خوض حزب “التجمع” للإنتخابات بشكل مستقل أظهر ما قد يكون ممكنا، لكن النتيجة كانت قاتلة هذه المرة
بحث
تحليل

خوض حزب “التجمع” للإنتخابات بشكل مستقل أظهر ما قد يكون ممكنا، لكن النتيجة كانت قاتلة هذه المرة

نسبة التصويت لا تزال منخفضة مقارنة بسنوات تحالف القائمة المشتركة، لكن نتائج الانتخابات تشير إلى أن خوض الانتخابات معا قد لا يكون ضروريا للأحزاب العربية

رجل يمر من أمام لوحة إعلانية لحملة انتخابية تحمل صورة سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني، في مدينة أم الفحم شمال إسرائيل، الجمعة 21 أكتوبر، 2022. (AP / Mahmoud Elean)
رجل يمر من أمام لوحة إعلانية لحملة انتخابية تحمل صورة سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني، في مدينة أم الفحم شمال إسرائيل، الجمعة 21 أكتوبر، 2022. (AP / Mahmoud Elean)

من الصعب أن يشعر المواطنون العرب في إسرائيل بالرضا عن نتائج انتخابات ليلة الثلاثاء وهم في انتظار تشكيل حكومة جديدة لن تمنح أحزابهم أي مساحة لممارسة تأثير حقيقي.

ظل عدد ممثلي الأحزاب العربية في الكنيست ثابتا عند 10 – هذه المرة، خمسة مقاعد لكل من “القائمة العربية الموحدة” وتحالف “الجبهة-العربية للتغيير” – على الرغم من ارتفاع نسبة التصويت العربية مقارنة بالانتخابات الأخيرة.

بعد انفصال حزب “التجمع” عن الجبهة-العربية للتغيير ذات الغالبية العربية – معا كانت تُعرف هذه الأحزاب باسم “القائمة المشتركة” في الجولات الانتخابية القليلة السابقة – تم هدر نحو 140 ألف صوت ذهبت لحزب التجمع بسبب فشل الحزب القومي في تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25%.

في النهاية، مع فشل حزب “ميرتس” اليساري أيضا في تجاوز نسبة الحسم، فاز نتنياهو وحلفاؤه من اليمين المتطرف والأحزاب الحريدية بما مجموعه 64 مقعدا، أي ثلاثة مقاعد أكثر مما هو مطلوب لتشكيل حكومة أغلبية والتي، إذا لم تحدث أي مفاجآت كبيرة، ستشمل متطرفين من اليمين الذين سيتم تعيينهم في مناصب سيكون لها تأثير على تشكيل الحياة اليومية للمواطنين العرب في إسرائيل.

قد يجد المواطنون العرب بعض العزاء، وإن لم يكن كافيا، في حقيقة أن غالبية الناخبين (50.5%) صوتوا لأحزاب غير منحازة لنتنياهو.

وأثارت نتيجة الانتخابات ردود فعل غاضبة، لا سيما في المجتمع العربي، على تداعيات محاولة حزب التجمع المتشدد والمناهض للصهيونية خوض الانتخابات بشكل مستقل واستنزاف الأصوات من الجبهة-العربية للتغيير والقائمة الموحدة.

رئيس حزب التجمع، عضو الكنيست سامي أبو شحادة، يصل للإدلاء بصوته في 1 نوفمبر 2022 في يافا (Tomer Neuberg/Flash90)

وقال رئيس القائمة الموحدة منصور عباس بعد أن أظهرت نتائج العينات التلفزيونية تفوق كتلة نتنياهو وفشل حزب التجمع في تجاوز نسبة الحسم: “بلا شك هناك غضب في القلب ضد ما يُسمى الحزب الوطني… هم يتحملون مسؤولية عودة نتنياهو ورئيس حزب ’الصهيونية المتدينة’ بتسلئيل سموتريتس إلى السلطة”

في أبريل 2021، قال سموتريتش لنواب عرب في الكنيست “أنتم هناك بالخطأ. لقد أخطأ أول رئيس وزراء لإسرائيل دافيد بن غوريون عندما لم ينه المهمة ولم يطردكم في عام 1948”.

في يوم الانتخابات، ناشد زعيم الجبهة-العربية للتغيير أيمن عودة الناخبين العرب بالذهاب إلى صناديق الاقتراع، وقال في رسالة صدرت في وقت متأخر من بعد ظهر يوم الانتخابات: “ليس في كل انتخابات يكون صوتك حاسما. في هذه الانتخابات، الأمر كذلك!”

زعيم الجبهة-العربية للتغيير، أيمن عودة، يدلي بصوته في مركز اقتراع في حيفا، 1 نوفمبر، 2022. (Roni Ofer / Flash90)

كان عودة محقا، لكن ربما ليس بالطريقة التي كان يأملها. لعبت نسبة التصويت العربية، التي لا تزال متخلفة بشكل كبير عن نسبة إقبال اليهود الإسرائيليين على صناديق الاقتراع وكانت منخفضة حتى مقارنة بالسنوات الأخرى، دورا رئيسيا في انتصار نتنياهو.

لكن الانتخابات كانت حاسمة أيضا في إظهار أن مسألة مدى عمق الانخراط والتعاون مع هياكل السلطة الإسرائيلية لا تزال مفتوحة في المجتمع العربي وممزقة بين فكرة  حزب القائمة الموحدة عن التسوية من أجل الحصول على مقعد مؤثر على الطاولة ورفض حزب التجمع القاطع للتعاون مع الاحزاب الصهيونية.

ومن المرجح أن هذه المسألة كانت حاسمة في ترسيخ الصدع بين الأحزاب الأربعة التي اتحدت في السابق تحت شعار “القائمة المشتركة”، وأعطت مزيدا من الأدلة على أن خوض الانتخابات كحزب عربي مستقل ليس مستحيلا.

ارتفاع نسبة التصويت، لكن مقارنة بنسبة منخفضة أصلا

في بداية هذه الحملة الانتخابية، توقعت بعض استطلاعات الرأي أن تنخفض نسبة التصويت العربية إلى أقل من النسبة المنخفضة تاريخيا أصلا التي وصلت إليها في العام الماضي وبلغت 44.6%.

يعزو معظم المحللين الانخفاض الكبير في نسبة التصويت في عام 2021 إلى عاملين: شعور في صفوف مواطني إسرائيل العرب بأن الحكومة لا يمكنها تخفيف المشاكل في بلداتهم وثانيا، الافتقار إلى الوحدة بين الأحزاب العربية.

بعد أن اندمجت الأحزاب العربية الرئيسية الأربعة في القائمة المشتركة لأول مرة في عام 2015، كان إقبال المواطنين العرب على صناديق الاقتراع مرتفعا بشكل عام في الانتخابات عندما شكلت الجبهة والعربية للتغيير والقائمة الموحدة والتجمع جبهة موحدة. عندما كان هناك انقسامات، ابتعد الناخبون العرب عن صناديق الاقتراع، على ما يبدو لمعاقبة أحزابهم على الاقتتال فيها بينهم بدلا من التكاتف.

لوحات إعلانية للانتخابات في مدينة رهط البدوية في 25 أكتوبر 2022 قبل الانتخابات الإسرائيلية في 1 نوفمبر. (HAZEM BADER / AFP)

في عام 2021، تركت القائمة الموحدة تحالف القائمة المشتركة لبدء حملة مستقلة. هذه المرة، على الرغم من انشقاق التجمع عن القائمة المشتركة، ازدادت نسبة التصويت العربية بشكل طفيف إلى 53.2%. ومع ذلك، كان هذا الرقم أقل بكثير من نسبة التصويت العامة التي بلغت 71.3%، ولم يرق إلى السنوات التي كانت فيها القائمة المشتركة موحدة.

اختار بعض الناخبين العرب الامتناع عن التصويت بدافع نفورهم من السياسيين الذين رأوا أنهم يضعون المصالح الشخصية قبل مصلحة المجتمع. لكن هذا الامتناع قابله جزئيا الناخبون المتحمسون لحملة التجمع المستقلة.

وجاءت دفعة أخرى لمشاركة الناخبين العرب من جهود التعبئة التي تكثفت على مدار الدورة الانتخابية بعد أن أثار ضعف الاقبال على صناديق الاقتراع في المرة الماضية مخاوف بشأن الاستياء العربي من السياسات الانتخابية.

يقول ألون-لي غرين، متحدث باسم “نقف معا”، وهي منظمة مجتمع مدني عملت على دفع الناخبين العرب إلى الخروج إلى التصويت، إن تحالفا من المنظمات ساعد في رفع نسبة التصويت.

وقال: “في المدينة الرئيسية التي عملنا فيها، رهط – التي أصبحت قبل بضعة أشهر فقط أكبر مدينة عربية في إسرائيل – تمكنا من رفع نسبة التصويت من 41% إلى ما يقرب من 61%”.

ومع ذلك، نسبة تصويت المواطنين العرب لم تصل إلى ذروتها – في نطاق 60% – كما حدث عندما خاضت جميع الأحزاب الأربعة الانتخابات في قائمة واحدة.

الصوت المؤثر

طوال الحملة الانتخابية، كانت الكلمة التي استمرت في الظهور في إعلانات الأحزاب العربية وفي المنازل العربية الإسرائيلية هي “التأثير”. حول حزب القائمة الموحدة كمة “التأثير” إلى شعاره في الانتخابات الأخيرة، عندما أصبح أول حزب عربي على الإطلاق ينضم إلى ائتلاف حاكم. جادل الحزب أن بالامكان تحقيق مكاسب أكبر عند المشاركة في اللعبة من مجرد البقاء على الهامش باسم النقاء الأيديولوجي.

الفكرة أدت إلى انشقاق القائمة الموحدة عن القائمة المشتركة، لكن وجدت لها جمهورا، وخالف الحزب التوقعات عندما نجح بحشد الأصوات الكافية لدخول الكنيست. لدى نيله الاستقلال، تبنى الحزب شعار “واقعي، مؤثر ومحافظ”.

هذه المرة، أعلنت لافتات القائمة الموحدة التي انتشرت في البلدات العربية أن الحزب “أقرب للتأثير”، ولا بد أن الرسالة ضربت على وتر حساس، حيث أن الحزب أصبح الحزب العربي الأكثر شعبية مع ظهور نتائج الانتخابات، حيث حصل على 15 ألف صوت أكثر من الجبهة-العربية للتغيير.

زعيم حزب القائمة العربية الموحدة منصور عباس في مقر حملته الانتخابية في بلدة طمرة العربية الإسرائيلية، مع إعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية، 1 نوفمبر 2022 (Flash90)

أجبرت مناورة القائمة الموحدة الأحزاب العربية على التفكير في مقدار الالتزام بالمبادئ الأيديولوجية من أجل ممارسة التأثير مع الأحزاب السياسية المهيمنة.

ويعتقد معظم المواطنين العرب أن الأموال التي نجحت القائمة الموحدة في تخصيصها للمجتمع – والتي لا تزال عالقة في الإجراءات البيروقراطية – لم يكن لها تأثير عملي على حياتهم. ومع ذلك، تظهر استطلاعات الرأي أن معظم الناخبين العرب سيدعمون وجود حزب عربي في الإئتلاف الحاكم.

هذه الانتخابات، أعرب تحالف الجبهة-العربية للتغيير عن استعداده للنظر في التوصية بلبيد رئيسا للوزراء شريطة أن يفي الأخير بشروط معينة – وهذه خطوة نحو التعاون، حتى لو كان الحزب لا يزال يعارض الانضمام بشكل فعلي إلى إئتلاف برئاسة لبيد أو أي زعيم حزب آخر. لشعاره، تبنى تحالف الجبهة-العربية للتغيير شعار “نؤثر لكن بكرامة”، في انتقاد ضمني للقائمة الموحدة، التي فقدت ماء وجهها في صفوف العديد من مواطني إسرائيل العرب لبقائها في الإئتلاف الحاكم خلال مواجهات بين الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين في الحرم القدسي في أبريل الماضي.

الحزب الأقل استعدادا للتفكير في التعاون مع الأحزاب السياسية ذات الأغلبية اليهودية هو حزب التجمع، الذي أفادت تقارير أنه قطع العلاقات مع تحالف الجبهة-العبرية للتغيير بسبب استعداده التوصية برئيس وزراء، فضلا عن الخلافات حول كيفية تقسيم المواقع في قائمة مشتركة.

الانقسامات حول هذه المسألة داخل المجتمع العربي الإسرائيلي تتداخل بشكل عام مع الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية. وتحصل القائمة الموحدة على الكثير من دعمها من صحراء النقب في جنوب إسرائيل، حيث يرغب العديد من المواطنين العرب في الحصول على اعتراف رسمي بمساكنهم غير المرخصة وتوصيلها بالمرافق الأساسية مثل الكهرباء. وفي الوقت نفسه، فإن قاعدة ناخبي حزب التجمع الحضرية والأكثر تعلما مهتمة أكثر بالاحتياجات السياسية العليا مثل تأكيد هويتها الفلسطينية.

قائمة مفككة

ظهرت القائمة المشتركة لأول مرة في عام 2015، بعد أن صوت الكنيست على رفع الحد الأدنى للانتخابات من 2% إلى 3.25% – وهي خطوة تم إدانتها على نطاق واسع باعتبارها حيلة لإحباط تمثيل الأحزاب العربية في الكنيست من خلال تحديد نسبة سيصعب على هذه الأحزاب تجاوزها.

بدلا من ذلك، وحدت الأحزاب الأربعة في الكنيست قواها لضمان دخولها جميعا. كان هذا زواج إجباري أكثر من كونه زواجا بين العقول، حيث أن الأحزاب التي تتراوح أفكارها بين الشيوعية والمبادئ الإسلامية قدمت تنازلات للالتفاف حول قدرتها على توحيد الناخبين العرب في إسرائيل.

لكن نجاح حزب القائمة الموحدة بعد خوضه الانتخابات بشكل مستقل في جولتين انتخابيتين، وحقيقة أن بضعة عشرات آلاف الأصوات فقط منعت حزب التجمع من دخول الكنيست، يثبتان أن خوض الانتخابات بشكل مستقل هو أمر ممكن وقد لا يكون من الصعب على التجمع تجاوز نسبة الحسم في المرة المقبلة. الناخبون موجودون: بشكل أساسي بما أنه لا يمكن الفوز بنصف مقعد فقد تم إهدار حوالي 30 الف صوت فائض بين العربية الموحدة والجبهة-العربية للتغيير.

لافتة انتخابية في قرية حورة في النقب، 7 أكتوبر، 2022. (HAZEM BADER / AFP)

تم انتقاد خوض التجمع للانتخابات بشكل مستقل، مثل القائمة الموحدة من قبله، باعتبار المحاولة مناورة خيالية ومدمرة من شأنها الحاق الضرر بالمجتمع. وفي النهاية كان منتقدو الخطوة محقين بشأن المقاعد، ولكن ليس بشأن كل شيء.

قال المعلق السياسي العربي في القناة 12، محمد مجادلة، بعد إعلان التجمع عن خوض الانتخابات بشكل مستقل إن الحزب سيحصل على بعض الدعم من الناخبين العرب الذين صدقوا إلى حد كبير رواية الحزب بشأن الأسباب التي تقف وراء الانقسام.

وتوقع مجادلة أن يفوز حزب التجمع في النهاية بحد أقصى يتراوح بين 90-100 ألف صوت، واصفا احتمال تحقيق مثل هذا العدد الكبير من الأصوات بأنه “بعيد المنال بعض الشيء، لكنه ليس مستحيلا”. التجمع حصل في النهاية على 138 ألف صوت.

كان لرسالة التجمع صدى في أجزاء من الشارع العربي، ومن الروايات المتناقلة، لا يبدو أن معظم الناخبين العرب يلومون رئيس التجمع سامي أبو شحادة على “سرقته” المفترضة للأصوات التي كان من الممكن أن تضيف مقاعد عربية إلى الكنيست. بالأحرى يحظى أبو شحادة بإعجاب على نطاق واسع.

في الحفل الذي أقيم بعد الانتخابات في مدينة شفاعمرو العربية بشمال البلاد، تألف حشد المناصرين إلى حد كبير من الشباب – العديد منهم من الشابات، وهي فئة ديموغرافية كان لها تمثيل أقل بشكل ملحوظ في مقر الجبهة-العربية للتغيير في نفس الليلة.

تقول مي (22 عاما)، وهي طالبة حقوق تأمل في العمل في مجال حقوق الانسان، إنها “متفاجئة وفخورة” بأداء التجمع. “في التجمع تشعر أنك لست بحاجة إلى التخلي عن مبادئك، وأنك لست بحاجة إلى التخلي عن جذورك… لا أريد أن أكون شريكة في إئتلاف أعرف أنه لن يفعل ما هو الأفضل لشعبي”.

اتضح أن الناخبين العرب في إسرائيل ليسوا كتلة واحدة. هناك أصوات للأحزاب التي ترغب في الانخراط في النظام السياسي الإسرائيلي بطرق يمكن أن تحقق نتائج ملموسة، وهناك أصوات لأحزاب ليست جاهزة بعد ولكنها مستعدة أيضا للنظر في الاحتمال، وهناك أصوات لمواطنين عرب يشعرون بخيبة أمل كبيرة من النظام السياسي في إسرائيل بحيث يرون أن السياسة ليست وسيلة لإحداث التغيير بطرق ملموسة أكثر من كونها وسيلة للحفاظ على كرامتهم والاحتفاء بهويتهم.

لو أدلى 15 ناخب محبط آخر بأصواتهم للتجمع، فربما قد يكون نتنياهو لا يزال يبحث الآن عن المقعد رقم 61.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال