شقيقان يحولان مدينة الناصرة إلى مركز للموسيقى الكلاسيكية وينظمان مهرجانا يتحدى المفاهيم السائدة
بحث

شقيقان يحولان مدينة الناصرة إلى مركز للموسيقى الكلاسيكية وينظمان مهرجانا يتحدى المفاهيم السائدة

اكتشف سليم ونبيل عبود أشقر عشقهما للموسيقى من خلال العزف على بيانو مستعمل. الآن يقومان بتكوين أجيال من عازفي الموسيقى الكلاسيكية في مسقط رأسهما في المدينة الجليلة

  • (courtesy)
    (courtesy)
  • (courtesy)
    (courtesy)
  • (courtesy)
    (courtesy)
  • (courtesy)
    (courtesy)
  • (courtesy)
    (courtesy)
  • (courtesy)
    (courtesy)

ربما لم يكن مهرجان الموسيقى الطقوسية الثاني في الناصرة، وهو مهرجان موسيقى كلاسيكية ذات طابع ديني يستمر لثلاثة أيام، سيرى النور لو لم يقم مهاجر روسي بمقايضة البيانو الخاص به بسيارة مستعملة قبل نحو 40 عاما.

المهرجان، الذي يبدأ يوم الخميس ويستمر حتى يوم الأحد، من إنتاج “بوليفوني” (Polyphony) ، وهو أول معهد للموسيقى الكلاسيكية في الوسط العربي في إسرائيل، أسسه عازف الكمان نبيل عبود أشقر، الذي قام والده باسبتدال سيارة العائلة المستعملة بالبيانو.

يقول عازف البيانو سليم عبود أشقر، الأخ الأكبر لنبيل: “لم يعزف أحد عليه في البداية. لقد كان بمثابة قطعة أثاث تبعث على الحنين إلى الماضي، تذكر والدتي بالمدرسة الفرنسية الكاثوليكية التي التحقت بها”.

في عام 1982، قام أحد أفراد العائلة الفلسطينيين بزيارة عائلة عبود أشقر عن طريق “الجدار الطيب”، الحدود الإسرائيلية مع لبنان التي كانت سهلة الاختراق في ذلك الوقت وكانت مفتوحة للبنانيين الموارنة الذين أرادوا العثور على عمل في إسرائيل. قريب العائلة هذا عزف على البيانو وأصبح أول معلم لسليم؛ عندما كان في سن 6 سنوات فقط في ذلك الوقت.

عازف البيانو سليم عبود أشقر، المولود في الناصرة ، ويعيش ويعمل في برلين، ومنخرط في Polyphony – معهد موسيقي كلاسيكية أسسه شقيقه عازف الكمان نبيل عبود أشقر ، والذي سيطلق مهرجانه الموسيقى الطقوسية الثاني بين 17-20 ديسمبر ،2020. (Courtesy Saleem Abboud Ashkar)

“أصبت بالعدوى”، كما قال سليم.

ومع ذلك، لم يكن هناك مدرسو بيانو في الناصرة في ذلك الوقت، وانتهى الأمر بسليم ونبيل بترك المنزل في سن مبكرة نسبيا لتعلم الموسيقى.

يقول سليم إن مغادرة المنزل والسفر إلى خارج البلاد كانت الطريقة الوحيدة للتواصل مع ثقافة الموسيقى الكلاسيكية والتعرف عليها.

ترك سليم المنزل وهو في سن 13 عاما وسافر إلى لندن، وتبع ذلك فترات عمل في عدة مدارس في القدس مع رحلات منتظمة إلى أوروبا والولايات المتحدة. ظهر لأول مرة في قاعة “كارنيغي” عندما كان في سن 22 عاما، والآن هو عازف بيانو عالمي.

اتبع نبيل مسارا مشابها لكنه عاد إلى الناصرة من ألمانيا عام 2006 ليؤسس معهد “بوليفوني”، ليشرع في طريق يُتوج بتقديم تدريب موسيقي عالمي المستوى للأطفال العرب في الناصرة.

نبيل عبود أشقر ، عازف كمان ومؤسس معهد بوليفوني للموسيقى الكلاسيكية في الناصرة. (Courtesy Polyphony Nazareth)

ويقول سليم: “لقد وهب شقيقي حياته لذلك. هذا الدافع الأولي لوالديّ للحصول على البيانو خلق هذا الحب للموسيقى الذي انتقل بعد ذلك إلى شقيقي، [الذي أنشأ المعهد] حتى لا يضطر الأطفال الآخرون الخوض  في هذا البحث الذي خضناه نحن. إن دراسة الموسيقى لا تعني مغادرة وطنك أو البحث عنها خارجه”.

هذا العام، ابقى فيروس كورونا سليم في موطنه المعتمد في برلين، ولكن مع إقامة المهرجان بأكمله عبر الإنترنت، لا يزال بإمكانه تقديم عرضين.

العرض الأول سيشمل ترنيمة كاثوليكية، تحفة بيرغوليزي، “Stabat Mater”، يوم الجمعة، 18 ديسمبر في الساعة 8:30 مساء، وسيبث العرض من كنيسة Sophien في برلين ، وهي كنيسة بروتستانتية من القرن السابع عشر.

يقول سليم: “كنت أبحث باستمرار عن الموسيقى وعبور الحدود، والشعور بالوطن في مكان آخر. أشعر أنني في الوطن عندما يكون بإمكاني التعبير عن نفسي وحيث يمكنني القيام بالأشياء التي أحبها، إن ذلك يخلق إحساسا مختلفا بما هو الوطن، وهو وطن طقسي وليس جغرافي”.

حتى أثناء وجوده في برلين، ستنضم إلى سليم في العرض أوركسترا مؤلفة من موسيقيين يهود وعرب مقيمين حاليا في ألمانيا، بما في ذلك أحد الذين تخرجوا مؤخرا من معهد بوليفوني في الناصرة.

ويقول سليم إن وجود خريجين من معهد بوليفوني، بالإضافة إلى جيل ثان من الموسيقيين الذين يتم تدريبهم في المعهد، إلى جانب أشقائهم الأصغر سنا وأولياء أمورهم، يساعد في إنشاء مجتمع للموسيقى الكلاسيكية في الناصرة.

مضيفا: “إن إنشاء نظام بيئي موسيقي يستغرق وقتا حيث يصبح الآباء والأبناء والأحفاد موسيقيين ورواد الحفلات الموسيقية ومستمعيها. تلك الدورة التي تعزز نفسها تستغرق وقتا وتحتاج عنادا هائلا والاستمرار في العمل طوال الوقت، ونحن الآن في نقطة تحول”.

ظل سليم جزءا من هذا المشروع المتغير للموسيقى الكلاسيكية في الناصرة، ويعود إلى البلاد بانتظام للتدريس وتقديم عروض، كجزء من جهود المعهد الشاملة لكسر الحواجز بين الأديان والثقافات من خلال التعليم الموسيقي ومشاريع موسيقية، باستخدام الموسيقى كلغة مشتركة.

يقول سليم “لم أرغب في مجرد الجلوس في حديقة والديّ وأكل الحمص عند زيارتي. كوني موسيقيا يمثل جزءا كبيرا من شخصيتي، وكان من المهم أن أكون متصلا على جميع المستويات بمدينتي”.

لقد مر 16 عاما على إنشاء المعهد الموسيقي، وهذا العام هو الثاني بالنسبة لمهرجان الموسيقى الطقوسية . يقول سليم إنه الآن مع أكثر من 100 طالب وخريج وجولات أوروبية وفائزين في المسابقات، هناك مشاريع وفرق موسيقية مختلفة وفرص للجمهور المحلي للانخراط في الموسيقى الكلاسيكية التي ينتجها المعهد.

المهرجان، الذي يقام خلال موسم أعياد الميلاد، يسمح للمعهد الموسيقي بفتح أبوابه والتواصل مع المجتمع الأوسع، مما يساعد على تحطيم مفاهيم سائدة والجمع بين المجتمعين اليهودي والعربي.

في سنوات عادية لا يشهد فيها العالم وباء، ينطوي ذلك على جمع الناس في المدينة المقدسة والتاريخية، وخلط الموسيقى وتقاليد أعياد الميلاد والروحانيات معا في الوقت الذي تتدفق فيه عادة حشود من السياح إلى مدينة يسوع الناصري.

إلى جانب تعريف شباب الناصرة بالموسيقى الكلاسيكية وتقديم عروض، أنشأ معهد بوليفوني فرقا شبابية تضم مراهقين عرب ويهود الذين يعزفون موسيقى الحجرة معا ويشاركون في جلسات حوار من خلال الموسيقى.

مهرجان الموسيقى الطقوسية يأخذ هذه العملية خطوة إلى الأمام، ويعرض على محبي الموسيقى فرصة الاستماع لأعمال كلاسيكية تُعرض في الناصرة.

ويقول سليم: “إنه لشيء جديد أن يأتي أشخاص من تل أبيب إلى الناصرة للاستماع إلى حفل كلاسيكي رائع. عادة يأتون لرؤية الكنائس وتناول طعام جيد في الجليل، ولكن الآن هو الوقت الذي نعمل فيه على تحسين الوعي وهذا ما سيغير المفاهيم السائدة”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال