ظلم فظيع واعتراف متأخر وللأسباب الخاطئة
بحث
مقال رأي

 ظلم فظيع واعتراف متأخر وللأسباب الخاطئة

وسط حالة من الفوضى في ساعات الفجر بقرية أم الحيران، فقد مواطن وشرطي حياتهما، والسلطات سارعت إلى استخلاص استنتاجات خاطئة. والآن ظهرت الحقيقة والضرر قد حدث

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

عناصر من الشرطة يقفون إلى جانب المركبة التي اصطدمت بشرطيين  في قرية أم الحيران في النقب، 18 يناير، 2017. (Israel police)
عناصر من الشرطة يقفون إلى جانب المركبة التي اصطدمت بشرطيين في قرية أم الحيران في النقب، 18 يناير، 2017. (Israel police)

في غرفة الأخبار ب”تايمز أوف إسرائيل” في صباح 18 يناير 2017، نظر محررونا مرارا وتكرارا إلى مقطع فيديو، نشرته الشرطة، يزعم أنه يُظهر “هجومًا إرهابيًا” حيث اصطدم رجل بدوي من مواطني إسرائيل بمركبته بمجموعة من أفراد الشرطة الذين كانوا يشرفون على عملية هدم المنازل في قرية أم الحيران غير المعترف بها في النقب. قتلت السيارة أحدهم، الرقيب الأول اريز ليفي (34 عاما). السائق ايضا، يعقوب موسى ابو القيعان، قُتل في مكان الحادث – برصاص رجال الشرطة بعد اصطدامه بالشرطيين، بحسب الشرطة.

بيان الشرطة كان جازما: ليفي “قُتل في هجوم دهس”. وزير الأمن العام، غلعاد إردان، الذي يشغل اليوم منصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة ومن المقرر أن يصبح سفيرنا إلى الولايات المتحدة أيضا، كان جازما أيضا: “لقد كان هذا هجوم إرهابيا أسفر عن مقتل شرطي”، كما قال إردان خلال مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية في صباح ذلك اليوم، وهو سيقوم بتكرار هذه المزاعم في مناسبات عدة. لقد كان أبو القيعان “نشاطا في الحركة الإسلامية”، كما قالت الشرطة في بيانها، والسلطات “تدرس انتماء المهاجم (المحتمل) لتنظيم ’الدولة الإسلامية’”.

ومع ذلك، بدا لنا أن اللقطات التي صورتها الطائرة المسيرة الخاصة بالشرطة تتعارض مع هذا الاستنتاج الرسمي الحازم.

أو بالأحرى، بينما بدا المقطع الأول الذي نشرته الشرطة للوهلة الأولى أنه يتطابق مع الرواية الرسمية – حيث تم تسليط الضوء على سيارة “الإرهابي” التي اتجهت مسرعة نحو “فريق الشرطة” – أظهر مقطع كامل تم نشره بعد ذلك بوقت قصير بوضوح إطلاق الرصاص من مسافة قريبة على سيارة أبو القيعان التي كانت تسير ببطء في البداية، والتي زادت من سرعتها بعد ذلك واصطدمت برجال الشرطة، مما يشير إلى أن الرجل كان مصابا ولم يكن مسيطرا على السيارة وقت الاصطدام.

وسرعان ما تبين أن أبو القيعان كان مدرسا يبلغ من العمر 47 عاما وأبا لـ 12 ابن – بعيدا عن الصورة المعتادة للإرهابي. عائلته قالت إنه كان قد حزم بعض الأغراض في سيارته وكان ينوي الخروج من القرية، حيث أنه لم يرغب في البقاء ومشاهدة هدم منزله.

يعقوب موسى أبو القيعان (Courtesy)

وأشارت تقارير لاحقة إلى أن جهاز الأمن العام (الشاباك) خلص في غضون 48 ساعة إلى أن ما حدث لم يكن عملا إرهابيا، بل “فشل عملياتي خطير” من قبل الشرطة. لكن بعد مرور عام، كانت الشرطة لا تزال تصر على أن أبو القيعان كان بالفعل إرهابيا. في مايو 2018، أغلق مكتب المدعي العام تحقيقًا في الأحداث، مدعيا إنه لا يزال غير قادر على تحديد ما حدث بشكل قاطع.

ضابط الشرطة إيريز ليفي (34 عاما)، الذي قُتل فيما زعم في بداية الأمر انه هجوم دهس في أم الحيران، 18 يناير 2017 (Courtesy)

والآن، بعد ما يقرب من مرور أربع سنوات على الحادث، أقر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بما أشارت إليه مقاطع الفيديو التي صورتها الطائرة المسيرة من البداية – أن الرواية الرسمية كانت خاطئة – وأصدر اعتذارا لعائلة أبو القيعان: “قالوا [الشرطة] إنه إرهابي. في الأمس تبين “أنه لم يكن إرهابيا”، كما قال رئيس الوزراء ليلة الثلاثاء. وأعربت الشرطة من جانبها عن أسفها، إلا أنها لم تعتذر أو تتراجع عن مزاعم بشأن الإرهاب.

المدعي العام السابق شاي نيتسان يتحدث في مؤتمر صحيفة ’كلكاليست’ في تل أبيب، 31 ديسمبر، 2019. (Miriam Alster / FLASH90)

تم الاعتراف بالحقيقة رسميا فقط في أعقاب تقرير تلفزيوني هذا الأسبوع سلط الضوء على التستر الرسمي – تقرير تلفزيوني متشابك، كما هو الحال مع الكثير من الشؤون الإسرائيلية الحالية، بشأن المشاكل القانونية التي يواجهها نتنياهو. كان المدعي العام السابق شاي نيتسان هو الذي أشرف على تحقيق 2018، وزُعم أنه قام بإخفاء أدلة – وهو شاي نيتسان نفسه الذي انتقده نتنياهو مرارا باعتباره شخصية رئيسية في محاولة الانقلاب السياسي المزعومة التي تشهد محاكمة رئيس الوزراء يحاكم في ثلاث قضايا فساد.

لنتنياهو سجل كئيب من التحريض ضد المواطنين العرب في إسرائيل، لكن أكثر ما يهمه في الوقت الذي تتسارع فيه محاكمته هي تشويه سمعة الشرطة وممثلي النيابة العامة الذين قاموا باستجوابه وتوجيه التهم له، وهذا ما تفعله بالضبط هذه الملحمة البائسة.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحفي في بيت شيمش، 8 سبتمبر، 2020. (Screen capture: Facebook)

تفوح رائحة كريهة من هذه القصة المأساوية بكاملها منذ البداية. في الظلمة الفوضوية في ساعات الفجر في قرية بدوية بجنوب البلاد، خسر مواطن حياته، خسر شرطي حياته، وسارعت السلطات إلى استنتاجات غير مدعومة وغير قابلة للدعم، ولسنوات طويلة رفضت الإقرار بالحقيقة. وهذه الحقيقة ظهرت الآن فقط بسبب معارك قانونية وسياسية غير ذات صلة، مما يثير الأسئلة حول أمور أخرى قد تكون سلطات إنفاذ القانون تتستر عليها ولم تظهر حتى الآن لأنها لا تخدم المصالح الشخصية لشخص ذي نفوذ.

الأسئلة حول أمور أخرى قد تكون سلطات إنفاذ القانون تتستر عليها ولم تظهر حتى الآن لأنها لا تخدم المصالح الشخصية لشخص ذي نفوذ

عندما تنشر سلطات إنفاذ القانون في إسرائيل روايات كاذبة، فإنها تدمر مصداقيتها، وتقوض ثقة الجمهور في نزاهتها، وتمكّن أولئك الذين يسعون إلى إضعاف سيادة القانون.

نساء بدويات يجلسن إلى جانب ركام منازل هدمتها السلطات الإسرائيلية، 18 يناير، 2017، في قرية أم الحيران غير المعترف بها في النقب. (AFP Photo/Menahem Kahana)

وتتسبب أيضا، وليس عرضا، في ظلم لا يطاق – كما كان الحال مع عائلة يعقوب موسى أبو القيعان، الذين فقدوا زوجا وأبا، والذي أفادت تقارير أنه تُرك لينزف حتى الموت في مكان الحادث، وتم تلطيخ سمعته.

الدكتورة أمل أبو سعد، أرملة يعقوب موسى أبو القيعان (Youtube screenshot)

قالت أرملته أمل هذا الأسبوع، بينما دعت الأسرة إلى تشكيل لجنة تحقيق في ما حدث: “كان الجميع يعرف الأدلة التي أشارت إلى أنه بريء منذ البداية. لقد أغلقوا الملف لأنه بدوي”.

وبكياسة استثنائية، قالت أمل أن الاعتذار لو جاء متأخر “أفضل من عدمه”، وأضافت أن زوجها كان “مربيا مثل إسرائيل في الخارج ولم يكره أحدا”.

ولكنها تساءلت، “ما الذي منعهم من قول الحقيقة في ذلك الوقت؟”

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال