خبراء: روسيا تفاجئت من الحجم “غير المسبوق” للعقوبات والمقاطعة
بحث

خبراء: روسيا تفاجئت من الحجم “غير المسبوق” للعقوبات والمقاطعة

يقول محللون اقتصاديون إن الكرملين توقع اتخاذ إجراءات عقابية على غزو أوكرانيا ولكن ليس بالمستوى الحالي، حيث تم انضمام الشركات الكبرى والشركات متعددة الجنسيات

أشخاص يمرون عبر شاشة مكتب صرف عملات تعرض أسعار صرف الدولار الأمريكي واليورو مقابل الروبل الروسي في وسط مدينة موسكو، روسيا، يوم الاثنين 28 فبراير 2022 (AP / Pavel Golovkin)
أشخاص يمرون عبر شاشة مكتب صرف عملات تعرض أسعار صرف الدولار الأمريكي واليورو مقابل الروبل الروسي في وسط مدينة موسكو، روسيا، يوم الاثنين 28 فبراير 2022 (AP / Pavel Golovkin)

بعد ما يقارب من أسبوعين من الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا، قال خبراء اقتصاديون إن موسكو تواجه سيلا من العقوبات المنسقة من قبل الحكومات الغربية ومقاطعات من قبل الشركات الخاصة والشركات متعددة الجنسيات العامة، لم يسبق لها مثيل من قبل.

فرضت الحكومات عقوبات اقتصادية بعيدة المدى على روسيا استهدفت مؤسساتها المالية، بما في ذلك البنك المركزي، قطاع الشحن والتجارة، قطاعي التكنولوجيا والطيران، ومجتمع القلة الأثرياء ودوائرهم، ويوم الثلاثاء قامت باستهداف قطاع النفط والطاقة في البلاد.

حافظت صادرات الطاقة على تدفق مستمر من السيولة النقدية إلى روسيا على الرغم من القيود الشديدة على قطاعها المالي. لكن الولايات المتحدة ليست مستوردا رئيسيا للنفط الروسي، بينما تحصل أوروبا على حوالي 40% من الغاز و30% من النفط من روسيا، وليس لديها بديل فوري أو سهل إذا تعطلت الإمدادات.

قدر الدكتور تومر فدلون، الزميل الباحث في برنامج الاقتصاد والأمن القومي في معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، أن قطاع النفط والغاز الروسي يمثل حوالي 55% من الصادرات الوطنية ويحقق حوالي مليار دولار أمريكي في اليوم.

“من أجل أن يكون للعقوبات على قطاع الطاقة الروسي تأثير، ستحتاج أوروبا إلى الشعور بالألم، وبما أنه ليس لديهم بديل آخر في الوقت الحالي، فمن الصعب القيام بذلك”، قال للتايمز أوف إسرائيل عبر الهاتف في مقابلة الأربعاء.

في الوقت نفسه، قامت مجموعة من شركات التكنولوجيا والشركات المصنعة الكبرى والعلامات التجارية الاستهلاكية إما بتعليق أو إيقاف عملياتها في روسيا تماما، أو تقييد خدماتها في خطوة تهدف إلى معاقبة الكرملين بسبب الحرب.

كانت شركة ماكدونالدز وكوكا كولا وستاربكس آخر من انضم إلى الشركات المقاطعة التي تضم الآن أكثر من 300 شركة، وفقا لفريق من الباحثين من جامعة ييل. وتشمل هذه الشركات فيسا، أبل، فيسبوك، ماستركارد، أمازون، غوغل، فورد، ديل، دي إتش إل، ونايك، بالإضافة إلى العلامات التجارية الفاخرة مثل بوربيري، هرميس، فيراري، ورولز رويس.

الزبائن يتجولون في أحد متاجر أبل داخل متجر في موسكو، روسيا، 28 نوفمبر 2014 (Alexander Zemlianichenko / AP)

“لا شك، لم نر شيئا كهذا. هذا الوضع مختلف عن العقوبات الأخرى التي رأيناها في الماضي. لم تكن روسيا تتوقع أبدا أن يكون الغرب منسقا جيدا”، قالت الدكتورة جينيفر شكاباتور، مستشارة البنك الدولي وعضو هيئة التدريس في كلية لودر للحكم والدبلوماسية والاستراتيجية في جامعة رايخمان في هرتسليا.

من الناحية التاريخية، لم يتم فرض العقوبات على الاقتصادات الكبيرة مثل الاقتصادات الروسية، قالت شكاباتور للتايمز أوف إسرائيل في مقابلة هاتفية هذا الأسبوع مع تكثيف موسكو هجومها العسكري في أوكرانيا. “كانت هناك عقوبات على إيران والصومال – هذه اقتصادات صغيرة ولم تغير كثيرا في المشهد الجيوسياسي”.

الدكتورة جينيفر شكاباتور، مستشارة البنك الدولي وعضو هيئة التدريس في كلية لودر للحكم والدبلوماسية والاستراتيجية بجامعة رايخمان. (عدي كوهين زيديك)

“حجم العقوبات على روسيا يأتي كمفاجأة وهو مختلف لأن الغرب سيعاني أيضا – أسعار النفط والغاز ترتفع، أسعار المواد الغذائية سترتفع، والتضخم، وما إلى ذلك”، أوضحت.

ارتفعت أسعار تجارة الجملة في أوروبا من الغاز والنفط الخام لتقترب من مستوى قياسي هذا الأسبوع بسبب مخاوف الإمدادات المرتبطة بغزو روسيا لأوكرانيا في 24 فبراير. ارتفع سعر النفط الخام برنت، وهو المعيار الدولي، إلى ما يقارب من 130 دولار للبرميل يوم الأربعاء.

وقال فدلون إن “فرض العديد من العقوبات في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن هو أمر غير مسبوق. لقد تم دمج روسيا في الاقتصاد العالمي لبعض الوقت، وقد شهدت بالفعل العولمة. هذه ليست روسيا التي نعرفها في الثمانينيات. ونتيجة لذلك، هناك العديد من الأدوات لمعاقبة روسيا”.

الجولات السابقة من العقوبات على دول مثل فنزويلا، على سبيل المثال، أثرت على “البلدان التي كان لديها نوعية حياة منخفضة مسبقا، لكنها لم تمس النظام الحاكم. إن هذه العقوبات الحالية تؤثر على نوعية حياة الروس”، قال فدلون.

أشخاص يقفون في طابور لسحب الأموال من ماكينة الصراف الآلي التابعة لبنك ألفا في موسكو، روسيا، 27 فبراير 2022 (AP / Victor Berzkin)

وقالت شكاباتور إن موسكو “توقعت على الأرجح عقوبات على البنوك، على غرار العقوبات المفروضة على روسيا في 2014 بشأن شبه جزيرة القرم. كما توقعت العقوبات الشخصية على الأشخاص في الدائرة المقربة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي كانت مزعجة ولكنها ليست ضخمة، وكانوا يعرفون أنه سيتم تجميد بعض الأصول”.

ومع ذلك، فإن حجم العقوبات لا يؤثر الآن على “الأوليغارشية والنخبة الحاكمة فحسب، بل على البلد ككل”، كما أن عزلة روسيا “تزداد أهمية أكثر فأكثر”، على حد وصفها.

قال فدلون إن العقوبات المفروضة على البنوك المركزية الروسية كانت قوية بشكل خاص منذ أن “جمدت موسكو احتياطياتها من العملات إلى حوالي 630 مليار دولار، ولكن الآن 30% منها مجمدة في دول أجنبية”.

“في الوقت نفسه، هناك جوانب جديدة تماما مثل إغلاق بورصة موسكو لأيام، وخطوط في أجهزة الصراف الآلي وفي البنوك لسحب الأموال. الروبل ينخفض. لذا فإن التأثير هائل”.

رجل توصيل طعام يغادر مكتب صرافة به شاشة تعرض أسعار صرف عملات الدولار الأمريكي واليورو إلى الروبل الروسي في موسكو، روسيا، 24 فبراير 2022 (Alexander Zemlianichenko Jr / AP)

وأشارت شكاباتور إلى أن خروج الشركات العالمية والعلامات التجارية الأجنبية من روسيا أمر مؤلم بشكل خاص.

“بالنسبة لروسيا، العلامات التجارية مهمة جدا. في زمن الاتحاد السوفيتي، كان الكثيرين يتطلعون إلى امتلاك علامات تجارية عالمية – كان الحصول على أحذية من إيطاليا، أو جينز من الولايات المتحدة، أو تناول الجبن الفرنسي أمر مهم. في الثمانينات، كان أكبر طموح لأنه كان بعيد المنال بالنسبة لمعظم الناس. في التسعينات وما بعدها، أصبحت العلامات التجارية أكثر أهمية بالنسبة للروس، أكثر بكثير مما هي بالنسبة للإسرائيليين أو للأمريكيين. وبهذا المعنى، فإن هذه العزلة تعيدهم إلى الحقبة السوفيتية عندما لم يتمكنوا من شراء العلامات التجارية ولم يتمكنوا من الوصول إليها”، أوضحت.

“ليس الأمر وكأن الناس لن يكون لديهم ما يأكلونه أو يرتدونه، لكنه بالتأكيد شيء يشعرون به بالفعل”، قالت. مضيفة أن ما إذا كان هذا سيؤثر على الرأي العام يبقى تخمينا بالنظر إلى الترويج الى أن الدولة قوية في روسيا والسيطرة المشددة على وسائل الإعلام والمعلومات.

لكن شكاباتور قالت انه على المستوى الحكومي، هناك مؤشرات على أن العقوبات بدأت تؤتي ثمارها، مشيرة إلى تقليص المطالب الروسية في المحادثات مع أوكرانيا.

“في البداية، أرادت روسيا استيعاب أوكرانيا. في الأخبار الروسية، كان هناك حديث عن روسيا الأم التي تحارب النازيين الجدد في أوكرانيا، ‘نحن ضد العالم‘. الآن نرى أن الشروط هي الاعتراف بشبه جزيرة القرم ودونباس بما في ذلك المناطق دونيتسك ولوهانسك الانفصالية”، أوضحت.

متظاهر يحمل لافتة تظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بينما يحمل آخر العلم الأوكراني خلال احتجاج على الغزو الروسي لأوكرانيا في ساحة إلفثريا، ليبرتي، وسط نيقوسيا، قبرص، 5 مارس 2022. (AP / Petros Karadjias)

كان بوتين والكرملين قد قالا بالفعل إن هدفهما في أوكرانيا هو نزع السلاح و”نزع النازية”، متهمين الحكومة المنتخبة ديمقراطيا للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بارتكاب فظائع في المناطق الانفصالية.

لكن يوم الأربعاء، بدا أن روسيا عكست مسارها، حيث قال متحدث باسم وزارة الخارجية خلال إفادة إن موسكو لا تتطلع للإطاحة بالحكومة الأوكرانية.

الدكتور تومر فدلون، زميل باحث في INSS. (Courtesy)

وقال كل من فدلون وشكاباتور إن الرواية الأوكرانية التي شكلها زيلينسكي على المسرح العالمي لها تأثير كبير على الإجراءات التي ترغب الشركات والحكومات في اتخاذها، بما في ذلك روسيا.

كانت القيادة الأوكرانية نشطة بشكل مذهل على وسائل التواصل الاجتماعي، ودعت علنا إلى فرض عقوبات أشد على روسيا وحثت الشركات العالمية على قطع العلاقات مع روسيا.

وقالت شكاباتور إن زيلينسكي كان يرسم صورة “الجيد مقابل السيء، لذلك أصبح من السهل جدا على الشركات أن تقرر أنها يجب أن تغادر، وكان هذا المستوى من الوحدة غير متوقع تماما من قبل روسيا وأوكرانيا”.

إن معاملة الرئيس الأوكراني الماهر مع وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت على نطاق واسع في هجوم العقوبات على روسيا. زيلينسكي “يعرف حقا كيف ينقل رسالة شخصية وقوية، وتمكن من إلهام الأوكرانيين وتحفيزهم، وكذلك رواية القصة لبقية العالم، الأمر الذي ساهم بالتأكيد في هذا التنسيق مع العقوبات”، قالت شكاباتور.

“من الصعب تصديق أن بوتين تخيل يوما أن الدول الغربية ستتحالف مثلما فعلت في فرض عقوبات وفي مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن”، قال فدلون.

كان العنصر الإضافي هو شراسة المقاومة الأوكرانية، والتي قال فدلون أنها على الأغلب كانت “مفاجأة كبيرة” للكرملين.

وخلص إلى أن هذا العامل، إلى جانب العقوبات العالمية، يفرض ثمنا باهظا على موسكو.

ساهمت وكالات في هذا التقرير

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال