شالوم أبو ظبي! لماذا يغير الاتفاق بين إسرائيل والإمارات كل شيء (تقريبا)
بحث
مقال رأي

شالوم أبو ظبي! لماذا يغير الاتفاق بين إسرائيل والإمارات كل شيء (تقريبا)

الاتفاق يهمش اليمين واليسار على حد سواء، ويساعد إسرائيل عالميا، ويجعلنا أقل إثارة للانقسام في الولايات المتحدة، ولكنه لا يحل الصراع الفلسطيني - وهو الصراع الأكثر راديكالية على الإطلاق

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

أعلام اسرائيل والامارات العربية المتحدة معلقة على طول طريق في مدينة نتانيا الساحلية، 16 اغسطس 2020. (JACK GUEZ / AFP)
أعلام اسرائيل والامارات العربية المتحدة معلقة على طول طريق في مدينة نتانيا الساحلية، 16 اغسطس 2020. (JACK GUEZ / AFP)

قبل حوالي أربع سنوات، قضيت بضعة أيام في إحدى دول الخليج التي لم تتصالح بعد مع دولتنا لحضور مؤتمر، وقد أدهشني، في كل مرة قدمت فيها نفسي على أنني من إسرائيل، الدفء الذي قوبلت فيه هذه المعلومات.

في لحظة سريالية خاصة، كنت أنظر عبر مياه الخليج وأحاول أن أكتشف، بمساعدة هاتفي الخلوي، المكان الذي كنت أقف فيه بالنسبة لإسرائيل وإيران وفي كل مكان آخر، عندما اقترب مني رجلان محليان طويلا القمة يرتديان الأبيض وسألاني عما إذا كان بإمكانهما تقديم المساعدة. بالتأكيد، قلت لهما.

أخبرتهما من أين أتيت، وابتسما ابتسامه واسعة، وأعربا عن سعادتهما بلقائي، وقالا إنهما يأملان يوما ما في زيارة القدس. شرحت لهما جهلي الجغرافي، وقاما بإرشادي بسعادة – وأشارا باتجاه موطني البعيد أولا، وبعد ذلك، باتجاه العدو الأقرب الملتزم بتدميري.

ساد الاعتقاد دائما في إسرائيل بأن الكثيرين في العالم العربي، وبالتأكيد العديد في الخليج ، غير مبالين إلى حد ما بمحنة الفلسطينيين، وفي أسوأ الأحوال، لا يحملون أي ضغينة تجاه إسرائيل. أشارت رحلتي في عام 2016 إلى الشيء نفسه، على الرغم من أنني أؤكد أنها كانت زيارة قصيرة، حيث تحدثت مع المواطنين المحليين ومع عمال الأجانب، وأنا أعلم أن لإسرائيليين الآخرين كانت هناك تفاعلات أقل متعة. كما ساد الاعتقاد على نطاق واسع في إسرائيل أن جزء كبير من العالم العربي، بما في ذلك الخليج ، لن يكون شريكا علنيا مع إسرائيل، ناهيك عن تطبيع العلاقات بشكل كامل معها، طالما لم يتم التوصل إلى حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وقد ثبتت صحة ذلك… حتى يوم الخميس.

لم يتم حتى الآن إتمام الصفقة الإماراتية الإسرائيلية رسميا، لكننا دخلنا بالفعل فترة شهر العسل. بعد الجمود السياسي المحلي اللامتناهي، وأشهر من الوباء والاقتصاد المنهار، يسعد الإعلام الإسرائيلي ولأسباب مفهومة أن ينقل بعض الأخبار السارة، والتغطية  اتسمت بالابتهاج المحض – ويعود الفضل في ذلك، إلى حد كبير للأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات في الإمارات العربية المتحدة نفسها والذي عكسوا البهجة الإسرائيلية.

مدونة إماراتية ترسل تهانيها بمناسبة الإعلان عن اتفاق السلام الإسرائيلي-الإماراتي باللغة العبرية، 15 أغسطس، 2020 .(Channel 12 screenshot)

ليلة السبت، بفضل القناة 12، على سبيل المثال، التقينا برجل الأعمال الإسرائيلي المغترب يوني في دبي، الذي أشاد باتفاق السلام “الرائع”؛ وصديقه الإماراتي حمدان، الذي أخبرنا، باللغة العبرية، أنه بدأ “تعلم العبرية منذ فترة”؛ ومدونة بعثت لنا تهانيها خلال توجيه تحية “مزال طوف” (حظ سعيد) باللغة العبرية؛ وموظفة حجوزات في فندق التي أعربت عن تحمسها بشأن “السلام مع إسرائيل” وقالت إنه ستكون “سعيدة بمنح خصم بنسبة 40% من أسعار الغرف”.

ليلة الأحد، في تقرير للقناة 13، ظهر قطب العقارات خلف أحمد الحبتور على الشاشة للإشادة بالاتفاق “العظيم” الذي توصل إليه زعماء البلدين، وللتأكيد على أنه يعمل مع شركة “يسرائير” لإنشاء خط رحلات جوية مباشرة كما وعد البيان المشترك الذي صدر يوم الخميس بشأن “التطبيع الكامل” للعلاقات.

ومساء الاحد، تم فتح خطوط الاتصال بين البلدين، وأجرى وزيرا خارجية البلدين مكالمة هاتفية بينهما، وأصبحت المواقع الإسرائيلية – بما في ذلك هذا الموقع – الآن متاحة حتى للإماراتيين الذين لا يعتمدون على شبكات VPN.

بدأت كلتا معاهدتي السلام السابقتين أيضا بشكل جيد، ولكن تم تشويه كليهما من خلال أعمال عنف دامية ضد إسرائيليين (في رأس برقة في سيناء المصرية في عام 1985، ونهاريم على حدود الأردن في عام 1997)، وتحولت تدريجيا إلى تفاعل براغماتي عوضا عن دفء حقيقي بين الشعوب. وعلى النقيض من ذلك، ما يصل من الإمارات، بما في ذلك من أعضاء الجالية اليهودية، هو أنه لا يوجد ما يدعو الإسرائيليين إلى الخوف على أمنهم وأنهم سيكونون موضع ترحيب.

أليكس بيترفروند، أحد مؤسسي الجالية اليهودية في دبي، مع لفافة توراة في دبي، الإمارات العربية المتحدة، 16 أغسطس، 2020. (AP Photo / Jon Gambrell)

في الواقع، ألمح أليكس بيترفروند، وهو أحد مؤسسي الجالية اليهودية في دبي، في مقابلة تلفزيونية يوم الأحد، إلى مخاوف مختلفة تماما. بيترفروند، الذي بذل قصارى جهده ليكون دبلوماسيا، أشار إلى أن الإماراتيين هم أناس “مهذبون جدا” وأنه سيكون على الزوار الإسرائيليين – عندما تبدأ الرحلات الجوية المباشرة بالعمل، وتكون لهم الحرية (إذا سمح فيروس كورونا بذلك) بالاستمتاع بالمرافق السياحية الاستثنائية في الإمارات – أن يحاولوا “التصرف كسفراء”. (ما الشيء الذي يقلقه بحق الله؟)

وبغض النظر عن دوخة شهر العسل، فإن هذه الشراكة تنطوي على إمكانية إحداث تغيير دائم وحقيقي.

الإمارات العربية المتحدة هي أول شريك سلام لنا ليس لدينا تاريخ دموي معه. علاقاتنا لا تتأسس على ذكريات مشتركة عن الحرب والخسارة، وتشكيل التحالف بيننا هو أقل دراماتيكية من الناحية العاطفية، ومشحون بشكل أقل، وأقل أهمية من الناحية العسكرية. باختصار، أكثر طبيعية. قد يستمر هذا الاتحاد، وقد تكون هناك حفلات زفاف أخرى.

إضاءة منى بلدية تل أبيب بألوان العلم الإماراتي بعد الإعلان عن الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، 13 أغسطس، 2020.(AP Photo/Oded Balilty, File)

دبلوماسية توافقية

تشير الدلائل المبكرة إلى أن المفاجأة الدبلوماسية لم تؤدي إلى إعادة صياغة السياسة الإسرائيلية. أظهرت استطلاعات الرأي  السريعة التي أجريت ليلة الأحد أن حزب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، “الليكود”، إما نجح في وقت هبوطه الأخير، أو ارتفع قليلا، ولكن ليس أكثر من ذلك. فمهما كان السلام مع الإمارات أمرا مشجعا، إلا أن خُمس مواطني الدولة عاطلون عن العمل، وقليلون هم الأشخاص الذين سافروا إلى أي مكان في خضم الوباء. نتنياهو كان ولا يزال السياسي المفضل كرئيس للوزراء أكثر من أي شخص آخر، لكن منافسه اليميني، نفتالي بينيت من حزب “يمينا”، يبلي بلاء حسنا إلى حد كبير على أساس انتقاداته من المعارضة لتعامل الحكومة مع الوباء. المتظاهرون المناهضون لنتنياهو، الذين يطالبون باستقالته بسبب تهم الفساد التي يواجهها، مستمرون في احتجاجاتهم.

ومع ذلك، فقد وضع نتنياهو نفسه في مكان أقرب إلى مركز الإجماع الإسرائيلي، ويبدو من المؤكد أنه سيستمتع بالفوائد مع مرور الوقت.

هو يصر يوميا على أن خطته لضم 30 في المائة من الضفة الغربية المخصصة لإسرائيل بموجب خطة ترامب للسلام لا تزال “مطروحة على الطاولة”، وأنه لا يزال ملتزما بتطبيق السيادة بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، ويكرر أن شيئا لم يتغير.

إلا أن كل شيء قد تغير.

أثبتت إدارة ترامب عدم رغبتها في تقويض خطتها من خلال الموافقة على ضم إسرائيلي أحادي الجانب، وفضل نتنياهو اختيار اختراق دبلوماسي واحد، واحتمال حدوث اختراقات أخرى، على وعوده لجزء كبيرة من قاعدة ناخبيه. معظم قادة المستوطنين، الذين تم إبعادهم في الوقت الحالي، في حين أنهم ظلوا لسنوات يحققون نجاحات تفوق حجمهم وقدراتهم، غاضبون ويطلقون التهديدات، في حين يبدي يسار الوسط والوسط ابتهاجهما عبر أسنانهم المشدودة. محاكمة نتنياهو بتهم فساد لم تذهب إلى أي مكان، لكن احتمالية وجود تحد سياسي ذي مصداقية، والتي تقلصت بشكل كبير على أي حال عندما دخل بيني غانتس معه في شراكة، قد تراجعت أكثر الآن.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يزرع شجرة خلال حديث بمناسبة عيد ’طو بيشفاط’ اليهودي في مستوطنة ميفؤوت يريحو، في غور الأردن، 10 فبراير، 2020. (Flash90)

والأهم من ذلك، على الصعيد الدولي، أن هذا الاتفاق هو خبر رائع لإسرائيل.

فالآن، إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية التي يهيمن عليها اليمين هما ليستا الوحيدتين اللتين تحذران الفلسطينيين من أن تعنتهم سيكون السبب في هزيمتهم، فاعتبارا من يوم الخميس، جزء كبير من العالم العربي يفعل ذلك أيضا.

الإمارات هي الوحيدة حتى الآن التي تصالحت مع إسرائيل وشجعت الفلسطينيين على بدء العمل من أجل فعل الشيء نفسه. ولكن الإمارات تحظى بالإشادة على خطوتها أو على الأقل يدافع عنها جزء كبير من العالم العربي في مواجهات الاتهامات المريرة والصيحات التي تتهمها بالخيانة من السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، والتهديدات القاتمة من طهران وأنقرة.

مرشح الحزب الديمقراطي المفترض لانتخابات الرئاسة الأمريكية، جو بايدن، يلقي كلمة خلال حدث انتخابي أقيم في 14 يوليو، 2020، في مدينة ويلمينغتون بولاية ديلاوير. (AP/Patrick Semansky)

علاوة على ذلك ، تتمتع الاتفاقية بإمكانية حاسمة لتعزيز دعم الحزبين الديمقراطي والجمهوري لإسرائيل في الولايات المتحدة. وقد أشار جو بايدن إلى أنه لن ينقل السفارة الأمريكية إلى تل أبيب إذا تم انتخابه، لكنه سيعارض الضم الإسرائيلي الأحادي الجانب للضفة الغربية. وبدلا من أن يجد نفسه على خلاف مع نتنياهو عند توليه منصبه، سيرث بايدن الآن، إذا تم انتخابه رئيسا، إطار سلام تقبله إسرائيل، ويؤيده إلى حد ما جزء من العالم العربي، ومنفتح على الفلسطينيين، الذين سيشجعهم بلا شك على إعادة الإنخراط.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث في مؤتمر صحفي في البيت الأبيض في واشنطن، 13 أغسطس، 2020. (AP Photo / Andrew Harnik)

إذا فعلوا ذلك، سواء في عهد ترامب أو بايدن، فإن الإطار المطروح على الطاولة يظل مفتوحا لهم. لم تنتزع إسرائيل بشكل استباقي غنائم الضم، وإدارة ترامب أوضحت أن شروط الصفقة ليست منقوشة على حجر؛ ولا شك بأن بايدن سيفعل الشيء نفسه.

إذا بقيت السلطة الفلسطينية بعيدة، وعمقت تحالفها الناشئ مع حماس، فقد تصبح الأمور قبيحة للغاية على الأرض، بما في ذلك إسرائيل. ومن خلال وضع نفسها بشكل واضح في صف الإيرانيين، فإن السلطة الفلسطينية ستبعد بعض المؤيدين الإقليميين والدوليين عنها، وقد تواجه معارضة داخلية متزايدة.

فلسطينيون يحرقون صورا لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال احتجاج على الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل، في مدينة نابلس بالضفة الغربية، 14 أغسطس، 2020. (AP Photo/Majdi Mohammed)

’طريقة جديدة لفعل الأشياء’

عملية معقدة هي التي أدت إلى المفاجأة الدبلوماسية الاستثنائية يوم الخميس. في هذا المزيج كان القلق المشترك بين الخليج وإسرائيل بشأن قوة إيران المتزايدة، وإدراك إسرائيل بأنها لا يمكن ببساطة أن تسمح لنفسها بالخضوع لنظام إسلامي يهدف إلى زوالنا ومصمم على امتلاك قدرات سلاح نووي. وفي هذا المزيج أيضا، كانت هناك اللامبالاة تجاه الفلسطينيين، أو على الأقل نفاذ الصبر ازاءهم، وفي النهاية لم يعد القرار مقيدا بالصراع الفلسطيني في تعاملهم مع إسرائيل.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش يتحدث عبر أخبار القناة 12 ، 15 أغسطس، 2020. (Channel 12 screenshot)

هذا إعلان عادي ومدهش في آن واحد، فهو إعلان لم يكن بالإمكان تصوره حتى الآن في سياق إسرائيل والعالم العربي. فهو لا يغير شيئا بشأن القضايا الجوهرية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لكنه يحتمل أن يعيد صياغة السياق الإقليمي، وحتى العالمي، الذي يُنظر فيه إلى هذا الصراع ويتم التعامل معه.

دولة عربية ذات نفوذ رفعت يدها بشكل أساسي وقالت، نعم، نحن نعلم أن الفلسطينيين ما زالوا بلا دولة، ويجب أن يحصلوا على، ويجب عليهم التفاوض مع الإسرائيليين. لكننا لن ننتظر ذلك، ونحن لسنا في حرب مع إسرائيل. ليس لدينا ديون دموية لنسّويها، أو أراض نريد استعادتها من إسرائيل. إننا نصنع السلام مع إسرائيل وفي الحال.

لماذا ا؟ لأن “70 عاما من عدم التواصل مع إسرائيل لم تؤد بنا إلى أي مكان”.

وعلى ذلك نرد نحن الإسرائيليين بالقول، ويمكن الآن سماعنا وقراءتنا عبر الإنترنت في الإمارات ونحن نقول: شالوم يا أبو ظبي!

سيدتان يرتديان كمامة للوقاية من فيروس كورونا تمران من أمام علمي الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل عند جسر السلام في نتانيا، إسرائيل، 16 أغسطس، 2020. (AP Photo / Ariel Schalit)

 

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال