في الوقت الذي يستعد فيه الفلسطينيون للإنتخابات، تبدو قضية القدس عقبة وذريعة محتملة لتأجيلها
بحث
تحليل

في الوقت الذي يستعد فيه الفلسطينيون للإنتخابات، تبدو قضية القدس عقبة وذريعة محتملة لتأجيلها

إسرائيل تطالب بأن تكون صناديق الاقتراع في الضفة الغربية وغزة فقط، لكن القدس خط أحمر بالنسبة للسلطة الفلسطينية، والتي قد تستخدم هذه القضية كذريعة لوقف أول انتخابات للسلطة الفلسطينية منذ 15 عاما

فلسطيني يمر من أمام قسم من الجدار الفاصل الإسرائيلي مغطى بملصقات حملة الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في قرية الرام بالضفة الغربية، في ضواحي القدس، 23 يناير، 2006. (AP / Oded Balilty)
فلسطيني يمر من أمام قسم من الجدار الفاصل الإسرائيلي مغطى بملصقات حملة الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في قرية الرام بالضفة الغربية، في ضواحي القدس، 23 يناير، 2006. (AP / Oded Balilty)

في عام 2005، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية االمسؤول في لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية زياد بكري أثناء قيامه بتسجيل فلسطينيي القدس الشرقية للتصويت.

قال بكري، الذي يعمل في فرع القدس للجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية: “اعتقلوا مجموعة كاملة منا بينما كنا نسجل الأسماء وأخذونا للاستجواب. لم نعد نسجل ناخبين في القدس. نظامنا الآن هو أن نجعلهم يأتون إلينا”.

بينما يقترب الفلسطينيون من إمكانية إجراء انتخاباتهم الأولى منذ 15 عاما، من المرجح أن تظهر القدس إما كنقطة توتر أو ذريعة لعدم أجراء الانتخابات – اعتمادا على من تسأل. لقد أوجدت الرمزية القوية للمدينة قائمة طويلة من القواعد ومطالب بحفظ ماء الوجه التي يجب التعامل معها إذا كان للتصويت أن يؤتي ثماره.

يصر الفلسطينيون على أنه لا يمكن إجراء انتخابات إذا لم يشمل ذلك عاصمتهم المستقبلية المنشودة. وقال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عزام الأحمد في مقابلة من مكتبه في رام الله: “بدون القدس لن تكون هناك انتخابات”.

لكن إسرائيل، التي ضمت القدس الشرقية عام 1980، تقول إن نشاط السلطة الفلسطينية في المدينة ينتهك الاتفاقات بين الجانبين.

ولذلك، للعثور على فرع القدس للجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، يتعين التوجه شمال المدينة إلى بلدة الرام الفلسطينية.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يظهر اصبعه ملطخة بالحبر بعد الادلاء بصوته خلال الانتخابات المحلية في مركز اقتراع في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 20 اكتوبر 2012 (AP / Majdi Mohammed)

قال بكري: “هذا سخيف بعض الشيء، لكن هذه هي الظروف التي نعمل فيها”.

أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في منتصف يناير عن توجه الفلسطينيين إلى صناديق الاقتراع، وأصدر مرسوما انتخابيا حدد ثلاث جولات انتخابية، على أن يتم إجراء الجولة الأولى – الانتخابات التشريعية – في 22 أيار. وقد قوبل البيان بتشكيك كبير، حيث سبقته الكثير من الوعود التي لم يتم الوفاء بها من قبل بإجراء انتخابات.

أدى فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 إلى انقسام بين حركة فتح والحركة الإسلامية، وخاضت الحركتان صراعا داميا على السيادة في غزة، انتهى بطرد قيادة فتح إلى الضفة الغربية.

الانقسام بين فتح وحماس لم يشهد إلا اتساعا في السنوات التي تلت ذلك. في حين يثني السياسيون الفلسطينيون بانتظام على فكرة الوحدة الوطنية، فإن العديد من الاتفاقات بين الجانبين للمصالحة وإجراء انتخابات جديدة قد باءت بالفشل.

ولكن التفاؤل بدأ يزداد ببطء في الأوساط الدبلوماسية بأن تكون هذه المرة مختلفة – بعد 15 عاما، قد يتجه الفلسطينيون بالفعل إلى صناديق الاقتراع.

فلسطينيون يتظاهرون أمام المحكمة العليا في مدينة رام الله بالضفة الغربية في 21 سبتمبر 2016، مطالبين السلطات بعدم تأجيل الانتخابات المحلية. (AFP/ABBAS MOMANI)

لكن، مسؤولون فلسطينيون اتهموا إسرائيل بأنها قد تتحرك لعرقلة عملية التصويت. وكما جرى في محاولات سابق لإجراء إنتخابات، قال مسؤولون فلسطينيون إن مشاركة سكان القدس الشرقية هو أمر لا بد منه للمضي قدما في الانتخابات.

وقال أحمد مجدلاني، المسؤول البارز في منظمة التحرير الفلسطينية، لـ”تايمز أوف إسرائيل” في يناير إن “القلق الأكبر بشأن الانتخابات هو من إسرائيل – أن تمنع إسرائيل إجراء الانتخابات في القدس أو في المنطقة C، أو أن تفرض إسرائيل إغلاقا تاما على الضفة الغربية وتمنع الفلسطينيين من التصويت”.

لم تستجب عدة هيئات حكومية إسرائيلية، بما في ذلك مكتب رئيس الوزراء ووزارة الدفاع ومنسق أعمال الحكومة في المناطق، لطلبات للتعليق على الاستعدادات للانتخابات الفلسطينية.

يعيش حوالي 350,000 فلسطيني في القدس الشرقية. وبموجب القانون الإسرائيلي، يُعتبرون مقيمون دائمون، وليسوا مواطنين إسرائيليين، ولا يمكنهم التصويت في الانتخابات العامة الإسرائيلية.

لكن إسرائيل ترى أن السماح لهم بالتصويت في الانتخابات العامة الفلسطينية يقوض مطالبتها بالمدينة بأكملها.

وقال البريغادير جنرال المتقاعد يعقوب عميدرو: “التحدي ليس الأمن، وإنما هو سياسي.  القدس هي عاصمة إسرائيل. سياسيا ورمزيا، لا يمكن أن تكون هناك انتخابات لأي كيان قومي آخر هناك. البعد الأمني ثانوي”.

ويقول المسؤولون الفلسطينيون أيضا إن إصرارهم على حق التصويت في القدس لا يتعلق فقط بصندوق الاقتراع.

المسؤول في حركو فتح عزام الأحمد، من اليسار ، ينتظر لقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وممثلي الجماعات والحركات الفلسطينية في موسكو، روسيا، 12 فبراير، 2019. (AP Photo / Pavel Golovkin، Pool)

وقال مجدلاني: “القدس ليست مسألة فنية، القدس مسألة رمزية”.

إسرائيل ملتزمة من الناحية الفنية بالسماح للفلسطينيين بإجراء انتخابات في القدس، وفقا لاتفاقيات أوسلو المبرمة في عام 1995.

وتنص الاتفاقيات، وهي سلسلة من الاتفاقات الثنائية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، على أنه يمكن لفلسطينيي القدس الشرقية التصويت في أي من مراكز الاقتراع الستة المنتشرة في الجزء الشرقي من المدينة.

وقال الأحمد: “نأمل في نفس النظام الذي شارك بموجبه فلسطينيو (القدس الشرقية) عامي 1996 و2006 بالإنتخابات”.

يشير الإسرائيليون إلى أن الاتفاقات تتطلب أيضا أن تعترف جميع الأطراف في الانتخابات الفلسطينية بإسرائيل وأن تعلن نبذها للعنف. ومن جهته، تلتزم حركة حماس صراحة بتدمير إسرائيل.

وقال عميدرور عن قرار السماح لحماس بالمشاركة في انتخابات يناير 2006: “لقد كان خطأ من رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئل شارون”، مضيفا في وقت لاحق: “ليس لدي أي فكرة عما كان يفكر فيه”.

ستشمل الانتخابات الفلسطينية في القدس الشرقية مشاركة كل من فتح وحماس. وفي عام 2006، قاومت إسرائيل الفكرة بداية، واعتبرتها انتهاكا لسيادتها على المدينة.

ولكن بعد “ضغوط أمريكية لا هوادة فيها”، وافق رئيس الوزراء بالإنابة إيهود أولمرت على السماح بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية، على حد قول وزير الخارجية السابق سيلفان شالوم.

“في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة والحزب الجمهوري يركزان على التحول الديمقراطي. كانت هناك موجة كاملة من الانتخابات في المنطقة، في العراق على سبيل المثال، والانتخابات الفلسطينية ناسبت هذا القالب”، كما قال شالوم، الذي استقال من منصبه في حكومة أولمرت في يناير 2006.

دخل شارون، سلف أولمرت، في غيبوبة بعد إصابته بجلطة دماغية مفاجئة في أوائل عام 2006، وواجه القائم بأعمال رئيس الوزراء المعين حديثا الانتخابات في مارس، مما جعله في موقف ضعيف وفي مواجهة منافس صعب في اليمين – رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

كان هذا بعد أسبوع ونصف من تولي أولمرت منصبه – وهو أحد أولى قراراته. وقال شالوم: “كان يعتقد أنه سيكون من المريع الدخول في مواجهة مع الأمريكيين كقائم بأعمال رئيس الوزراء، عشية الانتخابات، التي كان يتنافس فيها مع نتنياهو، الذي تحدث عن علاقاته الجيدة بهم”.

في يوم التصويت في عام 2006، أدلى حوالي 5000 من سكان القدس الشرقية بأصواتهم في مكاتب البريد المخصصة في جميع أنحاء المدينة. في حل وسط آخر، تم نقل الأصوات في صناديق إلى مراكز الاقتراع في الضفة الغربية، بدلا من فرزها في القدس. بدورها، وافقت إسرائيل على اعتبار الأصوات “أصوات غائبين”.

هزمت حماس، بمساعدة الانقسامات الداخلية لخصمها، حركة فتح بأغلبية ساحقة، وفازت بأربعة مقاعد تشريعية من أصل ستة متاحة.

أدى انتصار حماس – الذي نجمت عنه الأزمة المستمرة منذ سنوات في السياسة الفلسطينية – إلى إضعاف الحماس الأمريكي والدولي بشأن الانتخابات الفلسطينية.

وقال ميخائيل ميلشتين، وهو مسؤول دفاع كبير سابق: “في عام 2006، كان هناك ضغط دولي، وخاصة من الولايات المتحدة، لإجراء الانتخابات. ستكون هناك حاجة إلى حملة مماثلة، ليس فقط من واشنطن ولكن من الدول العربية أيضا، لإجبار إسرائيل على السماح بذلك الآن”.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، من اليمين، يدلي بصوته خلال التصويت على الانتخابات المحلية في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 15 ديسمبر، 2005. (AP Photo / Muhammed Muheisen / File)

ويتهم منتقدون القيادة الفلسطينية باستغلال مسألة مشاركة فلسطينيي القدس الشرقية كذريعة لعدم إجراء انتخابات.

وقال ميلشتين: “إنها ذريعة، وسيلة لجميع الأطراف للنزول عن الشجرة بكرامة وعدم المخاطرة بفقدان السلطة”.

ووافقه مسؤول سابق الرأي: “كان بين شارون وعباس اتفاقا غير مكتوب لإلغاء الانتخابات بسبب مسألة القدس الشرقية، لأنهما أدركا أن عباس لم يكن يرغب حقا بإجرائها… كان بإمكان أولمرت التمسك بذلك، ولكنه اختار عدم القيام بذلك”.

في عام 2019، اشترط عباس إصدار مرسوم انتخابي رسمي لإطلاق العملية الانتخابية بالتزام إسرائيلي بالسماح بإجراء الانتخابات.

وقال عباس لسكان قطاع غزة في كلمة تم بثها في تجمع لحركة فتح في القطاع الساحلي في ذلك الوقت: “لن نجري انتخابات بدون القدس في قلبها، مما يعني أن كل مقيم في القدس سيصوت من قلب القدس الشرقية”.

وبحسب ما ورد تجاهلت إسرائيل الطلب، وتلاشت الحملة الانتخابية. واتهمت حماس بدورها عباس بالاستسلام لإسرائيل واستخدام القدس ذريعة “للفرار من المسار الانتخابي”.

وقال المتحدث باسم حماس فوزي برهوم في أواخر ديسمبر 2019: “يجب أن يشكل هذا القرار الإسرائيلي حافزا لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لفرض انتخابات في القدس”.

يقول الخبراء إن الحلول التقنية موجودة، إذا كانت السلطة الفلسطينية ملتزمة بصدق بإجراء الانتخابات، على الرغم من الرفض الإسرائيلي. بحسب المحلل السياسي الفلسطيني جهاد حرب، بإمكان فلسطينيي القدس الشرقية التصويت عن طريق البريد، أو يمكنهم التصويت في صناديق الاقتراع المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة C.

وقال حرب: “التصويت في القدس رمزي إلى حد كبير، على أي حال. في آخر جولتين انتخابيتين فلسطينيتين، لم يصوت معظم سكان القدس الشرقية في مواقع الاقتراع المحددة في القدس الشرقية، ولكن في مراكز الاقتراع في المنطقة C”.

ولم يستبعد الأحمد إمكانية إيجاد حل، وقال إن لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية ستحدد طبيعة المشاركة الفلسطينية.

لكنه كرر تصريحه السابق حتى لا يكون هناك مجال للشك: “بدون القدس لن تكون هناك انتخابات”

وقال الأحمد: “نأمل ألا ترفض (إسرائيل). إن المجتمع الدولي الذي أصدر بيانات حول هذا الموضوع رحب بمراسيم عباس الانتخابية – فقد صرح جميعهم بأنه ينبغي على إسرائيل ألا تضع عقبات أمام التصويت الفلسطيني في القدس الشرقية”.

فلسطيني يسير خارج مكاتب لجنة الانتخابات المركزية في مدينة غزة، 8 سبتمبر، 2016. (AFP PHOTO / MOHAMMED ABED)

التقت فصائل فلسطينية عدة بينها فتح وحماس الأسبوع الماضي في القاهرة للاتفاق على إجراءات الانتخابات. وبما أن الفلسطينيين لم يجروا انتخابات وطنية منذ ظهور الخلاف الحالي، فقد ناقش الجانبان الجوانب الإجرائية لإجراء انتخابات مع نظامين مختلفين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

واتفقت الفصائل المختلفة على الخطوط العريضة لكيفية إجراء الانتخابات. لكن لم يتم تشكيل محكمة انتخابات مستقلة لحل النزاعات. سيحتاج كلا الجانبين إلى الالتزام بإجراء انتخابات بدون اعتقالات ذات دوافع سياسية. وهناك سؤال صعب حول هوية القوى الأمنية،  التي ستراقب الانتخابات، تلك التابعة لحماس أم القوات التابعة لفتح.

تتطلب هذه القضايا – أكثر من مسألة القدس – قدرا هائلا من الثقة بين الحركتين الفلسطينيتين المتنازعتين، اللتين لا يزال أعضاؤهما يتذكرون الحرب الأهلية العنيفة التي أدت إلى تفكك حركتهم الوطنية. وقال ميلشتين لتايمز أوف إسرائيل أنه لا يرى بعد أن هناك إرادة سياسية لحل الخلاف.

وقال ميلشتين: “كما أرى الأمور، من المحتمل أننا سنكتب نعي هذه الانتخابات عاجلا وليس آجلا”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال