في مواجهة التطبيع الرابع بين العرب وإسرائيل، السلطة الفلسطينية تجرب تكتيكا جديدا: الصمت
بحث
تحليل

في مواجهة التطبيع الرابع بين العرب وإسرائيل، السلطة الفلسطينية تجرب تكتيكا جديدا: الصمت

بعد أن فشلت إداناتها الحادة للدول التي أقامت علاقات مفتوحة مع إسرائيل في تحقيق نتائج، فإن السلطة الفلسطينية تلتزم الصمت الآن بشأن قرار المغرب بالتطبيع

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباسخلال لقاء مع القيادة الفلسطينية لبحث اتفاق الامارات العربية المتحدة مع اسرائيل لتطبيع العلاقات بينهما، في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 18 أغسطس، 2020. (Mohamad Torokman / Pool via AP)
رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباسخلال لقاء مع القيادة الفلسطينية لبحث اتفاق الامارات العربية المتحدة مع اسرائيل لتطبيع العلاقات بينهما، في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 18 أغسطس، 2020. (Mohamad Torokman / Pool via AP)

في إشارة إلى مدى تغير الأمور في الأشهر الأربعة الماضية فقط، فشل إعلان يوم الخميس عن قرار المغرب بإعادة العلاقات الثنائية مع إسرائيل في إثارة أي رد، حتى لو كان مجرد همسة، من السلطة الفلسطينية.

بعد خمسة أيام من إعلان الرباط والقدس عن فتح العلاقات بينهما بشكل رسمي، لم تعلق السلطة الفلسطينية رسميا على الاتفاقية. معظم كبار المسؤولين في حركة “فتح” الحاكمة، بمن فيهم أولئك الذين سبق لهم التنديد بالتطبيع بأقسى العبارات، لم ينبسوا ببنت شفة بعد.

في الوقت الذي تصدرت فيه أنباء الاتفاق المدعوم من الولايات المتحدة بين إسرائيل والمغرب عناوين الأخبار حول العالم مساء الخميس، لم يسمع مشاهدو التلفزيون الفلسطيني الرسمي أي شيء عنه في النشرة الإخبارية التي استمرت لمدة ساعة، وتم بثها بعد ثلاث ساعات من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاتفاق عبر تويتر.

ورفض متحدث باسم فتح توجه إليه “تايمز أوف إسرائيل” التعليق بأي شكل من الأشكال على قرار المغرب التطبيع مع إسرائيل. حركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” أدانتا الاتفاق بين الرباط والقدس، الذي وصفه المتحدث باسم حماس، حازم قاسم، بأنه “خطيئة”.

الصمت، وهو تناقض صارخ مع التنديدات الغاضبة التي صدرت عن رام الله بعد الاتفاقات السابقة بين إسرائيل والدول العربية، قد يشير إلى تغيير في إستراتيجية السلطة الفلسطينية، بعد أن فشل نهج المواجهة في وقف نزيف الدم الدبلوماسي.

بالطبع، لم يقرر الفلسطينيون فجأة تبني التطبيع. من وجهة نظرهم، فإن تشديد شبكة التحالفات الإقليمية الإسرائيلية تقدم للدولة اليهودية وسيلة لتجنب إنهاء حكمها العسكري على الفلسطينيين. كما أنهم لا يسارعون إلى تصحيح خلافاتهم علنا مع تلك الدول التي قامت بالفعل بالتطبيع.

لكن السلطة الفلسطينية تظهر مؤشرات على أنها تقوم بتعديل استراتيجيتها لتناسب الواقع الإقليمي الجديد: واقع لم تعد فيه العلاقات المفتوحة مع إسرائيل من المحرمات – مع الفلسطينيين أو بدونهم.

على النقيض من ذلك، عندما أقامت الإمارات العربية المتحدة علاقات علنية مع إسرائيل في منتصف أغسطس، ردت رام الله بإدانة شديدة وفورية. بعد أن أعلنت أبو ظبي عن إقامة علاقات مفتوحة مع إسرائيل، سعت الدبلوماسية الفلسطينية إلى إدانتها وعزلها.

فلسطينيون يحرقون صورا لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال احتجاج على الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل، في مدينة نابلس بالضفة الغربية، 14 أغسطس، 2020. (AP Photo/Majdi Mohammed)

قبل أيام من ذلك، اجتمع أمين اللجنة المركزية لحركة فتح، جبريل الرجوب، والدبلوماسي الفلسطيني الراحل صائب عريقات على التلفزيون الرسمي للسلطة الفلسطينية للتنديد باتفاقات التطبيع، التي وصفاها بأنها “بغيضة” و”خيانة” و”طعنة في الظهر”. وأعلنت رام الله عن استدعاء سفيرها من أبوظبي على الفور.

في اليوم التالي، داس المتظاهرون الغاضبون على صور تحمل وجه ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للدولة الخليجية، وقاموا بحرق الأعلام الإماراتية ودمى لبن زايد في نابلس وفي الحرم القدسي.

وقال عريقات لتايمز أوف إسرائيل في ذلك الوقت: “الخليج لن يقوم بالتطبيع مع إسرائيل، ولن تقوم السعودية بالتطبيع مع إسرائيل”. لكنه أضاف في ما بدا كتفسير وتحذير في الوقت نفسه: “عندما يخونك أصدقاؤك، يكفون عن كونهم أصدقاء لك”.

من الواضح أن القيادة الفلسطينية كانت تأمل في أن تساعد بعض حيلها الدبلوماسية القديمة – مثل السعي إلى الحصول على إدانة جامعة الدول العربية للإمارات – في حشد الدعم في الخارج، لكن مساعيها الدبلوماسية فشلت بشكل مذهل عندما رفضت جامعة الدول العربية مشروع القرار الذي طرحه الفلسطينيون.

هذا ما حدث آنذاك. في الشهور التي تلت ذلك، بدأت ثلاث حكومات عربية أخرى – البحرين والسودان، والآن المغرب – بعملية تطبيع العلاقات مع إسرائيل. هذه المرة، اختارت رام الله، خوفا كما يبدو من زيادة استعداء العالم العربي لها، الصمت.

في مقطع فيديو نُشر على صفحته عبر فيسبوك، علق الوزير السابق في السلطة الفلسطينية نبيل عمرو بالقول “إن السلطة الفلسطينية في حيرة من أمرها. لا يمكنها قول كل ما قالته في السابق بشأن التطبيع. عليهم الحفاظ على علاقاتهم مع المغرب. إن الموقف الرسمي الفلسطيني في الوقت الحالي هو الصمت”.

المسؤول الكبير في حركة فتح، جبريل الرجوب، في مدينة رام الله بالضفة الغربية، يحضر عبر تقنية الاتصال المرئي اجتماعا مع نائب الأمين العام لحركة حماس، صالح العاروري (لا يظهر في الصورة) لمناقشة الخطة الإسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية، 2 يوليو، 2020.(Abbas Momani/AFP)

ومع ذلك، علق مسؤول كبير واحد على الأقل من فتح علنا على قرار المغرب التطبيع مع إسرائيل: أمين اللجنة المركزية لحركة فتح، جبريل الرجوب.

ردا على سؤال مباشر عن المغرب خلال زيارة رسمية قام بها إلى العراق، تلا الرجوب قائمة الانتقادات للتطبيع الذي قامت به دول أخرى، قبل أن يضيف: “أما ما حدث مع المغرب فهو على حساب فلسطين والقدس. إذا كانت لديك مشكلة فقم بحلها كيفما شئت ولكن ليس على حساب القضية الفلسطينية. إنه أمر مخز”.

تصريحات الرجوب كانت معتدلة نسبيا – صدرت عنه بحزن وليس بغضب – لكنها لم تُنشر على أي من القنوات الرسمية التابعة لفتح أو للسلطة الفلسطينية.

وقال مصدر رفيع في حركته في وقت لاحق لصحيفة “العربي الجديد” التي تتخذ من لندن مقرا لها إن “تعليمات صارمة” صدرت من القيادة الفلسطينية لوقف انتقاد الدول التي تطبّع مع إسرائيل.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الفلسطينية إنه لم يتم إصدار أي تصريحات رسمية حتى الآن، وأن الوزارة في انتظار سماع رأي الرئاسة قبل إصدار أي بيان رسمي.

وأضاف: “يبدو أن القيادة قررت عدم إصدار بيان أو تواصل مناقشة المسألة”.

يقول المحلل السياسي مخيمر أبو سعدة  إن تكتيكات رام الله السابقة انتهت بازدياد “عزلتها الدبلوماسية”.

وقال أبو سعدة في اتصال هاتفي إن “انتقادات السلطة الفلسطينية للإمارات والبحرين سببت لها مشاكل دبلوماسية مع مصر والسعودية لأن هذين البلدين باركا عملية التطبيع”. وكلما انتقدت التطبيع، زادت من استعداء هذين البلدين لها .

فلسطينيون يحملون ملصقًا به صور مشطوبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والملك البحريني حمد بن عيسى آل خليفة خلال مسيرة نظمتها حركة حماس في مدينة دير البلح وسط غزة، لإدانة اتفاق التطبيع الإسرائيلي البحريني، 12 سبتمبر 2020 (Mahmud Hams/AFP)

العلاقات بين رام الله والقاهرة ضعيفة منذ سنوات. لكن تفادي التطبيع المحتمل من قبل السعوديين يشغل عباس بشكل خاص، حيث أصبح توق الرياض للعلاقات مع إسرائيل أكثر انفتاحا وأقل سرية.

لقد أثار لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علنا مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الآمال الإسرائيلية والمخاوف الفلسطينية من أن المملكة يمكن أن تكون قطعة الدومينو التالية التي تقع في ما يسمى بـ “سلسلة التطبيع”.

تأمل حكومة رام الله أيضا في تجديد علاقاتها مع إدارة بايدن القادمة – التي أعلنت دعمها العلني لصفقات التطبيع. حتى أن الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن سعى إلى نسب بعض الفضل لنفسه في ما يسمى بـ”اتفاقيات أبراهام”، قائلا إنها بنيت على “جهود إدارات متعددة لتعزيز الانفتاح العربي-الإسرائيلي الأوسع”.

بعد أسابيع قليلة من فوز بايدن في نوفمبر، أعادت رام الله سفيريها إلى الإمارات والبحرين. الخطوة تمت بهدوء، ولم يرافقها ضجة كبيرة ولا بيان رسمي، رغم أن مصادر داخل السلطة سربت عودة السفيرين على نطاق واسع في وسائل الإعلام العربية.

فسر المراقبون الخطوة على أنها إشارة إلى كل من واشنطن وأبو ظبي بأن الفلسطينيين على استعداد لإعادة التواصل. إن مرور السلطة الفلسطينية على إعلان المغرب عن اعتزامه التطبيع مع إسرائيل مرور الكرام هو مؤشر أقوى على أن رام الله قد تغير مسارها بعد أن فشلت في حشد العالم العربي ضد المطبعين.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال