خسائر الحرب: الثمن المتزايد لتقاعس دعم حل الدولتين في إسرائيل
بحث
مقال رأي

خسائر الحرب: الثمن المتزايد لتقاعس دعم حل الدولتين في إسرائيل

ليس هناك طريق آمن نحو اتفاق، وصعود حماس يظهر مخاطر الانسحاب. لكن التوقف عن دعم حل الدولتين، حتى من حيث المبدأ، يجعل إسرائيل أكثر هشاشة عند اندلاع الصراع

دافيد هوروفيتس

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

(من اليسار إلى اليمين) رئيس المجلس الإقليمي غور الأردن، دافيد إلحياني، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسكرتير الحكومة تساحي برافرمان، يصفقون بعد أن صادقت الحكومة على شرعنة بؤرة ميفؤوت يريحو الاستيطانية في الجلسة الأسبوعية للحكومة التي عُقدت في غور الأردن، 15 سبتمبر، 2019.  (Haim Tzach/GPO)
(من اليسار إلى اليمين) رئيس المجلس الإقليمي غور الأردن، دافيد إلحياني، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسكرتير الحكومة تساحي برافرمان، يصفقون بعد أن صادقت الحكومة على شرعنة بؤرة ميفؤوت يريحو الاستيطانية في الجلسة الأسبوعية للحكومة التي عُقدت في غور الأردن، 15 سبتمبر، 2019. (Haim Tzach/GPO)

بغض النظر عن أن حماس منظمة إرهابية إسلامية قمعية، وكارهة للنساء، ومعادية للمثليين، وتطلق آلاف الصواريخ بشكل عشوائي على المدنيين الأبرياء في جميع أنحاء دولة إسرائيل بينما تستخدم مواطنيها كدروع بشرية. وبغض النظر عن أن حماس لا تسعى لتسوية مع إسرائيل، أو تسوية تتعلق بالأرض مع إسرائيل،  وإنما تسعى إلى محو إسرائيل عن الخريطة.

بغض النظر عن أن إسرائيل أجبرت 8000 يهودي على ترك منازلهم في غزة قبل 16 عاما، وسحبت جيشها إلى حدود ما قبل عام 1967، مما أثار إعجاب الكثيرين في المجتمع الدولي واستحسانهم. بغض النظر عن أن إسرائيل، بشكل متقطع على مر السنين، عرضت التخلي عن معظم الضفة الغربية أيضا – معظم يهودا والسامرة ، قلب وطننا التوراتي، والتفسير التاريخي لعودة شعبنا الحديثة إلى هذا الجزء من العالم – لكن ذلك لم ينجح في المقابل بتأمين ضمانات موثوقة بأننا لن نستمر في مواجهة الجهود لتدميرنا عسكريا أو عبر ما يسمى بـ “حق العودة”.

بغض النظر عن أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وصف ياسر عرفات بشكل صائب بأنه الإرهابي غير القابل للإصلاح والذي قضى على آخر جهود جادة للتفاوض بشأن التسوية. بغض النظر عن أنه في أعقاب هذا الفشل، قبل عقدين من الزمن، شرعت كل من حركة فتح بزعامة عرفات وحركة حماس الإسلامية في شن هجمات انتحارية استهدف إسرائيل، وجعل الكثير من الإسرائيليين من التيار السائد يقتنعون بعدم وجود أي قدر كاف من التنازل عن الأرض من شأنه أن يرضي الفلسطينيين، بكلمات أخرى، أن التنازل عن الأرض لن يؤدي إلى السلام المنشود، بل سيوفر فقط لأعدائنا ظروفا محسنة للمضي قدما في خططهم المرحلية للقضاء علينا.

بغض النظر عن أن خليفة عرفات، محمود عباس، قال لشعبه إن إسرائيل هي “مشروع استعماري لا علاقة له باليهودية”، وينفي، مثل عرفات، ارتباط اليهود بأقدس مكان في عقيدتنا، جبل الهيكل (الحرم القدسي).

الرئيس الأمريكي كلينتون ورئيس الوزراء باراك والزعيم الفلسطيني عرفات في كامب ديفيد بولاية ماريلاند ، 11 يوليو 2000 (AP Photo / Ron Edmonds، File)

ما أوضحه الصراع الأخير الذي استمر 11 يوما بين حماس وإسرائيل أكثر من أي وقت مضى هو أنه لا شيء من هذا مهم لأن القيادة الإسرائيلية لم تعد تؤيد، حتى من الناحية النظرية، حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

المسألة هنا ليست ما إذا كنت تعتبر هذا التحول في موقف إسرائيل مفهوما أو أساسيا أو مؤسفا، أو تعتبر هذا الكاتب حكيما أو أحمقا أو وطنيا أو خائنا في إشارته إلى ذلك. هذا لا يهم أيضا.

ما يهم هو أن حكومة إسرائيل، بدعم من نسبة متزايدة من ناخبيها – وخاصة بسبب الصدمة المستمرة من حملة عمليات التفجير في الانتفاضة الثانية، التي انطلقت من مدن الضفة الغربية حيث تخلت إسرائيل عن سيطرتها للفلسطينيين – لم تعد تطمح علنا للإطار التفاوضي الذي هو في صميم شرعيتنا الدولية. لم تعد تؤيد الأساس ذاته الذي تم على أساسه إحياء الوطن اليهودي القديم كدولة بموافقة الأمم المتحدة في عام 1947. “لا يمكن أن يكون هناك وضع، بموجب أي اتفاق، نتخلى فيه عن السيطرة الأمنية على المنطقة الواقعة غرب نهر الأردن”، كما قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إبان آخر صراع كبير مع حماس في يوليو 2014.

في مواجهة حركة حماس الدنيئة، التي بادرت بلا جدل إلى المرحلة العسكرية من هذه الحرب الصغيرة بإطلاق وابل من الصواريخ تجاه القدس في 10 مايو، وتقمع سكان غزة، وستطيح بعباس من الضفة الغربية في غمضة عين إذا استطاعت ذلك، وبالطبع لا تريد أي علاقة بأي تسوية تقوم على مبدأ دولتين، إلا أن إسرائيل متهمة على نطاق واسع بالتصعيد وعواقبه

وبما أن إسرائيل قد تحركت تدريجيا نحو تقليص قابلية استمرار حل الدولتين – من خلال توسيع المستوطنات حتى في مناطق الضفة الغربية التي ستضطر للتخلي عنها من أجل التوصل إلى اتفاق، ومن خلال السعي إلى الضم الأحادي لأجزاء من يهودا و السامرة – انضم تدريجيا إلى أكثر أعدائنا عنادا  آخرون ممن كانوا يعتبرون أنفسهم في السابق من أنصارنا.

وصل هذا التحول إلى آفاق جديدة مع الجولة الأخيرة من الصراع. في مواجهة حركة حماس الدنيئة، التي بادرت بلا جدل إلى المرحلة العسكرية من هذه الحرب الصغيرة بإطلاق وابل من الصواريخ تجاه القدس في 10 مايو، وتقمع سكان غزة، وستطيح بعباس من الضفة الغربية في غمضة عين إذا استطاعت ذلك، وبالطبع لا تريد أي علاقة بأي تسوية تقوم على مبدأ دولتين، إلا أن إسرائيل متهمة على نطاق واسع بالتصعيد وعواقبه.

“قُتل 22 شخصا في هذا المبنى يوم الثلاثاء عندما أصابته غارة جوية إسرائيلية، من ضمنهم طبيب وعائلته. يقولون أن لا أحد هنا على صلة بحماس”، كما جاء في تقرير لشبكة CBS بعد وقت قصير من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ملمحة إلى الوحشية أو اللامبالاة الإسرائيلية، أو كلاهما.

هذا غير منصف؟ هذا لا يهم أيضا.

أنصار حماس الفلسطينيين يحتفلون بنهاية الصراع الذي استمر 11 يوما مع إسرائيل، في خانيونس، جنوب قطاع غزة، 21 مايو، 2021. ( SAID KHATIB / AFP)

بعد ظهر يوم الجمعة، بعد ساعات من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، قال نتنياهو “كثيرون في العالم قادرون على التمييز بين إسرائيل، دولة ديمقراطية تقدس الحياة ولديها الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، وبين منظمة إرهابية متعطشة للدماء تقدس الموت وترتكب جريمة حرب مزدوجة: إطلاق النار عمدا على مدنيينا وفي الوقت نفسه استخدام مدنييها كدروع بشرية”.

بالفعل، الكثيرون في العالم قادرون على القيام بهذا التمييز. لكن هذا لا يهم بقدر ما كان عليه من قبل.

الرئيس الأمريكي جو بايدن يتحدث عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس الحاكمة لغزة، في قاعة كروس بالبيت الأبيض، 20 مايو، 2021، في واشنطن. (AP Photo / Evan Vucci)

يوم الجمعة، قال الرئيس الأمريكي جو بايدن “ما زال حزبي يدعم إسرائيل. لا يوجد هناك تغيير في التزامي بأمن إسرائيل، نقطة، لا تغيير على الإطلاق. ولكن سأقول لكم أين التغيير. يكمن التغيير في أننا ما زلنا بحاجة إلى حل الدولتين. إنه الجواب الوحيد”.

بعد استماعه إلى حديث على إذاعة NPR بشأن كيفية “التحول” في الحزب الديمقراطي في شأن إسرائيل، كتب السناتور الديمقراطي كريس ميرفي في تغريدة على تويتر الجمعة “يا له من موقف متعب وكسول. الديمقراطيون يؤمنون بمستقبل قائم على مبدأ الدولتين، ولطالما فعلوا ذلك. إذا كنا أكثر انتقادا لإسرائيل، هذا لأن سياساتهم تغيرت، وليست سياساتنا”.

عسكريا، يقول الحكومة والجيش الإسرائيليان، إن إسرائيل “انتصرت” في هذه المعركة بالذات. لقد اعترضت معظم صواريخ حماس، وأسقطت طائرات مسيرة لحماس، وأحبطت هجمات حماس المخططة من البحر، وأغلقت أنفاق حماس العابرة للحدود، وفجرت أميالا وأميالا من أنفاق حماس الداخلية في غزة، وقتلت العديد من مسلحي حماس. لقد أبقت عدد القتلى الإسرائيليين عند 12 قتيلا، وتجنبت هجوما بريا كان من الممكن أن يُزهق فيه عدد لا يحصى من الأرواح.اختارت إيران عدم إعطاء الإشارة لحزب الله للتدخل، أو الانخراط بشكل مباشر هذ المرة، وهو ما سمح لإسرائيل بأن تتنفس الصعداء.

لكن حماس، الحركة التي أصبحت دولة إرهاب، كسبت الحرب الاستراتيجية. فقد استفادت من التوترات في القدس التي أججتها جزئيا بعض الجماعات والسياسيين اليمينيين المتطرفين في إسرائيل، وأثارت غضب الفلسطينيين في القدس الشرقية، وأثارت غضب الفلسطينيين في الضفة الغربية، وحفزت إطلاق صواريخ من سوريا ولبنان، وأثارت احتجاجات في الأردن، وفاقمت التوترات التاريخية داخل المجتمع العربي في إسرائيل.

فلسطينيون يتظاهرون في مجمع المسجد الأقصى في البلدة القديمة في القدس، 21 مايو، 2021. (Jamal Awad / Flash90)

بشكل عام أكثر، عقّدت حماس علاقات إسرائيل مع الشركاء العرب القدامى والجدد، وتسببت بالحرج لبعض حلفاء إسرائيل في العالم، وبإمطار إسرائيل بالانتقادات من معلقين ووسائل إعلام، واحداث تغيير في الرأي في صفوف بعض يهود الشتات الذين وجدوا أنفسهم عرضة لموجة تصاعدية من معاداة السامية.

ربما تتساءل كيف يمكن لإسرائيل أن تحرز تقدما نحو تسوية تفاوضية في وقت كهذا؟ إن صعود حماس يثبت بشكل قاطع مخاطر التنازل عن المناطق المجاورة. لقد أظهر محمود عباس نفسه تعنتا في الجهود الدبلوماسية السابقة، وقد يموت أو تتم الإطاحة به في أي لحظة.

مرة أخرى، هذا لا يهم، لأننا لم نعد نسعى بشكل معلن، حتى من حيث المبدأ، إلى حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني بالاستناد على مبدأ الدولتين- الصراع الإسرائيلي الفلسطيني غير قابل للحل حاليا وعلى المدى المنظور. وبما أننا لم نعد نطمح صراحة لأن نكون جزءا من الحل، فقد أصبح يُنظر إلينا بشكل متزايد على أننا جزء من المشكلة، باعتبارنا رافضين.

بالتأكيد، قد تساعدنا تكتيكات أفضل وعلاقات عامة أفضل. عند هدم برج في غزة حيث توجد مكاتب لمنظمات إعلامية عالمية، على سبيل المثال، سيكون من الحكمة توفير الدليل على الفور على أن هذا المبنى كان أحد الأصول الرئيسية لحماس؛ وإذا تعذر تقديم مثل هذا الدليل، فقد يكون من الحكمة إعادة النظر في هدم المبنى في المقام الأول. قد يكون من المفيد نشر متحدثين رسميين في جميع أنحاء العالم لشرح سبب كون حماس قوة ظلامية، وتوضيح كيف يحاول الجيش الإسرائيلي تجنب سقوط قتلى من المدنيين في غزة بالتفصيل حتى في الوقت الذي تأمل فيه حماس في تضخيم العدد، ولكي يوضحوا أن إحجام إسرائيل عن التواصل مع الفلسطينيين في مفاوضات تعتمد على “الأرض مقابل السلام” ناتج عن عقود من الرفض الفلسطيني والهجمات الإرهابية، وما إلى ذلك.

ولكن مرة أخرى، في نهاية المطاف هذا لا يهم. في 11 يوما من القتال، قد نكون قد أرجعنا حماس شهورا أو حتى سنوات إلى الوراء من الناحية العسكرية. لكن قوة الظلام تطوقنا.

لا يزال لدى إسرائيل الكثير من الأصدقاء، والكثير من الدعم، بما في ذلك بشكل حاسم في الولايات المتحدة. اختار ثلاثة من وزراء الخارجية في الاتحاد الأوروبي القيام بزيارة تضامنية لمنازل إسرائيلية قصفت في ذروة الصراع. لكن الميدان يتحول بشكل خطير. يؤدي تضاؤل ​​الدعم العام والسياسي الدولي بدوره إلى تقليل الدعم الدبلوماسي وبالتالي تقليص المساحة العسكرية للمناورة. كما أن هشاشتنا أمام الصراع والعنف حتى داخل حدودنا السيادية واضحة للغاية.

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس ونظيره الإسرائيلي غابي أشكنازي (في الوسط) يزوران مبنى أصيب بصاروخ أطلقته حماس من غزة، 20 مايو 2021، في بيتاح تكفا. (Gil COHEN-MAGEN / AFP)

متحدثا بعد رئيس الوزراء يوم الجمعة، حذر وزير الدفاع بيني غانتس من أنه “إذا لم نتصرف دبلوماسيا بسرعة وبحكمة”، فإن هذه العملية ستكون “مجرد جولة أخرى من الصراع تتبعها الجولة التالية”، ودعا نتنياهو إلى تجنب تحويل “نصر عسكري غير مسبوق، لا سمح الله، إلى فرصة دبلوماسية ضائعة”، قائلا إنه يجب التعامل مع مستقبل القطاع الآن على المدى الطويل.

لا يوجد لأحد فكرة واضحة عن كيف يمكن أن يكون ذلك ممكنا، لكن نداء غانتس المبهم للمحاولة، وأن يُنظر إليه على أنه يحاول، هو أمر حيوي ، ويجب أن يمتد إلى ما وراء غزة، إلى الصراع الفلسطيني الأوسع.

لا يوجد هناك حل سريع. حتى الآن، لم نعثر على حل بطيء أيضا. لكن إسرائيل بحاجة إلى إظهار استعدادها ورغبتها في أن تكون طرفا مركزيا في الجهود المبذولة لإيجاد حل، وألا تتبع سياسات تزيد من تقليص الاحتمالية.

يعتبر الكثير منا، ومن ضمنهم هذا الكاتب بشكل مؤكد، أن حل الدولتين هو أمر ضروري إذا أردنا ألا نفقد أغلبيتنا اليهودية، أو ديمقراطيتنا، أو كليهما، وحتى لا نكون عالقين إلى الأبد بين ملايين الفلسطينيين المعادين. كثيرون منا، ومن ضمنهم هذا الكاتب بشكل مؤكد، لا يمكنه حاليا رؤية طريق آمن لمثل هذه التسوية.

للمرة الأخيرة، هذا لا يهم. وطالما أن إسرائيل لا تضع نفسها بحزم وبشكل واضح إلى جانب أولئك الذين يسعون إلى إطار قابل للتطبيق لتحقيق السلام والأمن على المدى الطويل لأنفسنا وللفلسطينيين، فسوف يُنظر إلينا على أننا نعيق هذا الإطار. وحتى عندما تواجه عدوا تهكميا وغير أخلاقي وعنيدا بصورة جلية مثل حماس، فإن إسرائيل القوية عسكريا ستتحمل مسؤولية الخسائر في الأرواح على جانبي الصراع.

قد نستمر في كسب المعارك، على الرغم من أنها ستزداد صعوبة إذا امتد القتال إلى جبهات أخرى وتعمق فيها، لكننا سنخسر الحرب تدريجيا.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال