مصنع ”بوظة معتوق” في غزة تحول إلى حطام ومعه آمال عائلة الغزالي
بحث

مصنع ”بوظة معتوق” في غزة تحول إلى حطام ومعه آمال عائلة الغزالي

تم تدمير أكثر من 1000 منزل ومصلحة تجارية في القطاع، الذي لا يزال يتعامل مع تداعيات عام 2014 ؛ من المرجح أن تُؤدي القيود الأمنية الإسرائيلية إلى إبطاء عملية إعادة الإعمار

متطوعون فلسطينيون يزيلون الأنقاض في شارع بمدينة غزة، بعد أن أصابته غارات جوية إسرائيلية أثناء عملية ’حارس الأسوار’، 23 مايو، 2021. (Atia Mohammed / Flash90)
متطوعون فلسطينيون يزيلون الأنقاض في شارع بمدينة غزة، بعد أن أصابته غارات جوية إسرائيلية أثناء عملية ’حارس الأسوار’، 23 مايو، 2021. (Atia Mohammed / Flash90)

في الوقت الذي سُمع فيه دوي صفارات الإنذار في إسرائيل وقصفت الغارات الجوية الإسرائيلية قطاع غزة في الأسبوع الماضي، انضم مصنع مثلجات إلى قائمة طويلة من المتضررين من الأضرار الجانبية في الجولة الأخيرة من القتال بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة.

قال سامي الغزالي (40 عاما) من سكان غزة والذي أسس والده “بوظة معتوق”: “حاولنا إنقاذ ما في وسعنا، لكن كل شيء ذهب الآن”. وتمتلك شركته خمسة متاجر في أنحاء قطاع غزة،  لكن تم تعليق العمل في ثلاثة منها أثناء تفشي جائحة فيروس كورونا.

مع انتهاء جولة القتال الأخيرة بين إسرائيل وحماس على ما يبدو، تُرك سكان غزة لإصلاح ما دُمر. لقد تعلم سكان القطاع الساحلي بالفعل من ثلاث جولات سابقة من العنف ألا يتوقعوا عملية إعادة إعمار سريعة. بصرف النظر عن القيود الإسرائيلية على استيراد مواد البناء إلى القطاع، هناك مخاوف من أن المجتمع الدولي قد يكون أقل استعدادا لفتح محفظته لمجرد رؤية ثمار جهود إعادة البناء تتحول إلى ركام مرة أخرى.

منصور، وهو صاحب متجر في غزة دُمر في القتال، لا يرى ما يدعو للتفاؤل. قال منصور إنه استثمر بعناية في متجره لسنوات، سعيا وراء حلمه في أن يصبح رجل أعمال مستقل.

لكن كل شيء انهار قبل أيام قليلة عندما دُمر المبنى الذي يضم محله في القتال.

وأضاف منصور: “أنا في حيرة من أمري بشأن سبب حدوث ذلك لي. لم أكره يوما أحدا أو أفعل أي شيء لأحد. أنا لا أنتمي لأي فصيل أو حزب سياسي”.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق على ما إذا كانت وقعت غارة بالقرب من المحل أو مصنع المثلجات أو ما الذي قد يكون استُهدف.

ويعتقد منصور أن إسرائيل هي المسؤولة عن تدمير متجره. والجيش الإسرائيلي يصر على أن المئات من محاولات إطلاق الصواريخ الفلسطينية ألحقت الخراب في القطاع أثناء القتال وهي مسؤولة عن وقوع بعض القتلى  والأضرار.

أسقط القتال الذي استمر 11 يوما أبراجا سكنية ودمر طريقا رئيسيا في وسط مدينة غزة وترك الناس، بمن فيهم الأطفال، يصرخون طلبا للمساعدة من تحت الأنقاض.

وقالت وزارة الأشغال العامة التابعة لحماس إن 258 مبنى – حوالي 1042 وحدة سكنية وتجارية – دُمر خلال القتال، وتعرضت 769 وحدة أخرى لأضرار جسيمة، مما جعلها غير صالحة للسكن، وأصيبت 14,536 وحدة بأضرار طفيفة. ولحقت أضرار بـ 17 مستشفى، بالإضافة إلى 53 مدرسة.

وفقا للأمم المتحدة، فقد نزح أكثر من 100,000 فلسطيني في داخل القطاع خلال فترة العنف. وبينما تمكن الكثيرون منذ ذلك الحين من العودة إلى مساكنهم، تُرك آخرون بلا مأوى.

صرح الجيش الإسرائيلي أنه لا يستهدف المباني المدنية ويبذل قصارى جهده لتقليل الضرر اللاحق بغير المقاتلين، ويصر على أنه مجبر على العمل في مناطق مدنية لأن الفصائل الفلسطينية تطلق الصواريخ على إسرائيل من داخل مدن غزة المكتظة بالسكان.

تركت ساحة المعركة المعقدة، بأهدافها العسكرية والمدنية المتداخلة، سكان غزة في حالة من الذعر من أن يصبحوا ضمن الأضرار الجانبية، وتشمل الاعتبارات العقارية حسابات مروعة حول ما إذا كان يمكن أن يتعرض موقع لإصابة بضربة إسرائيلية أو من خلال صاروخ فلسطيني طائش.

إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل من مدينة غزة، 20 مايو، 2021. (Mahmud Hams / AFP)

تقول عائلة الغزالي إنها دفعت مبلغا إضافيا لوضع مصنع المثلجات الخاص بها في مكان اعتقدت أنه سيكون آمنا: منطقة صناعية في وسط قطاع غزة، قريبة من مؤسسات الأمم المتحدة.

“شعرنا أننا بأمان هناك. كثيرا ما فكرت بأنه إذا كان هناك تصعيد في غزة، فسوف آخذ أطفالي وأنام هناك”، كما قال الغزالي.

لحسن حظه وحسن حظ عائلته لم يختاروا اللجوء إلى مصنع العائلة. يوم الإثنين الماضي، في أعقاب تقارير عن نيران إسرائيلية، اكتشفوا أن المصنع تحول إلى حطام. من دون المصنع، ليس لدى الغزالي أي وسيلة لإعادة تخزين محال المثلجات الخاصة به، وهو غير متأكد من الطريقة التي سيعود بها للوقوف على قدميه.

وقال الغزالي بحزن: “من أين سنحصل على المال؟ الطريقة الوحيدة هي أن أبيع منزلي، وبعد ذلك لن يكون لدينا مكان نعيش فيه. ليس لدينا حتى القليل من الأمل”.

تعيش غزة أزمة إنسانية منذ فترة طويلة بدأت قبل القتال الحالي. يبلغ معدل البطالة في القطاع الساحلي أكثر من 50%، ويعد ضعف الوصول إلى المياه وانقطاع التيار الكهربائي حقيقة من حقائق الحياة بالنسبة للكثيرين من سكان القطاع.

كما أدى الدمار الذي أحدثته الجولة الأخيرة من القتال إلى تفاقم الجراح التي لم تلتئم بعد منذ حرب 2014 بين إسرائيل وحماس. استمرت عملية “الجرف الصامد”، كما يطلق عليها الإسرائيليون، 51 يوما وخلفت 96,000 منزل متضررا أو مدمرا – 10,000 منها بالكامل – وفقا للأمم المتحدة.

بعد مرور سبع سنوات ، لا يزال حوالي 3700 من سكان غزة – حوالي 11% من النازحين – ينتظرون إعادة بناء منازلهم، وفقا لمبادرة Shelter Cluster، وهي مبادرة للأمم المتحدة والصليب الأحمر.

كرة من اللهب تخرج من مبنى في حي الرمال السكني في مدينة غزة في 20 مايو 2021 ، خلال قصف إسرائيلي على القطاع الذي تسيطر عليه حركة حماس بعد إطلاق صواريخ. (BASHAR TALEB / AFP)

تفرض إسرائيل قيودا مشددة على المواد التي يمكن أن تدخل إلى قطاع غزة، بدعوى أن حركة حماس الحاكم الفعلي للقطاع، سوف تستأثر بالمواد لاستخدامها في أغراض عسكرية. وهذه الإجراءات سارية منذ عام 2006، قبل أشهر قليلة من استيلاء حماس على غزة من حركة فتح المنافسة الحاكمة للضفة الغربية.

تصنف إسرائيل العديد من المواد اللازمة للبناء – مثل الأسمنت والحصى وقضبان الحديد – على أنها “ذات استخدام مزدوج” بسبب فائدتها في بناء البنية التحتية العسكرية، وخاصة الأنفاق، وبالتالي تسمح بدخول كميات خاضعة لتنظيم دقيق.

مساء الأحد، قال وزير الدفاع بيني غانتس إن الحكومة الإسرائيلية تدرك أن حماس حولت في بعض الحالات على الأقل المواد التي أرسلت لإعادة اعمار غزة لبناء الأنفاق.

وقال يوم توف ساميا، وهو جنرال إسرائيلي متقاعد كان قائدا للقيادة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، في مكالمة هاتفية: “لا يمكن إدخال أي شيء، أي نوع من المواد الخام، إلى قطاع غزة، دون أن تستخدمه حماس. هذا الشرق الأوسط وليس السويد”.

بعد قصف واسع النطاق ردا على إطلاق صواريخ في عام 2014، صاغت الحكومة الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة ترتيبا مؤقتا، يُعرف بإسم آلية إعادة إعمار غزة، للسماح بوصول مواد البناء إلى سكان غزة.

قامت الآلية بفحص دقيق للمشاريع في غزة ورفعت القيود. سُمح لإسرائيل والسلطة الفلسطينية بالإشراف على من سيحصل على المواد، وأين سيستخدمها والكميات التي سيحصل عليها. سعت الأمم المتحدة، من جانبها، إلى ضمان وصول البضائع إلى المستلمين المقصودين.

وانتقدت منظمات حقوق انسان الآلية لإضافتها طبقات من البيروقراطية،  مما  يؤخر عملية إعادة الإعمار ويزيد من تكلفتها.

وقالت تانيا هاري، مديرة منظمة “مسلك”، وهي منظمة غير ربحية يسارية تدعو إلى منح سكان غزة حرية تنقل أكبر: “تم إعادة بناء كمية هائلة. كان هناك جهد من قبل المجتمع الدولي والناس في غزة لإعادة البناء – ولكن بعد سبع سنوات، لا يزال يتعين إعادة بناء العديد من المنازل بالكامل “.

بعض الفلسطينيين في غزة وجدوا أنفسهم خارج المنظومة لأسباب غير واضحة واضطروا للاستئناف على القرار.

لمحاولة منع استخدام المواد من قبل الفصائل الفلسطينية، طُلب من المقاولين وضع كاميرات تعمل على مدار الساعة في مستودعاتهم للإشراف على المواد. وقالت هاري إن الكاميرات تعمل بواسطة بطاريات هي في حد ذاتها “مزدوجة الاستخدام”، مما يجعلها سلعة نادرة في غزة.

فلسطينيون يتفقدون الأضرار في أعقاب غارة جوية إسرائيلية على رفح في جنوب قطاع غزة، 19 مايو، 2021. (Abed Rahim Khatib / Flash90)

وامتنعت وزارة الخارجية ووزارة الدفاع الإسرائيلية عن الإدلاء بمزيد من التعليقات.

في الوقت نفسه، من أجل الحفاظ على هدوء في الجبهة الجنوبية، سمحت إسرائيل لقطر بتحويل مئات الملايين نقدا إلى قطاع غزة، مباشرة إلى حلفائها في حماس. ويتم الإشراف على الأموال، التي تتراوح من إعانات دعم الوقود إلى رواتب للأسر الفقيرة في غزة، بدرجة أقل بكثير من آلية الإشراف المفروضة على مواد البناء.

من غير الواضح ما إذا كانت آلية إعادة الإعمار ستستمر كما هي بينما تبدأ غزة في إعادة الإعمار مرة أخرى، لكن إسرائيل أشارت إلى أنها قد تسعى إلى تنازلات إضافية.

وقال غانتس يوم الأحد إن إسرائيل لن تسمح بإعادة إعمار غزة بشكل كامل حتى تعيد حماس اثنين من المدنيين الإسرائيليين ورفات جنديين محتجزين لديها منذ أكثر من ست سنوات.

شرطي فلسطيني يسير على أنقاض مدينة عرفات، مقر شرطة حماس في غزة، 22 مايو، 2021. (Emmanuel DUNAND / AFP)

وقالت الولايات المتحدة إنها ستسعى لتنسيق المساعدات من خلال الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية، على غرار آلية 2014. وصرح الرئيس الأمريكي جو بايدن أنه سيتم توزيع المساعدات “بطريقة تفيد الناس في غزة وليس حماس”.

مولت قطر جزءا كبير من الجهود لإعادة الإعمار منذ عام 2014، ومن المرجح أن تلعب مرة أخرى دورا رائدا. وأعلنت مصر، التي تلعب دورا رئيسيا في التوسط في وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، أنها سترسل أيضا 500 مليون دولار كمساعدات للمساهمة في إعادة إعمار قطاع غزة.

لكن بعض المراقبين يخشون من أن الدول المانحة الأخرى، التي ضخت المليارات في مشاريع التنمية في القطاع الساحلي الذي تعرض للقصف المتكرر، ستتردد في تمويل الجولة التالية من إعادة الإعمار لترى المشاريع تتحول إلى أنقاض مرة أخرى.

وقال محلل سياسي مقيم في غزة في مكالمة هاتفية: “إلى متى ستجتمع الجهات المانحة لتمويل استثماراتها في غزة فقط لتراها مدمرة؟ بعض ما بنوه بعد عام 2014 تم تدميره هذه المرة”.

كما أن بعض تلك الدول، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تحالفت بشكل متزايد ضد حركة حماس في السنوات الأخيرة. ويشارك العديد من حلفاء الولايات المتحدة، وخاصة في الخليج، واشنطن في رؤيتها للحركة كمنظمة إرهابية متحالفة مع إيران، عدوهم الإقليمي.

في إحاطة للصحفيين يوم الاثنين، قال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية إن المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، لا يزال ملتزما بتمويل إعادة إعمار غزة. وقال المسؤول إن الولايات المتحدة على اتصال وثيق مع حلفائها في الخليج العربي لضمان المضي قدما في تمويل إعادة الإعمار.

وقال المسؤول: “سنفعل كل ما في وسعنا لضمان وصول هذه المساعدات إلى الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليها”.

لكنهم أقروا أيضا ببعض الإرهاق بين المانحين، ووصفوه بأنه “مفهوم” بعد عقد ونصف من الصراع. وقال المسؤول إن مناقشات إعادة الإعمار لا تزال في مراحلها الأولى.

وصرح: “لم تكمل الأمم المتحدة حتى الآن تقييمها السريع من حيث الاحتياجات، وسوف يتجهون إلى غزة، وسيواصلون إجراء هذه التقييمات في الأيام المقبلة”.

ومع ذلك، “سننجز المهمة، كما قال.

ساهم في هذا التقرير جيكوب ماغيد

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال