ركود حملة التطعيم في إسرائيل: لماذا حدث ذلك وكيف يمكن معالجته؟
بحث
مقال رأي

ركود حملة التطعيم في إسرائيل: لماذا حدث ذلك وكيف يمكن معالجته؟

مع الكثير من اللقاحات وصناديق مرضى فعالة لتوزيعها، كان يمكننا أن نكون في المرحلة النهائية من الجرعات الأولى. بدلا من ذلك، تحول الأطباء إلى مناشدة المرضى للحصول على اللقاح

دافيد هوروفيتس

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

مركز تطعيم ضد كوفيد -19 شبه خال في القدس ، 8 فبراير، 2021. (Olivier Fitoussi / Flash90)
مركز تطعيم ضد كوفيد -19 شبه خال في القدس ، 8 فبراير، 2021. (Olivier Fitoussi / Flash90)

تباطأت حملة التطعيم في إسرائيل، التي تتصدر دول العالم في نسبة توزيع اللقاحات على مواطنيها وبفارق كبير.

في الأسبوع الأخير، أصبح بإمكان أي شخص يبلغ من العمر 16 عاما أو أكثر تلقي التطعيم، وبكل المقاييس، فإن لدى إسرائيل إمدادات وفيرة وطاقم طبي ينتظر تطعيم جميع المقبلين – وهو امتياز استثنائي في الوقت الذي لا يملك معظم العالم أيا منهما.

تقول صناديق المرضى في البلاد أن لديها القدرة على توزيع أكثر 200,000 جرعة في اليوم؛ في الواقع، في 21 يناير، حصل 230 ألف إسرائيلي على الجرعة الأولى أو الثانية، كما تظهر آلية المتابعة الإحصائية لوزارة الصحة.

ولكن مع اتساع نطاق الأشخاص الذين بإمكانهم الحصول على اللقاح، توقف الطلب: تم ​​إعطاء أقل من 700 ألف جرعة في الأيام السبعة الماضية (حتى 10 فبراير)، والتي انخفضت من حوالي 850 ألف جرعة في الأسبوع السابق (حتى 3 فبراير)، وهو ما يشكل بدوره انخفاضا كبيرا مقارنة بأكثر من 1.25 مليون في الأسبوع الذي سبقه (حتى 27 يناير).

حتى صباح يوم الخميس، تلقى 3.7 مليون من أصل 9.3 مليون نسمة (حوالي 40%) جرعتهم الأولى من اللقاح، وحصل 2.3 مليون على الجرعة الثانية. هذه الأرقام كان من الممكن ويجب أن تكون أعلى بكثير. كان بالإمكان أن ندخل المرحلة النهائية للجرعات الأولى للإسرائيليين المؤهلين لتلقي اللقاح؛ بدلا من ذلك، هذا الأسبوع، بلغ متوسط عدد الأشخاص الذي تلقوا الجرعة الأولى 50,000.

صناديق المرضى تقول إنها في حيرة من أمرها ولا تعرف كيفية التعامل مع الإقبال الضعيف. يوم الإثنين، قالت المسؤولة في صندوق المرضى “كلاليت”، دغانيت براك، في الوقت الذي أظهرت فيه كاميرا التلفزيون مركز تطعيم واسع شبه خالي في القدس، “ليس لدينا تفسير لعدم قدوم الناس. نقوم بإرسال رسائل نطلب فيها من الناس القدوم وتلقي التطعيم، ولكن مع ذلك الرد لا يزال ضعيفا”.

نقوم بإرسال رسائل نطلب فيها من الناس القدوم وتلقي التطعيم، ولكن مع ذلك الرد لا يزال ضعيفا

وصرحت زميلتها، دكتور أورلي فاينشتاين، تصريحات مماثلة يوم الثلاثاء وقالت: “حتى أننا نتصل بالناس. الأطباء العامون يتصلون بهم ويطلبون منهم الذهاب لتلقي التطعيم”.

بالنظر إلى النقص الواضح في الحماس، قد يُغفرلكم التوصل إلى الاستنتاج بأن إسرائيل قد تغلبت بشكل أساسي على الوباء و/أو أن اللقاحات أثبتت عدم فعاليتها أو أنها خطيرة.

لا شيء من هذا صحيح.

معدلات عدوى مرتفعة

“تباهت” إسرائيل مؤخرا بأعلى معدل إصابات بالفيروس في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، على الرغم من حدوث تحسن طفيف في الأيام الأخيرة. تم الإعلان عن 5540 حالة جديدة “فقط” يوم الأربعاء، مقارنة بالمعدل الأخير البالغ حوالي 7000 حالة في اليوم. ما زلنا نشهد ما يقرب من 150 حالة خطيرة جديدة يوميا، وحوالي  50 حالة وفاة يوميا – على الرغم من حقيقة أننا في حالة إغلاق عام منذ أسابيع، مع إغلاق القطاعين العام والخاص إلى حد كبير، وما كان من المفترض أن يكون إغلاقا مشددا لجزء من ذلك الوقت.

في الوقت نفسه، تعني بدايتنا المبكرة في التطعيم أن لدينا أول بحث من نوعه في العالم يوضح أن اللقاح فعال كما أظهرت تجارب شركة “فايزر”، وأن الآثار الجانبية تكاد لا تذكر. بالكاد أبلغ ربع بالمائة من الملايين من الإسرائيليين الذين تلقوا التطعيم عن أي آثار جانبية لأطبائهم. أظهرت إحصائيات وزارة الصحة الصادرة يوم الثلاثاء، والتي تم تجميعها على أساس حوالي 4.7 مليون تلقيح للجرعتين الأولى والثانية، ما مجموعه 43 حالة تتطلبت العلاج في المستشفى، معظمها لأشخاص يعانون من حالات مرضية سابقة، 28 منهم في الفئة العمرية 60 وما فوق، وأربعة منهم فقط تحت سن 40 عاما.

قال الدكتور طال بروش، رئيس قسم الأمراض المعدية في مستشفى “أسوتا” في أشدود، للإذاعة الإسرائيلية صباح الخميس أنه على حد علمه لم تحدث حالة وفاة واحدة تُعزى إلى اللقاح منذ أن بدأت إسرائيل في حملة التطعيم.

ما زلت قادرا على التذكر أن الأشخاص الأصغر سنا غالبا ما يظنون، بشكل لا يدعو للدهشة، أنهم لا يقهرون.

لذا، إذا لم نتفوق بشكل واضح على فيروس كورونا، وإذا كانت اللقاحات أساسية بشكل واضح للتغلب عليه، فلماذا لا يتدفق الإسرائيليون إلى مراكز التطعيم؟

من الواضح أن الطلب قد انحسر مع تلقيح الإسرائيليين الأكبر سنا وفتح باب التطعيم للإسرائيليين الأصغر سنا لأول مرة، ودون جدوى إلى حد ما في الوقت الحالي، ليحذوا حذوهم. ما زلت قادرا على التذكر أن الأشخاص الأصغر سنا غالبا ما يظنون، بشكل لا يدعو للدهشة، أنهم لا يقهرون. وربما ازداد هذا الشعور، عندما يتعلق الأمر بـكوفيد، من خلال شهور من البيانات التي تظهر أن كبار السن وأولئك الذين يعانون من حالات طبية مسبقة أكثر عرضة لخطر الوباء. على الرغم من ذلك، في الآونة الأخيرة فإن الحالات الخطيرة بين الإسرائيليين الشباب آخذة في الارتفاع،ويرجع ذلك جزئيا إلى المتغير البريطاني.

علاوة على ذلك، فإن تلقي التطعيم كشخص بالغ هو تجربة غير نمطية. نحصل على معظم التطعيمات كأطفال عندما يتخذ الآباء قرارات لأطفالهم. بالتأكيد، لا يفكر المسافرون عموما مرتين في الحصول على الجرعات اللازمة لزيارة بلدان معينة – ولكن هذا موقف الذي تسيطر فيه المصلحة الذاتية المباشرة والضيقة. من الواضح أنه لم يتردد بعد بشكل كاف صدى الاقتناع بأن هناك مصلحة ذاتية ضيقة وشخصية للغاية للحصول على لقاح كوفيد.

انعدام ثقة كبير

ثم هناك عاملان آخران، عاملان ذوا صلة، كلاهما عالمي ولكن لهما جوانب إسرائيلية بشكل خاص: العجز المذهل في عصرنا في التمييز بين الحقيقة والكذب، والشك العام الهائل بشأن ما يقوله الناس في السلطة – عن أي شيء إلى حد كبير.

العلم الذي يقف وراء لقاحات كوفيد راسخ. لكن من الواضح أن الإيمان العام يتعرض للتقويض إلى حد ما بسبب انتشار الأخبار الكاذبة التي تؤكد أن اللقاح خطير – مع سيل من الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك من “حاخامات المشاهير”، الذين يزعمون أن اللقاح يسبب العقم وردود فعل تحسسية شديدة، وحتى الموت. منصات وسائل التواصل الاجتماعي كانت بطيئة في إزالة الأكاذيب، ولم تكن وسائل الإعلام الرئيسية فعالة دائما في تسليط الضوء على العلم الثابت.

على قناة 12 التلفزيونية الأكثر مشاهدة في إسرائيل، على سبيل المثال، تم يوم الإثنين منح منظمة مجموعة “فيسبوك” قامت المنصة الآن بإزالتها والتي تضمنت منشورا يحث الإسرائيليين على تحديد مواعيد للتطعيم وعدم الحضور إلى هذه المواعيد – بهدف التخلص من الجرعات – دقائق طويلة للترويج لحججها من قبل مذيع غير مهيأ بشكل واضح، ثم “تمت مواجهتها” مع خبير دمث لم تكن اعتراضاته اللطيفة، عندما سُمح له بالحديث، ملائمة لضراوتها. هي لم تحث الآخرين على عدم تلقي التطعيم، كما قالت عدة مرات، لكنها لن تفعل ذلك بنفسها، وأصرت على أنه من غير المنصف أن تُعاقب نتيجة لذلك.

منصات وسائل التواصل الاجتماعي كانت بطيئة في إزالة الأكاذيب، ولم تكن وسائل الإعلام الرئيسية فعالة دائما في تسليط الضوء على العلم الثابت.

أن أولئك الذين لا يتلقون التطعيم يعرضون الآخرين للخطر (بما في ذلك أولئك الذين تم تطعيمهم، حيث أن اللقاحات توفر وقاية بنسبة 95%، وليس 100%)؛ ويزيدون العبء والمخاطر على الطاقم الطبي في حالة مرضهم؛ ويتسببون بصرف موارد الخدمات الصحية بعيدا عن قطاعات الرعاية الحيوية الأخرى – لم يتم ذكر أي من هذه النقاط خلال النقاش.

على النقيض من ذلك، في الإذاعة الإسرائيلية صباح الأربعاء، تمت دعوة الدكتور بروش، من مستشفى أسوتا، للإجابة على أسئلة حول المخاوف بشأن اللقاحات، وتم منحه الكثير من الوقت على الهواء. في هذه الحالة، كان بروش قادرا على أن يشرح بهدوء أن الآثار الجانبية للقاح تظهر بمعظمها على الفور وليس بعد سنوات، ودعا المستمعين الذين يتساءلون عما إذا كان عليهم تلقى التطعيم للوصول إلى استنتاجاتهم الخاصة حول التوازن بين الخطر النظري وغير المحتمل إلى حد كبير من الآثار الجانبية للقاح في المستقبل والخطر الواضح لكوفيد-19 هنا والآن.

في غضون ذلك ، أكد استطلاع للرأي نشرته القناة 11 الإسرائيلية ليلة الثلاثاء إلى أي مدى قد يؤدي عدم ثقة الإسرائيليين في تعامل حكومتنا مع هذه الأزمة إلى تقويض ثقة الجمهور في المعركة ضد كوفيد. قال 56% من المشاركين في الاستطلاع إن محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن الفساد تؤثر على طريقة تعامله مع الوباء، وقال 17% آخرون إنهم لا يعرفون ما إذا كان هذا هو الحال، في حين قال 27% فقط إنهم مقتنعون بأن سياساته بشأن فيروس كورونا لم تتأثر بمشاكله القانونية.

هذا المستوى العالي من انعدام الثقة لا يفسر بشكل مباشر اهتمام الإسرائيليين المتناقص بالتطعيم، لكنه يظهر مدى تعكير المياه: يعتقد العديد من الإسرائيليين أن سياسة الإغلاق التي ينتهجها رئيس الوزراء قد تشكلت من خلال اعتماده على شركائه الحريديم في الإئتلاف الحكومي، وحاجته إلى دعمهم في انتخابات الشهر المقبل، وبالتالي بقي جميع مواطني البلاد في منازلهم لأن رئيس الوزراء لا يجرؤ على إبعاد الناخبين الحريديم عنه، الذين ظلت العديد من المدارس في مجتمعهم مفتوحة في تحد للقوانين وحيث كان عدد حالات الإصابة في كثير من الأحيان مرتفع بشكل غير متناسب.

حريديم ينظمون تظاهرة ضد قيود فيروس كورونا في حي مئة شعاريم في القدس، 9 فبراير، 2021. (Noam Revkin Fenton / Flash90)

قيادة أزمة كوفيد في الحكومة اعتراها الخلل بسبب السياسات الضيقة، كما قال موشيه فدلون، رئيس بلدية هرتسليا المخضرم، لإذاعة الجيش صباح الأربعاء، في الوقت الذي أعلن فيه عن نيته هو واثنتين من السلطات المحلية القريبة من مدينته بتحدي قرار الحكومة وإعادة فتح المدارس في الأيام القليلة المقبلة. كما أعلنت مجموعات فندقية عن نيتها إعادة فتح الفنادق، سواء سمحت لها الحكومة بذلك أم لا.

المتاجر والمطاعم تتحدى بشكل روتيني قيود الإغلاق المحددة في الأسابيع الأخيرة – مع تزايد وتيرة التمرد يوم الخميس – حيث يحتج هؤلاء على عدم قدرتهم تحمل التكاليف المالية لإغلاق محلاتهم لفترة أطول، ويشتكون من أنه من غير العادل والمقبول تطبيق القانون عليهم بشكل حرفي، في الوقت الذي يتم التساهل فيه مع الانتهاك الصارخ للقوانين في الوسط الحريدي.

متسوقون في مركز تجاري في بات يام تم افتتاحه جزئيًا في انتهاك لقيود كورونا التي فرضتها الحكومة، 11 فبراير، 2021. (Avshalom Sassoni / Flash90)

عندما تكون الحكومة غير موثوقة إلى حد كبير في تعاملها الشامل مع الوباء، وحيث يشعر المواطنون الملتزمين بالقانون حتى الآن بأنهم مضطرون لخرق القوانين المصممة لإنقاذ الأرواح، فليس من المستغرب أن ثقة الجمهور والاهتمام بحملة التطعيم التي تحث عليها الحكومة ليسا في أفضل حال أيضا.

حوافز التطعيم

أفادت تقارير ان يوفال شتاينتس، وزير في حكومة نتنياهو، اقترح في الأسبوع الماضي، في تسريب روتيني آخر لجولة أخرى من المشاحنات التي تشهدها جلسات المجلس الوزاري هذه الأيام، أن تقوم إسرائيل بجعل التطعيم إلزاميا. تم رفض اقتراحه على الفور.

من شبه المؤكد أن مثل هذه الخطوة تعتبر غير قانونية ، لكنها أيضا غير مدروسة.

التحفيز، وليس العقاب، هو الطريق للمضي قدما. يخطط متمردو المجموعات الفندقية فتح فنادقهم فقط للضيوف الذين تلقوا التطعيم أو الذين يحملون نتائج سلبية لفحوصات كورونا حديثة. المطاعم المتمردة ستفعل الشيء نفسه. والآن سيتم سحب الحكومة في نفس الاتجاه – التطلع إلى إعادة فتح الصالات الرياضية والمقاهي والفعاليات الثقافية والمزيد، ولكن فقط للمتطعمين ولأولئك الذين يحملون نتائج فحص كورونا سلبية، مع فرض رسوم على الفحوصات بهدف تشجيع المزيد من المواطنين على تلقي التطعيم.

في ظهورها على القناة 12 يوم الاثنين، احتجت المرأة التي تقف وراء مجموعة فيسبوك المحظورة على أنه من غير المنصف أن تُعامل “كمواطنة درجة ثانية”  من خلال منعها من دخول مراكز التسوق لأنها لا تريد تلقي التطعيم. على أمل، كما أشارت في احتجاجها الاستباقي، أن تشكل إعادة فتح إسرائيل بشكل تدريجي للمتطعمين حافزا قويا.

مقطع من البرنامج الساخر ’إيرتس نهديرت’: إشارات ضوئية للمشاة؟ قل لا.
(Channel 12 screenshot)

الاستهزاء من رافضي التطعيم يمكن أن يساعد أيضا. برنامج “إيرتس نهديرت” (بلد رائع) الساخر الذي تعرضه القناة 12 أعاد هذا الأسبوع تمثيل مقطع هزلي  تظهر فيه الأم المؤسسة لـ”مجموعة مناهضي الإشارة الضوئية” المكرسة لتعليم الأطفال تجاهل إشارات عبور المشاة عند عبور الشارع. في المقطع تقول الممثلة “ضرب مصد السيارة هو اختيار واع؟ من قال أن عليك تجنب تعرضك للدهس؟”

صحيح. عدم تلقي لقاح منقذ للحياة هو اختيار واع. من قال أنه ينبغي عليك تجنب وباء فتاك؟

للأسف، على أي حال، فإن الثقل الهائل للأدلة المباشرة التي تظهر الضعف المستمر تجاه كوفيد لأولئك الذين لم يتلقوا التطعيم سيحطم تدريجيا جميع الشكوك باستثناء تلك الأكثر رسوخا، حيث أنه لن يكون بالإمكان إقناع المتطرفين المناهضين للتطعيم، ولكن على المرء أن يؤمن أن الغالبية العظمى لا تزال قادرة على استجماع الفطرة السليمة المنقذة للحياة.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال