إسرائيل في حالة حرب - اليوم 290

بحث

دليل آخر على الكارثة الإنسانية في غزة: توقف تدفق مياه الصرف الصحي إلى البحر

كشفت صور الأقمار الصناعية في الأسابيع الأخيرة عن اختفاء مياه الصرف الصحي في البحر؛ "عندما لا يوجد ماء، لا توجد حمامات، ولا توجد مراحيض - ولا صرف صحي"

مياه الصرف الصحي تتدفق في قطاع غزة، في يونيو 2022 (MOHAMMED ABED / AFP)
مياه الصرف الصحي تتدفق في قطاع غزة، في يونيو 2022 (MOHAMMED ABED / AFP)

أمرا غريبا حدث لمياه الصرف الصحي في قطاع غزة في الأسابيع الأخيرة: لقد اختفت.

قال خبير في مجال الصرف الصحي أنه “لا يمكن أن تختفي مياه الصرف الصحي لأكثر من مليوني شخص كما لو أن الأرض ابتلعتها”، وأضاف بسخرية: “على الرغم من أنه في هذه الحالة قد تكون الأرض ابتلعتها حقا، وهي تتسرب إلى المياه الجوفية وتلوث الكمية القليلة من المياه الصالحة للشرب المتبقية في قطاع غزة”.

السؤال عما حدث لمياه الصرف الصحي لسكان قطاع غزة يأتي في أعقاب دراسة للصور الفضائية التي توثق تدفق مياه الصرف الصحي بالقرب من شواطئ غزة وإسرائيل.

في الأسابيع الأولى من الحرب، أظهرت صور الأقمار الصناعية تحقق السيناريو الذي كانت إسرائيل تخشى حدوثه: انهيار شبكة الكهرباء في قطاع غزة وإغلاق محطات معالجة مياه الصرف الصحي أدى إلى تدفق مياه الصرف الخام إلى البحر، ومن هناك شمالا إلى شواطئ إسرائيل.

في صورة القمر الصناعي المرفقة هنا، من تاريخ 28 أكتوبر (بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب وقرب بداية العملية البرية)، يتبين بوضوح أن مياه الصرف الصحي من القطاع تصل إلى شاطئ زيكيم بالقرب من الحدود، وتستمر شمالا نحو شواطئ عسقلان وصولا إلى نيتسانيم وبالماحيم.

في المقابل، في صورة التقطتها الأقمار الصناعية من بداية شهر يناير، بعد إجلاء معظم السكان من شمال قطاع غزة إلى مدينة الخيام الضخمة في رفح، لم يظهر أي تدفق لمياه الصرف الصحي إلى البحر تقريبا – لا من غزة ولا من إسرائيل. وبدلا من أن يزداد الوضع سوءا، يبدو أنه تحسن بالفعل مع تقدم الحرب. كيف حدث ذلك؟

يمين: تدفق مياه الصرف الصحي من غزة إلى عسقلان في 28 أكتوبر 2023؛ يسار: تدفق مياه الصرف الصحي من رفح إلى عسقلان في 4 يناير 2024. يشير اللون البرتقالي إلى وجود نسبة عالية من الكلوروفيل (Ministry of Environmental Protection)

بدأت وزارة حماية البيئة ووزارة الصحة في عام 2013 بمراقبة عمليات التصريف من القطاع إلى البحر باستخدام صور الأقمار الصناعية. ويتم جمع الصور وتحليلها في معهد أبحاث البحار والبحيرات.

ويقول الدكتور درور تسوريل، المشرف العلمي للرصد والأبحاث البحرية في وزارة حماية البيئة: “يوفر نظام المراقبة عبر الأقمار الصناعية، المسمى SISCAL، قياسات لدرجة حرارة المياه وتعكر المياه وتركيز الكلوروفيل”.

“الكلوروفيل هو صبغة تنتجها النباتات والطحالب، ويمكن رؤيته بمساعدة كاميرا في الأقمار الصناعية تعمل بالأشعة تحت الحمراء. وبما أن الطحالب تزدهر عندما يكون هناك الكثير من المواد العضوية والأسمدة في الماء، مثل تلك الموجودة في البراز، فارتفاع تركيز الكلوروفيل في الماء يشير إلى ازدهار الطحالب المجهرية وهذا علامة ممتازة لوجود مياه الصرف الصحي”.

قبل بداية الحرب، كانت هناك ست محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي تعمل في قطاع غزة، رغم أنها لم تكن خالية من المشاكل. وقعت سلسلة من هذه المشاكل في الفترة ما بين الصيف الماضي والأعياد، عندما لاحظت إسرائيل تدفق كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي الخام إلى مصادر مياه مثل ناحال حانون، وبالطبع البحر. وخلال عطلة عيد العرش، تم إغلاق شاطئ الاستحمام في زكيم وبعض شواطئ عسقلان بسبب التركيزات العالية لبكتيريا الإشريكية القولونية في المياه.

محطة معالجة مياه الصرف الصحي في قطاع غزة بالقرب من مخيم البرج للاجئين في يونيو 2022 (MOHAMMED ABED / AFP)

وتدهورت الأوضاع بسرعة مع اندلاع الحرب، وتوقفت مرافق معالجة مياه الصرف الصحي عن العمل مع انقطاع التيار الكهربائي عن قطاع غزة. وفي إسرائيل بدأوا برصد صور الأقمار الصناعية بشكل يومي ورأوا كيف تتحرك كتل البراز الضخمة في البحر شمالا باتجاه شواطئ إسرائيل. كان هناك خوف من تفاقم المسألة، ولكن هنا حدث تحولا مفاجئا.

وقال الدكتور تسوريل: “منذ انتقال القتال وغالبية السكان إلى الجنوب، شاهدنا الجزء الأكبر من التصريف جنوب رفح. ونادرا ما تشهد إسرائيل تركيزات عالية للملوثات. ويبدو أنه في طريقه شمالا، انخفض تركيزه حتى لم نعد نتمكن من رؤيته بالقرب من محطات تحلية المياه أو على الشواطئ.

“لقد طلبنا من البحرية أخذ عينة من زيكيم، لكن ذلك لم يحدث بعد. محطة تحلية المياه في عسقلان، التي تختبر باستمرار مياه البحر التي تضخها وتحولها إلى مياه للشرب، تعلن منذ أكثر من شهر أن المياه الخام نظيفة للغاية وذات جودة عالية”.

أحد الخبراء في المجال يقدم تفسيرا كئيبا لاختفاء مياه الصرف. ويقول إن المعجزة البيئية الصغيرة التي حدثت لنا هي نتيجة للكارثة الإنسانية الشديدة التي تتكشف في غزة.

ويقول الخبير، الذي فضل عدم الكشف عن هويته بسبب عمله الحساس بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني: “أنا أعرف صور الأقمار الصناعية. السبب في عدم وجود مياه صرف صحي في البحر بسيط للغاية: لا يوجد لدى سكان غزة مياه”.

نازحون فلسطينيون يقفون في طابور للحصول على المياه في رفح، 9 فبراير 2024 (Mohammed ABED / AFP)

ويوضح قائلا: “يستخدم المواطن الإسرائيلي العادي أكثر من 100 لتر من الماء يوميا. قبل الحرب، كان الفلسطيني من قطاع غزة يستخدم 60 لترا من الماء يوميا. واليوم، يحصل كل فلسطيني في غزة على ما معدله 3 لترات من الماء يوميا. النازحون في مدينة الخيام لا يستحمون، وليس لديهم منازل لتنظيفها، ولا مراحيض، ولا غسالة”.

“عليك أن تفهم أن البول والبراز في حد ذاته جزء صغير مما يتدفق عبر المجاري في منزل عادي. معظم المياه تأتي من الحمام والمرحاض. واليوم، حتى المراحيض التي يستخدمها أكثر من مليون لاجئ في رفح عبارة عن مراحيض بدون مياه، ومرافق متنقلة من النوع الذي يوضع في المناسبات الرياضية أو الحفلات الكبيرة”.

“يوجد مرفق كهذا لكل مائة شخص، يقف الناس في طوابير لساعات طويلة للوصول إلى المراحيض. وهناك منظمات تدفع للناس المال لتنظيفها من أجل الوقاية من الأمراض”.

وتقع محطة معالجة مياه الصرف الصحي الوحيدة في قطاع غزة التي لا تزال تعمل في رفح، وإن لم تكن تعمل بكامل طاقتها. مع قطع الكهرباء، تعمل المنشأة بمولد كهربائي، وفقا لإمدادات الوقود التي تصل ضمن المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع. وترتبط معظم منازل البلدة بالمولد، لكن بعض الأنابيب تضررت أثناء الحرب.

ويقول المصدر: “عليهم إخراج مياه الصرف الصحي من المدينة، ولهذا السبب يبذلون قصارى جهدهم لتفعيل المضخات التي تنقل مياه الصرف الصحي إلى محطة معالجة المياه. عندما برر رئيس مجلس الامن القومي تساحي هنغبي مسألة دخول الوقود، أوضح أنه إذا لم يتم جلب الوقود فلن يتمكنوا من إخراج مياه الصرف الصحي من المدن وسيشكل ذلك تهديدا لجنودنا أيضا”.

شاحنة وقود عند معبر رفح على مدخل قطاع غزة، 19 نوفمبر 2023 (AFP)

لكن يجب أيضا تفريغ ما يتراكم في المراحيض المتنقلة. “عندما تكون المراحيض قريبة من محطة معالجة مياه الصرف الصحي، فإنهم يحضرونها إليها. وعندما تكون قريبة من البحر، يلقون محتوياتها في البحر. ولكن في معظم الأوقات لا يوجد وقود، ويخاف الناس من التحرك أيضا، لذلك عادة ما يرمونها في أقرب موقع للنفايات”.

“النفايات، وهي مزيج من الغذاء والصرف الصحي، هي أكبر تهديد في الوقت الحالي فيما يتعلق بالصحة العامة في غزة وخطر تفشي الأوبئة”.

كما تذكر العلاقة بين كمية مياه الصرف الصحي ورفاهية السكان بمسألة مماثلة في مجال النفايات: لقد أظهرت دراسات أخذت عينات من صناديق القمامة أن الأحياء الغنية فيها نفايات أكثر بكثير مقارنة بالمناطق التي يسكنها الفقراء الذين يكتفون بالغذاء الأساسي.

حيثما يوجد المال، توجد ثقافة استهلاكية – وحيثما توجد ثقافة استهلاكية، يوجد الكثير من النفايات. وبالمثل، يمكن القول أن لدى الناس في ثقافة وفيرة إمكانية الوصول إلى المياه – وعندما يكون هناك ماء، يكون هناك مياه صرف صحي.

إذا خلاصة الأمر هي أنه لا توجد مياه صرف صحي في البحر لأنه لا توجد مياه في غزة.
“صحيح. هكذا تبدو الأمور عندما لا يحصل أكثر من مليون شخص على المياه. ومن المفارقات أن البحر النظيف هو دليل على حقيقة أزمة المياه في قطاع غزة”.

اقرأ المزيد عن