إسرائيل في حالة حرب - اليوم 190

بحث

في خطوة “تاريخية”، المحكمة العليا تأمر بوقف تمويل المعاهد الدينية الحريدية للطلاب المؤهلين للتجنيد

المستشارة القضائية للحكومة تقول للمحكمة إن الجيش سيكون ملزما بالبدء بتجنيد الرجال الحريديم اعتبارا من 1 أبريل؛ القضاة يرفضون طلب رئيس الوزراء لمنحه 30 يوما لتسوية المسألة

طلاب حريديم  يدرسون في معهد كامينيتس الديني، في القدس، 22 أغسطس، 2023. (Chaim Goldberg/Flash90)
طلاب حريديم يدرسون في معهد كامينيتس الديني، في القدس، 22 أغسطس، 2023. (Chaim Goldberg/Flash90)

في خطوة قد يكون لها تداعيات سياسية ومجتمعية عميقة، أصدرت محكمة العدل العليا أمرا مؤقتا مساء الخميس يمنع الحكومة من تقديم أموال للمعاهد الدينية الأرثوذكسية المتشددة (الحريدية) للطلاب المؤهلين للتجنيد في الجيش الإسرائيلي – حيث أن الإطار القانوني لتأجيل خدمتهم العسكرية لن يكون قائما بعد الآن.

وستنتهي صلاحية قرار حكومي من عام 2023 يأمر الجيش الإسرائيلي بعدم تجنيد الطلاب الحريديم مؤقتا، على الرغم من انتهاء صلاحية القانون الذي ينظم هذه المسألة، في منتصف ليل 31 مارس.

ويأتي قرار المحكمة، الذي يدخل حيز التنفيذ في 1 أبريل، بعد أن أخرت الحكومة لعدة أيام تقديم اقتراح إلى المحكمة بشأن خطط لزيادة التجنيد العسكري لليهود الحريديم، وهو ما يشكل إشارة حادة من القضاة إلى أن صبرهم على المحاولات المتكررة لتأجيل اتخاذ القرارات بشأن هذه المسألة بدأ ينفد أخيرا.

أدت المعركة السياسية حول التجنيد إلى وضع ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في حالة من الفوضى، حيث هدد رئيس حزب “الوحدة الوطنية” بيني غانتس بالانسحاب من الحكومة إذا أقر الكنيست مشروع قانون يسمح بالإبقاء على الإعفاءات الشاملة – حتى لو كان الاقتراح يرضي المحكمة – في حين هدد الحريديم بالاستقالة إذا فشلت الحكومة في تمرير تشريع لمنع التجنيد.

وانتقدت الأحزاب الحريدية قرار المحكمة العليا، ووصف رئيس حزب “يهدوت هتوراة” ووزير الإسكان والبناء يتسحاق غولدكنوبف القرار بأنه يشكل “ضررا جسيما لأولئك الذين يكدحون في التوراة” ووصفه بأنه”وصمة عار”.

وقال رئيس حزب “شاس” أرييه درعي إن القرار يشكل “سوء معاملة غير مسبوق لدراسة التوراة في الدولة اليهودية”.

لكن الحركة من أجل جودة الحكم في إسرائيل، التي قدمت الالتماسات ضد الحكومة التي أدت إلى قرار الخميس، وصفت قرار المحكمة بأنه “حكم مؤقت تاريخي يدل على نهاية التمييز غير المشروع بين فصائل الدم المختلفة”، مضيفة أنه “[لن يكون هناك] بعد الآن دعما لأولئك الذين ليسوا شركاء في العبء [الخدمة العسكرية]”.

تاريخ من المماطلة

ترجع موجة النشاط الحالية حول تجنيد اليهود الحريديم إلى الالتماسات المقدمة إلى المحكمة العليا في العام الماضي للطعن في شرعية قرار مجلس الوزراء الصادر في 25 يونيو 2023، والذي أصدرت فيه الحكومة تعليمات إلى سلطات التجنيد في الجيش الإسرائيلي بـ “ألا يتم اتخاذ إجراءات لتجنيد طلاب المعاهد الدينية” حتى 31 مارس.

مررت الحكومة هذا القرار لأن القانون الذي يسمح بإعفاءات شاملة من الخدمة العسكرية – تقنيا تأجيل سنوي حتى سن الإعفاء – لطلاب المدارس الدينية الحريدية كان على وشك الانتهاء.

بحلول 31 مارس، كان من المفترض أن تكون الحكومة قد وجدت طريقة للامتثال لحكم المحكمة الصادر في عام 2017، والذي اعتبر أن الإعفاءات الشاملة من الخدمة العسكرية لطلاب المعاهد الدينية الحريدية تمييزية وغير قانونية. لكنها أبلغت المحكمة في فبراير أنها لم تتمكن من القيام بذلك بسبب الفظائع التي وقعت في 7 أكتوبر واندلاع الحرب مع حركة حماس في غزة ومنظمة حزب الله في لبنان.

المحكمة العليا تعقد جلسة بشأن مسألة تجنيد اليهود الحريديم في الجيش الإسرائيلي، 26 فبراير، 2024. (Yonatan Sindel/Flash90)

وقالت الدولة حينها إنها بحاجة لمزيد من الوقت لتشريع مثل هذا القانون نتيجة الحرب، وإنها ستحدد ما سيتضمنه مشروع القانون بحلول نهاية مارس، ثم طلبت تمديدا آخر حتى نهاية يونيو لتمرير التشريع.

يُطلب من معظم الرجال اليهود الإسرائيليين الخدمة لمدة ثلاث سنوات تقريبا تليها سنوات من الخدمة الاحتياطية السنوية. العديد من النساء اليهوديات يخدمن لمدة عامين. لكن الحريديم الذي يتمتعون بنفوذ سياسي قوي، ويشكلون ما يقارب من 13% من المجتمع الإسرائيلي، يحصلون تقليديا على إعفاءات إذا كانوا يدرسون بدوام كامل في يشيفا أو مدرسة دينية. وقد أثارت الإعفاءات – والرواتب التي يتلقاها العديد من طلاب المدارس الدينية من الحكومة حتى سن 26 عاما – غضب الجمهور العام على نطاق أوسع.

وقد بلغ هذا الإحباط ذروته منذ الهجوم الذي شنته حماس في 7 أكتوبر والحرب التي تلت ذلك حيث يفقد أفراد القطاعات الأخرى في المجتمع الإسرائيلي حياتهم في الجيش الإسرائيلي ويُطلب منهم أيضا زيادة فترة خدمتهم الاحتياطية، مع تزايد التهديدات التي تواجهها إسرائيل.

ويقول وزير الدفاع يوآف غالانت والوزير بيني غانتس – العضوان مع نتنياهو في كابينت الحرب – إن القانون الذي اقترحه رئيس الوزراء لا يذهب إلى حد كاف نحو زيادة عدد الشباب الحريديم الذين سينضمون إلى الجيش. ويقول المنتقدون إن بعض الجوانب المقترحة، مثل رفع سن الإعفاء الدائم – الذي يبدو أنه انخفض الآن – يمكن حتى أن تؤدي إلى خفض الأعداد.

بين الأغلبية اليهودية، يُنظر إلى الخدمة العسكرية الإلزامية إلى حد كبير على أنها بوتقة انصهار وطقوس عبور. ويقول الحريديم إن الاندماج في الجيش سيهدد أسلوب حياتهم المستمر منذ أجيال، وأن تفانيهم في دراسة التوراة يحمي إسرائيل بقدر ما يحميها جيش قوي.

ويقول خبراء الاقتصاد إن النظام الحالي غير مستدام. مع ارتفاع معدل الولادات، يعد المجتمع الحريدي الشريحة الأسرع نموا بين السكان، بحوالي 4٪ سنويا. في كل عام، يصل ما يقرب من 13 ألف من الذكور الحريديم إلى سن التجنيد (18 عاما)، لكن أقل من 10% منهم يلتحقون بالخدمة العسكرية، وفقا للجنة مراقبة الدولة في الكنيست، التي عقدت مؤخرا جلسة لمناقشة هذه المسألة.

تعليق التمويل

بحسب قرار المحكمة العليا الصادر يوم الخميس، فإن الأموال التي تدفعها الدولة للمعاهد الدينية الحريدية للطلاب الذين لم يحصلوا على تأجيل للخدمة العسكرية والذين لم يلتحقوا بالخدمة العسكرية منذ 1 يوليو 2023 – عندما انتهى القانون السابق الذي ينظم التأجيل – سيتم تجميدها.

سيؤدي ذلك إلى نقص التمويل لـ 1,257 معهد ديني يتلقى حاليا تمويلا لحوالي 49,485 طالبا مسجلا كانوا يحصلون على تأجيلات سنوية للخدمة العسكرية، وفقا للأرقام التي قدمها مكتب المستشارة القضائية للحكومة إلى المحكمة العليا في الأسبوع الماضي.

يختلف التخفيض في التمويل، ولكن وفقا للأرقام التي قدمها مكتب المستشارة القضائية، سيتم تخفيض تمويل حوالي 371 معهدا دينيا يضم حوالي 36 ألف طالب مسجل بنسبة 30 إلى 70 بالمائة، وحتى بنسبة أعلى لـ 31 معهد ديني من هذه المعاهد.

ويذهب قرار المحكمة بقطع التمويل على الفور عن هذه المؤسسات خطوة أبعد مما اقترحته المستشارة القضائية غالي بهاراف ميارا ردا على الالتماسات المقدمة في وقت سابق من يوم الخميس، والتي اقترحت فيها السماح بفترة تعديل قصيرة يستمر خلالها دفع الأموال.

ويعد الحكم الأكثر صرامة الذي أصدرته المحكمة العليا مؤشرا آخر على أنها تريد من الحكومة أن تتصرف بشكل أسرع في معالجة مسألة التجنيد الإجباري لليهود الحريديم.

وفقا لمكتب المستشارة القضائية، هناك حوالي 63 ألف طالب معهد ديني مسجلين سيخضعون قانونيا للتجنيد بعد الأول من أبريل. ويتلقى حوالي 1500 معهد ديني حريدي حاليا تمويلا لحوالي 56,500 من هؤلاء الطلاب.

يأتي قرار المحكمة يوم الخميس في سياق الالتماسات المقدمة ضد قرار الحكومة في يونيو 2023 الذي يأمر الجيش بعدم تجنيد طلاب المعاهد الدينية الحريدية مؤقتا، على الرغم من انتهاء صلاحية القانون الذي يسمح بمنحهم إعفاءات شاملة، من أجل كسب الوقت لتمرير قانون جديد يمنحهم الإعفاءات مرة أخرى.

كما تم تقديم التماسات ضد الرواتب الشهرية التي تدفعها الدولة والتي يتلقاها طلاب المعاهد الدينية بدوام كامل، لأن توفير هذه الأموال كان مقيدا بقانون الإعفاء من الخدمة العسكرية.

إسرائيليون حريديم ينظمون احتجاجا مضادا خارج المحكمة العليا قبل جلسة استماع بشأن التماس يطالب بإلغاء قرار حكومي يأمر الدولة مؤقتا بعدم فرض الجنيد الإجباري على الرجال الحريديم، 26 فبراير، 2024. (Yonatan Sindel/Flash90)

وقال مسؤول في لجنة المعاهد الدينية التي تنظم المعاهد الدينية المؤهلة للحصول على دعم الدولة إنه يقدر أن حوالي 55 ألف طالب معهد ديني سيتوقفون عن تلقي التمويل في هذه المرحلة.

وقالت المحكمة العليا أيضا في قرارها إنها ستعقد جلسة ثانية في شهر مايو بشأن تمويل المعاهد الدينية أمام لجنة موسعة مكونة من تسعة قضاة.

مؤهلون للاعتقال

في وقت سابق من يوم الخميس، أبلغ مكتب المستشارة القضائية المحكمة أنه بحلول الأول من أبريل، ستكون الدولة ملزمة قانونا بالبدء في تجنيد طلاب المعاهد الدينية اليهودية الحريدية ولن يكون هناك أساس قانوني للدولة لدفع الرواتب الشهرية لهؤلاء الطلاب.

وقالت بهاراف ميارا إن هذا يرجع إلى حقيقة أن قرار الحكومة رقم 682 الصادر في يونيو 2023 سينتهي عند منتصف ليل 31 مارس.

وكتب مكتب المستشارة القضائية في مسودة الرد للمحكمة “من البداية، استند قرار الحكومة 682 إلى فرضية الدفعه بتشريع. وبالتالي، مع انتهاء صلاحية القرار وفي غياب إطار بديل، اعتبارا من الأول من أبريل، 2024، لن يكون هناك مصدر سلطة يسمح بمواصلة التجنب الشامل لتجنيد طلاب المدارس الدينية”.

“في مثل هذه الظروف، سيكون جميع مسؤولي الدولة المعتمدين ملزمين قانونا بالعمل على إجراءات التجنيد لطلاب المدارس الدينية بدءا من 1 أبريل 2024”.

على اليسار: المستشارة القضائية للحكومة غالي باهاراف ميارا في تل أبيب، 20 يونيو، 2023. (Tomer Neuberg/Flash90)؛ على اليمين: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة الغربية، 1 سبتمبر، 2023. (Olivier Fitoussi/Pool)

ويبدو من غير المرجح أن تبدأ الشرطة العسكرية في تنفيذ أوامر التجنيد يوم الاثنين المقبل. ولكن  القناة 12 ذكرت أن الرجال الحريديم المؤهلين للتجنيد الذي يرتكبون مخالفات مرورية أو يحاولون مغادرة البلاد قد يواجهون الاعتقال.

وردا على سؤال حول الأمر أثناء حديثه مع الصحفيين في إيجازه الليلي، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيئل هغاري إن الجيش “سيتصرف وفقا للقانون”.

وقدم مكتب المستشارة القضائية رده على الالتماسات بعد أن طلبت الحكومة ثلاثة تمديدات قصيرة الأجل على مدى حوالي 24 ساعة حتى تتمكن من تقديم اقتراح ملموس للمحكمة العليا لزيادة تجنيد الحريديم.

وسبق للحكومة أن تعهدت أمام المحكمة بذلك، وبالموافقة على اقتراح كهذا كقرار جديد لمجلس الوزراء، ردا على الالتماسات. وقالت إنها ستطلب بعد ذلك من المحكمة تمديدا آخر لمدة ثلاثة أشهر لتمرير الاقتراح كتشريع جديد.

وقال مكتب المستشارة القضائية إن الحكومة فشلت، مع ذلك، في وضع اقتراح موضوعي، بناء على مدخلات مهنية، قد يزيد بشكل واقعي من تجنيد الحريديم. وعلى هذا النحو، قالت بهاراف ميارا إنها لا تستطيع دعم الرد الذي سعت الحكومة إلى تقديمه، وقدم مكتبها رده الخاص به، لكنه ألحق موقف رئيس الوزراء بشكل منفصل.

وفي رسالة كتبها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصيا والتي تم تضمينها في الملف، أقر بأن الحكومة لم تتقدم بمقترحات ملموسة وطلب من المحكمة تمديد الموعد النهائي لمدة 30 يوما، وهو ما رفضته المحكمة في النهاية.

اقرأ المزيد عن