في الوقت الذي تحاصر فيه إيران إسرائيل، النزاعات الداخلية بين القادة الإسرائيليين لا تغتفر
بحث
مقال رأي

في الوقت الذي تحاصر فيه إيران إسرائيل، النزاعات الداخلية بين القادة الإسرائيليين لا تغتفر

نعاني من شلل حكومي منذ عام، نشأ بسبب خلاف حول قانون لا معنى له، في الوقت الذي يبدو فيه أن رئيس الوزراء يركز على كلمات حليفنا الرئيسي أكثر من التركيز على أفعاله

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

وزير الخارجية الأسبق أفيغدور ليبرمان ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يمين) في الكنيست، 11 مارس، 2014.  (Miriam Alster/FLASH90 )
وزير الخارجية الأسبق أفيغدور ليبرمان ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يمين) في الكنيست، 11 مارس، 2014. (Miriam Alster/FLASH90 )

 

في الوقت الذي انغمس فيه ساسة إسرائيل الأنانيون بمصالحم الشخصية وغرورهم على مدى العام المنصرم – تاركيننا بدون حكومة تعمل بصورة كاملة، وفارضين علينا جولتين إنتخابيتين، ونحن نقترب من الثالثة، في الوقت الذي تبادلوا فيه اللوم – تغيرت قواعد اللعبة العسكرية من حولنا، حيث أصبحت إيران سيدة اللعبة.

في الأسبوع الماضي، في ساعات فجر الثلاثاء، صفى الجيش الإسرائيلي حسابه مع المجرم الذي قال إنه “المحرك الرئيسي” للإرهاب من غزة في العام الأخير، بعد أن أطلق صاروخا موجها لاغتيال بهاء أبو العطا وزوجته في غرفة نومهما بينما كانا نائمين. ما تلا ذلك كان يومين من إطلاق الصواريخ من غزة التي ضربت جنوب إسرائيل وأدت إلى الإغلاق الأول في جيل كامل لمدينتا الصهيونية العصرية والنابضة، تل أبيب.

أصدرت الأوامر لتخذير “المدينة التي لا تنام أبدا” لبضعة ساعات – المدارس أغلِقت، والمحلات التجارية أغلقت أبوابها وأصبحت الشوارع خالية – في صباح يوم ثلاثاء مشمس، خشية ألا تتمكن مجموعة دفاعاتنا الصاروخية، التي أشيد بها وبحق، من التعامل مع الصواريخ. وكل ذلك بعد غارة إسرائيلية “جراحية” ضد إرهابي واحد، ورد المنظمة الأصغر من بين المنظمتين الإرهابيتين الرئيسيتين في غزة، اللتين لا تشكل أي منهما عُشر التهديد الذي تشكله منظمة “حزب الله” على إسرائيل، مع ترسانتها من الصواريخ التي يصل عددها إلى مئات الآلاف.

ثم جاء هذا الأسبوع، ومرة أخرى فجر الثلاثاء، بعد أسبوع من تحميل إسرائيل مسؤولية غارة جوية ثانية، في دمشق، على قيادي آخر في “الجهاد الإسلامي”، وفي خضم تقارير غير مؤكدة للتلفزيون الرسمي عن على أهداف في مطار دمشق، استيقظ سكان شمال إسرائيل على دوي صفارات الإنذار منذرة بإطلاق صواريخ من سوريا – أربعة صواريخ تم اعتراضها جميعا من قبل منظومة “القبة الحديدية”.

رواد الشاطئ في تل أبيب، 12 نوفمبر، 2019. (Melanie Lidman/Times of Israel)

في القواعد الجديدة للعبة، يبدو أن أي خطوة موجهة بدقة اتخذتها إسرائيل لتعزيز أمنها والقضاء على أولئك الذين يتآمرون للمس بمواطنيها يتم “الرد عليها” بنيران عشوائية على المواطنين تهشم روتينهم اليومي، وهذا يتطلب في كثير من الأحيان وساطة دولية لوقفه.

هذا هو الوضع الطبيعي الجديد الذي تفرضه إيران – إيران التي تمول وتدرب وتسلح حركة “الجهاد الإسلامي” في غزة، التي قامت بتوثيق علاقاتها مع “حماس”، وحولت “حزب الله” إلى أقوى جيش إرهابي في العالم، والتي تعمل بلا كلل على تعميق وجودها العسكري في سوريا المليئة بالدماء برئاسة بشار الأسد، وعلى استعداد لتعزيز الاضطرابات على حدودنا الأخرى وخارجها.

لا حلول سريعة

الجيش الإسرائيلي قوي، وهو أكثر من قادر على حماية الأمة واتخاذ أي إجراءات يأمر بها قادتنا السياسيون.

والجمهور الإسرائيلي قادر على الصمود بشكل مذهل، ويتجاهل بإصرار التنبية بعد التنبيه ، والتصعيد بعد التصعيد، ويمضي قدما في حياته “الطبيعية”. في الوقت الذي قد تفر فيه شعوب أخرى من بلد يتعرض للقصف، عدد الإسرائيليين سكان البلدات التي تتعرض للقصف في غلاف غزة آخذ بالتزايد – حيث ينتقلون للعيش في ظل الصواريخ وقذائف الهاون.

لكن شريحة متزايدة من السكان تتعرض لصدمة متزايدة بسبب الهجمات التي لا تنتهي. في الأسبوع الماضي، تحدثت وسائل إعلام عبرية عن دراسة أشارت إلى أن نصف سكان مجتمعات غلاف غزة أصيبوا بصدمات عميقة. في مقابلة مع موقع “واينت” الإخباري (باللغة العبرية) ، قدّر أحد علماء النفس البارزين في المنطقة أن 70% من السكان تمكنوا من تطوير “الأدوات” للتعامل مع الواقع غير القابل للحياة في الحياة تحت نيران الصواريخ التي طال أمدها، “لكن 30%، وهذه نسبة كبيرة، يحتاجون إلى علاج مستمر”.

الوضع لا يطاق، لكن لا توجد حلول سهلة.

انسحبت إسرائيل من لبنان بشكل أحادي في عام 2000، لأنها كانت تخسر ثلاثين جنديا في السنة في هجمات وقعت في المنطقة المسماة “الحزام الأمني”. المجتمع الدولي أشاد بالخطوة، وأكد لإسرائيل أنه سيتخذ الخطوات لمنع المنظمات الإرهابية من ملء الفراغ، ولم يفاجئ أحد عندما لم يحرك هذا المجتمع الدولي ساكنا في الوقت الذي استولت فيه منظمة “حزب الله” على المنطقة.

رجل يتفقد الأضرار التي لحقت بمنزل في سديروت، إسرائيل، بعد أن أصيب بصاروخ تم إطلاقه من قطاع غزة، 12 نوفمبر، 2019. (AP Photo/Tsafrir Abayov)

في عام 2005 انسحبت إسرائيل من غزة بصورة مثيرة للجدل – قامت بتفكيك مستوطنات وسحب جيشها – في ما حذر اليمين (الذي أراد البقاء) واليسار (الذي حث على الانسحاب عن طريق التفاوض مع رئيس الفسلطينية محمود عباس) وبحق بأن من شأن الخطوة أن تُعتبر بمثابة نصر للإرهاب. ومنذ ذلك الحين حثت سلسلة من السياسيين على رد أكثر قوة على إطلاق النار من غزة، لكنهم اختاروا بوضوح عدم تنفيذه عندما تم وضعهم في المنصب الذي يسمح لهم بذلك. حتى الآن أيضا اختارت حكومات بنيامين نتنياهو المختلفة عدم إعادة احتلال غزة أو حتى إطلاق هجمات برية كبيرة.

هذا ليس بانتقاد؛ لو كانت هناك حلول سريعة، كان سيتم تنفيذها دون شك.

انغماس خطير بالذات

ومع ذلك، فإن ما يتطلب النقد، هو الدرجة التي سمح بها قادتنا السياسيون لأنفسهم بأن يصرفوا انتباههم عما يجب أن يكون تركيزا مهووسا على استراتيجيات دفاعنا في المواجهة ضد إيران التي تزداد جسارة مع شبكة وكلائها من حولنا.

منذ نهاية ديسمبر 2018، تحكمنا حكومات انتقالية، لأننا ننتقل من انتخابات غير حاسمة إلى انتخابات غير حاسمة أخرى، على خلفية هجمات إيرانية مدبرة ولعبة تبادل اللوم في السياسة المحلية.

قرار أفيغدور ليبرمان حرمان نتنياهو من تشكيل حكومة في أبريل هو الأكثر شفافية من بين الألاعيب السياسية الخطيرة التي لا يمكن الدفاع عنها.

لو كان دافع ليبرمان هو المصلحة الوطنية بالفعل – من خلال المشاركة في تقاسم عبء الحقوق والواجبات في صفوف الإسرائيليين، وليس خوفه من فقدان أهميته السياسية بشكل متزايد – ما كان سيقوم بالحكم علينا بعام من الشلل السياسي من خلال المطالبة بقانونحول تجنيد الشبان الحريديين الذي لن يكون له في الواقع أي تأثير كبير على مستويات التجنيد في صفوف المجتمع الحريدي.

وإنما كان سيصر على مجموعة ريادية من أطر الخدمة المدنية التي كانت ستضمن مشاركة جميع الشبان الإسرائيليين في العبء، مع أو بدون الزي العسكري. هذا حل قابل للتطبيق بشكل واضح ويحدق في وجه الساسة الإسرائيليين، لكنهم يصرون على تجاهله لأنه لا يخدم أهدافهم السياسة الخاصة.

التركيز الخاطئ

في غضون ذلك، انتزع رئيس الوزراء سلسلة من الإعلانات من إدارة أمريكية متعاطفة – حول القدس وهضبة الجولان والآن المستوطنات – والتي استخدمها في محاولة لإثبات أنه لا غنى وتأكيد تفوقه على منافسيه السياسيين. لكن الدعم بالكلمات لا يغيي عن المشاركة العلنية، وبالتأكيد هذا ما كان ينبغي على إسرائيل التركيز عليه في تواصلها الحيوي مع أهم حليف لدينا، بدلا من التركيز على بيانات دعم.

الهجمات الإيرانية على منشآت نفط سعودية رئيسية مرت دون رد. يميل الرئيس الأمريكي نحو الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من سوريا، وتصريحاته المتكررة بأن الولايات المتحدة ليس لها مصلحة في البقاء في منطقة الشرق الأوسط، مع “حروبها الغبية التي لا نهاية لها”، لها وقع الموسيقى على آذان تلك الأنظمة الخطيرة، مع إيران في مقدمتها، والتي تسعى إلى استغلال كل علامة على الضعف الأمريكي أو اهتمام الإدارة المتلاشي.

وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يدلي ببيان خلال مؤتمر صحفي في وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، 18 نوفمبر 2019. (JIM WATSON/AFP)

ومن المفارقات أن إعلان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يوم الإثنين عن التحول الدراماتيكي في سياسة الإدارة إزاء المستوطنات كان بمثابة تأكيد على الشعور بأن مثل هذه التصريحات تصدر لتعود بالنفع التكتيكي على حليف سياسي، وهو نتنياهو، إلى حد كبير. فبعد كل شيء، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدي تشككا، بعبارة ملطفة، عندما يتعلق الأمر بالمشروع الاستيطاني، كما أوضح مرتين لصحيفة “يسرائيل هيوم” المؤيدة لنتنياهو والتي يملكها الملياردير الأمريكي شيلدون أديلسون. في عام 2017 قال للصحيفة: “لست شخصا يعتقد أن المضي قدما مع هذه المستوطنات هو أمر جيد من أجل السلام”، وكرر بعد عام من ذلك “إن المستوطنات شيء معقد للغاية ولطالما عقّد من صنع السلام، لذلك أعتقد أنه ينبغي على إسرائيل أن تكون حريصة جدا في مسألة المستوطنات”.

الرئيس الامريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في البيت الابيض، بواشنطن، 25 مارس 2019 (

سماع الاعتراف الأمريكي بالقدس باعتبارها العاصمة التاريخية والحالية لدولتنا أسعد معظم الإسرائيليين، ومعظمهم كانوا سعداء عندما علموا أن الولايات المتحدة لا تعتقد أن علينا التخلي عن التلال الإستراتيجية في حدودنا الشمالية للجزار الأسد. يشعر بعض الإسرائيليين بالسرور بعد إخبارهم أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر المشروع الاستيطاني غير قانوني – لكن الكثيرين، من بينهم كاتب هذا المقال، يشعرون بالقلق من ترابطنا المتزايد مع ملايين الفلسطينيين، والحديث عن الضم، والمخاطرة بخسارة الأغلبية اليهودية في إسرائيل و/أو تخريب ديمقراطيتها. لكن جميع الإسرائيلييين يشعرون بالقلق إزاء قيام أمريكا الإنعزالية بإفساح المجال أمام روسيا وإيران على عتبة بابنا – قلقين على المصالح الإسرائيلية والأمريكية.

إذا كان رئيس الوزراء، كما يزعم مساعدو نتنياهو، عمل لأشهر مع الإدارة الأمريكية بشأن تسمية المستوطنات، ألم يكن من المفضل تخيص جزء من هذا الوقت والجهد الثمينين للتخطيط ولوضع تحركات إستراتيجية – في مواجهة إيران ووكلائها – وفي الدفاع عن ضرورة استمرار المشاركة الأمريكية في الشرق الأوسط أمام رئيس يبدو من الواضح أنه غير مقتنع بذلك.

هذه ليست اسكندنافيا

طوال عام، في الوقت الذي عملت فيه إيران على تشديد دائرتها من حولنا، قام ساستنا بشل الحكومة وتراشق اللوم وكأننا نعيش في فنلندا (1) والدنمارك (2) أو دول أخرى مترفة نسبيا وتتفوق على إسرائيل (13) في مؤشر السعادة السنوي الذي تصدره الأمم المتحدة.

المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يحضر لقاء مع آلاف الطلاب في طهران، إيران، 3 نوفمبر، 2019. (Office of the Iranian Supreme Leader via AP)

إسرائيل ليست إسكندينافيا. إنها دولة صغيرة ومحاصرة بشرق أوسط سام. والتناحرات الصغيرة بين قادتنا لم تبد يوما بهذه الصورة التي لا تُغتفر من الانغماس في الذات التي تبدو عليها اليوم، في الوقت الذي اعتدنا فيه على الاستيقاظ على عدوان جديد من قبل إيران ووكلائها في ظل الوضع الطبيعي الجديد.

في طهران، يخرجون هم بإعلانات أيضا. إعلان نوايا. تماما كما أكد “المرشد الأعلى” لنا جميعا في الأسبوع الماضي بأن النظام الإيراني ليس معاديا للسامية، إنه فقط مصمم على القضاء على الدولة اليهودية الوحيدة في العالم.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال