي ويقوض بشكل خطير فرص حل الدولتين في إطار اتفاق الوضع النهائي”.

وحذر مبعوث ألمانيا لدى الأمم المتحدة مؤخرا من أن الضم سيكون له “تداعيات خطيرة وسلبية على مكانة إسرائيل داخل المجتمع الدولي”، وقالت السفيرة الألمانية لدى إسرائيل سوزان فاسوم-رينر ، في مقابلة تلفزيونية أجريت معها مؤخرا، إن الضم ربما سيضر ليس فقط بعلاقة القدس المتوترة أصلا مع الاتحاد الأوروبي وإنما أيضا بالعلاقات الثنائية مع برلين.

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس يضع إكليلا من الزهور خلال مراسم أقيمت في القاعة التذكارية في متحف ’ياد فاشيم’ لتخليد ذكرى المحرقة في القدس، خلال زيارته الرسمية إلى إسرائيل. 25 مارس 2018. (Yonatan Sindel / Flash90)

ربما بدت كلماتها للبعض وكأنها تهديد ضمني بفرض عقوبات محتملة. لكن هل ستدعو ألمانيا، بعد 75 سنة من المحرقة و 55 سنة بعد إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد الدولة اليهودية؟ بالنسبة للعديد من المسؤولين الإسرائيليين، هذا أمر لا يمكن تصوره.

هذا الأسبوع قال أحد المسؤولين الإسرائيليين للصحافيين “ألمانيا لن تبالغ في رد فعلها، إن الألمان لا يؤيدون العقوبات، ولن يعترفوا بدولة فلسطينية. إنهم برغماتيون، وهدفهم الرئيسي هو ضمان الاستقرار [في المنطقة]. لا يريدون إحداث اضطراب كبير، وإنما سيبحثون عن سبل لتشجيعنا نحن والفلسطينيين على العودة إلى المفاوضات”.

هذا لا يعني أن القدس لا تتوقع ألا تتخذ برلين خطوات بطريقة أو بأخرى. قد يقوم الألمان بتغيير “الأجواء”، كما توقع أحد المسؤولين. “سيصبحون أقل انفتاحا على الاستماع لنا ولمخاوفنا، وقد يصبح الحصول على مساعدة منهم في مجالات مختلفة أكثر صعوبة بالنسبة لنا”.

لماذا يعتبر الضم بالنسبة لألمانيا أمرا بالغ الأهمية؟ لأنه منذ الحرب العالمية الثانية “تخاف [ألمانيا] من ظلالها”، على حد تعبير المسؤول الإسرائيلي. فالألمان، الذين يخشون بأن يصبحوا مرة أخرى ما كانوا عليه في أربعينيات القرن الماضي، حريصون على الحفاظ على القانون الدولي والنظام العالمي، كما قال. وبالتالي، ستعارض برلين بقوة أي خطوة يُنظر إليها على أنها تضفي الشرعية على الإستيلاء على أراض بالقوة.

تقول مايا سيون تسدكياهو، مديرة برنامج العلاقات الإسرائيلية-الأوروربية في “ميتفيم” (المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية)، “على الرغم من صداقتها، لا يمكن لألمانيا تأييد الضم الإسرائيلي”، وتضيف “ستصر ألمانيا على مبادئها الأساسية فيما يتعلق بسيادة القانون، بما في ذلك القانون الدولي. هذا هو الأساس الذي تأسس عليه الإتحاد الأوروبي، وألمانيا هي أحد مؤسسيه”.

المستشار الألمانية أنغيلا ميركل خلال مؤتمر صحفي في اختتام أعمال قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، 21 يونيو، 2019.(AP/Olivier Matthys)

إن دور ألمانيا في التداعيات الدولية من ضم إسرائيلي محتمل سيكون أكبر أيضا من خلال حقيقة أنها ستتولى في هذه الفترة الرئاسة الدورية لكل من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والمجلس الأوروبي اعتبارا من الأول من يوليو.

وفي حين أنه من المؤكد أن تستخدم الولايات المتحدة حق النقض ضد أي خطوة مناهضة لإسرائيل في مجلس الأمن، فمن المرجح جدا أن يفرض الاتحاد الأوروبي إجراءات عقابية إذا مضت إسرائيل قدما في عملية الضم من جانب واحد. وقال المسؤول الإسرائيلي إن الرئاسة المقبلة للاتحاد الأوروبي ستكون الأخيرة لميركل، التي كانت تأمل في التركيز على القضايا الأوروبية الداخلية، مثل أزمة اللاجئين وإعادة بناء الاقتصاد الذي دمره فيروس كورونا.

وأضاف أن الضم سيجعل من الصعب على ألمانيا التركيز على هذه القضايا، ولهذا سيفعل ماس كل ما في وسعه لإقناع محاوريه الإسرائيليين بالتخلي عن الضم المزمع.

يوم الثلاثاء ناقش رئيس الدولة رؤوفين ريفلين “قضايا على جدول الأعمال الإقليمي” مع نظيره الألماني، فرانك-فالتر شتاينماير، الذي قد يكون أعطاه فكرة عما سيقوله ماس في القدس.

سيحصل ماس على الكثير من الفرص لتوضيح موقف برلين إزاء الضم، حيث سيشارك في مؤتمر صحفي نادر في وزارة الخارجية بعد اجتماعه مع أشكنازي.

سيكون الوزير الألماني معسول الكلام مهذبا ودبلوماسيا في ظهوره العلني ولكن رسالته ستكون على الأرجح واضحة: نحن أصدقاءكم وسنظل أصدقاءكم، لكن الضم سيزعجنا بشدة وسيلقي بظلال قاتمة على علاقتنا.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال