غانتس الطامح برئاسة الحكومة سوق نفسه على أنه الترياق الحيوي لنتنياهو السام والغير مبالي
بحث
تحليل

غانتس الطامح برئاسة الحكومة سوق نفسه على أنه الترياق الحيوي لنتنياهو السام والغير مبالي

في أول خطاب سياسي له، يصور القائد السابق للجيش رئيس الوزراء باعتباره ملكا متغطرسا وفاسدا، يقوم بتمزيق المجتمع الإسرائيلي، في حين يصور نفسه على أنه الموحد والشافي. هل سيكسبه ذلك صوت الناخب الإسرائيلي؟

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق، بيني غانتس، بلقي بخطابه الانتخابي الأول، في تل أبيب، 29 يناير، 2019.  (Jack GUEZ / AFP)
رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق، بيني غانتس، بلقي بخطابه الانتخابي الأول، في تل أبيب، 29 يناير، 2019. (Jack GUEZ / AFP)

في الدقائق ال18 الأولى لأول خطاب سياسي لبيني غانتس الثلاثاء، الدقائق ال18 التي بثتها شبكة “حداشوت” الإخبارية التلفزيونية قبل قطع البث من أجل ردود الأفعال، ذكر مرة واحدة فقط بالاسم الرجل الذي يسعى الى استبداله، رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو. وكان ذلك ظاهريا للثناء عليه.

مشيدا بأول رئيس وزراء من “الليكود”، مناحيم بيغين، لصنعه السلام مع مصر، ورئيس الوزراء من حزب “العمل” الذي تم اغتياله، يتسحاق رابين، لصنعه السلام مع الأردن، حيا غانتس بعد ذلك نتنياهو، لقيامه بالتوقيع على اتفاقيات مع الفلسطينيين في محاولة لصنع السلام معهم أيضا. وقال غانتس إن القادة الثلاثة جميعهم هم “وطنيون إسرائيليون” قبل أن يسارع إلى إسكات بعض المتذمرين في صفوف غير المقتنعين في الجمهور.

لكن يجب ألا يكون هناك أي لبس. رئيس هيئة الأركان الأسبق، الذي تم تعيينه في هذا المنصب من قبل نتنياهو بنفسه قبل ثماني سنوات، جاء بالتأكيد لدفن رئيس الوزراء وليس للثناء عليه.

واستراتيجيته، التي تم الكشف عنها بوضوح في خطاب كان مليئا بالتعهدات لتضميد جراح البلاد، كانت تصوير نتنياهو على أنه ليس أقل من كونه عدو إسرائيل من الداخل. (الخطاب الكامل لخطاب غانتس باللغة الانكليزية هنا)

في القضايا الأمنية والدبلوماسية، عرض غانتس مواقف صقورية نسبيا – حيث أنه يدرك جيدا بأن نتنياهو و”الليكود” يسعيان إلى تصويره على أنه رجل ضعيف ويساري، شخص لا يمكن الوثوق به بتحمل المسؤولية الشاملة على أمن إسرائيل، شخص سيكون ضعيفا في المفاوضات مع جيران إسرائيل. “في الشرق الأوسط القاسي والعنيف المحيط بناء، لا توجد رحمة للضعفاء”، على حد تعبيره، مستخدما مصطلحات استقاها مباشرة من كتاب نتنياهو. “وحده القوي يصمد”.

حديثه عن إيران اتسم بالصرامة (“سوف أحبط جميع مؤامراتكم في الشمال والجنوب وفي كل مكان آخر في الشرق الأوسط”) وضد قادة التنظيمات الإسلامية. وتعهد ب”تعزيز الكتل الاستيطانية” وعدم التنازل عن هضبة الجولان أبدا، والاحتفاظ بغور الأردن باعتباره الحدود الأمنية الشرقية لإسرائيل، و”الحفاظ على الأمن في كامل أرض إسرائيل” – وهو موقف من الصعب تصويره على انه من يسار نتنياهو. وفي لغة صقورية مشابهة، تعهد بأن تبقى القدس الموحدة “إلى الأبد عاصمة للشعب اليهودي وعاصمة لدولة إسرائيل”.

لكن الجزء الأكبر من خطابه ركز على وعوده في معالجة التحديات الداخلية لإسرائيل – عدم المساواة فيها، والتهديدات على ديمقراطيتها، وخاصة الانقسامات فيها. في مستهل حديثه قال إن “الشعب قوي. البلد رائع. لكن في الأرض تهب رياح سيئة”، ومصدرها، كما وضّح بجلاء، هو نتنياهو.

إن إسرائيل ممزقة بين اليسار واليمين، بين المتدنيين والعلمانيين، بين اليهود وغير اليهود – والحكومة هي التي تعزز وتزيد من تفاقم هذه الانقسامات، كما قال. “السياسة قبيحة، والساحة العامة أصبحت مسمومة”.

وتابع متهما الحكومة الحالية في فقرة مريرة وملونة بشكل خاص “بالتشجيع على التحريض والتخريب والكراهية. لقد تم تحويل القيم الأساسية للدولة الإسرائيلية إلى سلوكيات عائلة ملكية فرنسية”، واضاف “بدلا من خدمة الشعب، تنظر الحكومة إلى الشعب من الأعلى وتجد الشعب مملا”.

مستشهدا بقول للويس الرابع عشر، روى غانتس أنه كان هناك مرة ملكا أعلن قائلا “أنا الدولة”، لا، كما قال غانتس، “ليس هنا. لا يوجد زعيم إسرائيلي هو الملك. الدولة ليست أنا. الدولة هي أنتم… الدولة هي نحن جميعا”، وبالتالي، لخص حديثه قائلا، بعجرفة رئيس هيئة أركان سابق، “أشكر رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو على خدمته لعشر سنوات. سنأخذ زمام الأمور من هنا”.

وتعهد غانتس أنه في المكان الذي قام فيه نتنياهو بتشجيع الكراهية، سيقوم هو بتغذية “مجتمع موحد ومتضامن ومتماسك”. على النقيض من نتنياهو، الذي استهدف الإعلام والمعارضة والشرطة والنيابة العامة في الوقت الذي يواجه فيها تهما بالفساد، فإنه تحت قيادة رئيس الوزراء غانتس “لن يكون هناك تحريض على المؤسسات القضائية والثقافية والإعلامية”، ولن تكون هناك هجمات على المفوض العام للشرطة والنائب العام. باختصار، “لن نزرع الكراهية ضد نصف الشعب من اليمين أو نصفه من اليسار”.

وهاجم غانتس السلوك الشخصي لنتنياهو، متعهدا ب”عدم التسامح مطلقا مع الفساد بكل أشكاله” وصرح بأن فكرة استمرار رئيس الوزراء في تأدية مهامه بعد صدور لائحة اتهام بحقه هي فكرة “سخيفة”. هو بنفسه، كما قال غانتس بإيجاز، “أبقيت يداي نظيفتين دائما”.

ومع استمرار الخطاب، شرع غانتس في طرح مجموعة من القضايا المستحيلة صراحة التي يرغب في حلها، والتوترات التي سيخففها. كل ما يراه الإسرائيليون قاتما اليوم سيكون غدا ورديا أكثر، كما قال. سوف يعمل على إصلاح خدمات الصحة وأزمة السكن؛ التواصل مع اليهود الحريديم والعرب والدروز؛ إعادة بناء العلاقات مع يهود الشتات؛ التخفيف من غلاء المعيشة؛ تحسين التعليم؛ منح الحقوق الكاملة لمجتمع المثليين؛ حل النزاعات حول احترام يوم السبت؛ ضمان تقاسم أعباء الخدمة الوطنية بصورة منصفة؛ تحطيم السقوف الزجاجية التي تمنع المساواة الكاملة للمرأة… وهلم جرا – قائمة إعادة تأهيل من شأنها اختبار قدرات المسيح المنتظر.

قلة من الإسرائيليين سيقتنعون بأنه سيكون بقدرة أي انسان فان تحقيق ما وصفه ب”مسار الإصلاح الرئيسي”. في الواقع، قد يكون من حظ غانتس أن خطابه لم يعد يبث على الهواء مباشرة في هذه المرحلة.

بيني غانتس (من اليمين) وموشيه “بوغي” يعالون (من اليسار) في حدث انتخابي لحزب غانتس “الصمود من أجل إسرائيل” في تل أبيب، 29 يناير، 2019. (Jack GUEZ / AFP)

مراسم إطلاق الحملة الإنتخابية لغانتس – بما في ذلك تقديم رفيقه الجديد في الانتخابات: رئيس هيئة أركان أسبق آخر، وهو موشيه يعالون – انتهت خلال أقل من ساعة. أمله المباشر هو أن يساعد أداؤه في تعزيز قوة حزبه “الصمود من أجل إسرائيل” بعض الشيء في استطلاعات الرأي، وبالتالي اضعاف حزب وسطي آخر، وهو حزب “يش عتيد”. يرغب غانتس في تشكيل تحالف مع رئيس “يش عتيد”، يائير لابيد، لكن أيا من الرجلين لا يرغب بأن يكون نائبا للآخر.

ولكن ماذا بالنسبة لهدفه النهائي وهو الإطاحة بنتنياهو من الحكم في 9 أبريل؟ بداية بدلا من إظهار تصلب من وراء المايكروفون، استرخى غانتس قليلا في خطواته الأولى، ولكن من الواضح أنه ليس في مستوى خطابة نتنياهو. كما أنه لا يملك خشونة رابين المضادة للكاريزما، أو شغف بيغين. لقد جاء كرجل محترم وألقى بخطاب محسوب بعناية مليء بالوعود، وكان أكثر فعالية عندما قدم نفسه على أنه الترياق الموحد لنتنياهو السام والمثير للانقسامات.

هل هناك ما يكفي من الإسرائيليين الذين شبعوا من نتنياهو – الذين يحترمون رئيس الوزراء على حمايته لإسرائيل من الخارج، ولكن ستتردد أصداء انتقادات غانتس للانقسامات من الداخل في صفوفهم؟ هل هناك ما يكفي من الإسرائيليين، في مجتمعنا المستقطب بشدة، الذين سيجدون أن تعهد غانتس بتعزيز الوحدة هو تعهد ذو مصداقية وحتى، ولو كان الأمر كذلك، هل يجدوه مقنعا؟ هل نشعر بقلق لما يحدث في العالم من حولنا لدرجة لا تسمح لنا بالاهتمام بهذا النوع من الحديث؟

رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي حينذاك، بيني غانتس، من اليسار، مع رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو في مراسم لسلاح البحرية في 11 سبتمبر، 2013. (AP Photo/Dan Balilty)

نحن الآن على وشك معرفة ذلك. ولاكتشاف ما اذا كان بإمكان هذا الجندي طويل القامة والمستقيم، غير المعتاد على التشكيك في سلطته، اكتساب المهارات السياسية بسرعة – ونعم، المكر السياسي – الضرورية للتغلب على الملك بيبي. ربما كانت هناك مجرد لمحة عن ذلك في إشارته إلى نتنياهو الوطني، الذي، كما قال غانتس، سعى من أجل السلام في توقيعة على “اتفاق إخلاء الخليل واتفاق ’واي’ مع المجرم ياسر عرفات”، مشيدا برئيس الوزراء مع دفنه في الوقت نفسه.

بشكل عام، وعلى الرغم من ذلك، كان خطاب غانتس محسوبا ولكنه لم يكن تهكميا. لقد توجه للخير في نفوس الإسرائيليين، للأمل في قلوبهم. “أنا أرفض بشكل تام المرارة، اللامبالاة واليأس”، كما قال في خلال حديثه. وفي النهاية قال: “أنا أؤمن بالناس وبالروح البشرية. أؤمن بالمزيج الإسرائيلي الفريد من التقاليد والحداثة، اليهودية والديمقراطية. ولكن الأهم من ذلك كله، أنا أؤمن – مثلكم – بالأمل. معا، سأجعل من إسرائيل دولة أمل قوية ومتحدة”.

وزيرة الثقافة ميري ريغيف، وهي من الموالين لنتنياهو، كانت من بين الأوائل الذين هاجموا خطاب غانتس، رافضة فقرات كهذه في خطابه معتبرة إياها “مجموعة من الشعارات”.

هل على هذا النحو ينظرمعظم الإسرائيليين إلى الخطاب؟ أم هل قد يرون فيه إلهاما فيه؟

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال