إسرائيل في حالة حرب - اليوم 287

بحث
تفسير

تقرير متابعة: إسرائيل تقدم تحديثا حول امتثالها إلى محكمة العدل الدولية بشأن اتهامات الإبادة الجماعية

من المرجح أن يركز التقرير الإسرائيلي على الجهود المبذولة لتحسين الوضع الإنساني في غزة والخطوات اللازمة لكبح الخطاب الذي قد يرقى لمستوى التحريض على الإبادة الجماعية

نازحون فلسطينيون يتجمعون للحصول على الطعام في مدرسة حكومية في رفح بجنوب قطاع غزة، 19 فبراير، 2024. (Mohammed Abed/AFP)
نازحون فلسطينيون يتجمعون للحصول على الطعام في مدرسة حكومية في رفح بجنوب قطاع غزة، 19 فبراير، 2024. (Mohammed Abed/AFP)

ستقدم إسرائيل ردها يوم الاثنين على الأوامر التي أصدرتها محكمة العدل الدولية الشهر الماضي والتي تطالب إسرائيل بتقديم تقرير عن بعض الجوانب الرئيسية للصراع مع حماس في غزة، بعد أن وجدت المحكمة في يناير “معقولية” بأن إسرائيل ربما تكون قد انتهكت على الأقل بعض بنود اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

وعلى الرغم من أن المحكمة رفضت أن تأمر إسرائيل بوقف حملتها العسكرية، وهو مؤشر على أنها لا تعتقد أن أعمال الإبادة الجماعية تُرتكب فعليا، فقد أصدرت “تدابير مؤقتة” تأمر إسرائيل باتخاذ خطوات “لمنع ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية؛ و”منع ومعاقبة” التحريض على الإبادة الجماعية؛ و”تمكين توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية المطلوبة بشكل عاجل لمعالجة ظروف الحياة السيئة” في غزة؛ ومنع تدمير الأدلة المتعلقة بادعاءات الإبادة الجماعية؛ وتقديم تقرير إلى المحكمة في غضون شهر.

تتم صياغة التقرير من قبل وزارة العدل ووزارة الخارجية ولكن لن يتم نشره للصحافة أو للجمهور، وقد التزمت الوزارتان الصمت الشديد بشأن المعلومات الواردة في الوثيقة.

لكن الإجراءات الرئيسية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية والتي ستحتاج فيها إسرائيل إلى إثبات أنها تعمل عليها هي الأوامر لتحسين الوضع الإنساني في غزة، و”منع ومعاقبة” التحريض على الإبادة الجماعية.

السبب في ذلك هو ان اتفاقية عام 1948 بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية، التي وقّعت إسرائيل عليها، تنص صراحة على أن “تعمد فرض” ظروف معيشية تهدف إلى تدمير مجموعة معينة من الناس، أو جزء منها، يعد انتهاكا للاتفاقية.

بالإضافة إلى ذلك، يُعد “التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية” عملا يعاقب عليه بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

وفد إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي يستمع إلى الإجراءات المؤقتة التي أمرت بها المحكمة ضد إسرائيل، 26 يناير، 2024. (International Court of Justice)

ونظرا لتركيز المحكمة في حكمها الصادر في 26 يناير على الوضع الإنساني المتردي في غزة، فهنا ستحتاج إسرائيل إلى إثبات أنها لا تنتهك الاتفاقية، فضلا عن تقديم دليل على أنها تتخذ خطوات لمنع التحريض على الإبادة الجماعية والمعاقبة عليه.

وبالفعل، ذكر تقرير لموقع “واينت” يوم السبت أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طلب من الوزارتين اللتين تقومان بصياغة التقرير التركيز على هاتين القضيتين، بالإضافة إلى الأمر بمنع تدمير الأدلة المتعلقة بمزاعم الإبادة الجماعية.

الوضع الانساني

نفت إسرائيل أن يكون لديها أي نية للإبادة الجماعية تجاه الفلسطينيين في غزة، وهو عنصر حاسم في جريمة الإبادة الجماعية، وقالت إن أي تعليقات تحريضية من قبل السياسيين إما تم إخراجها من سياقها أو أنها لا تمثل سياسة الحكومة.

لكن القدس لا تزال ترغب في إظهار الجهود التي تبذلها للتخفيف من الوضع الانساني في غزة.

إذن، ما الذي ستتمكن إسرائيل من تقديمه إلى محكمة العدل الدولية فيما يتعلق بجهودها لتخفيف الوضع الإنساني في المنطقة؟

بحسب وحدة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي (كوغات)، وهي وكالة تابعة لوزارة الدفاع، دخلت حوالي 13,905 شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية إلى غزة منذ اندلاع الحرب، مما أدخل 255,610 طن من الإمدادات إلى القطاع الذي مزقته الحرب.

فلسطينيون ينهبون شاحنة مساعدات إنسانية أثناء عبورها إلى قطاع غزة في رفح، 17 ديسمبر، 2023. (AP Photo/Fatima Shbair, File)

وقد شمل ذلك 168,090 طنا من المواد الغذائية؛ 23,380 طنا من المياه (لا تشمل حوالي 28.5 مليون لتر يوميا تنقلها إسرائيل عبر الأنابيب إلى غزة)؛ و17,740 طنا من الإمدادات الطبية؛ و27,920 طنا من معدات الإيواء.

ومع ذلك، لم تقدم كوغات تفاصيل يومية أو أسبوعية أو شهرية لعدد الشاحنات التي تدخل غزة، لذلك من المستحيل تقييم الجهود الإنسانية التي تبذلها إسرائيل في أعقاب حكم محكمة العدل الدولية الصادر في 26 يناير بناء على البيانات الإسرائيلية.

ومع ذلك، يقدم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) مثل هذه التفاصيل، وتظهر البيانات في الواقع انخفاضا في كمية المساعدات التي تدخل غزة منذ نهاية شهر يناير. ويبدو أن ذلك يرجع إلى حد كبير إلى انهيار الأمن الداخلي والاستقرار في الإقليم.

قبل هجوم 7 أكتوبر واندلاع الحرب، دخلت غزة يوميا في المتوسط 500 شاحنة بضائع، بما في ذلك الوقود، وفقا لأوتشا.

وفقا للوكالة، فإن المتوسط اليومي لعدد الشاحنات التي تدخل غزة منذ 20 أكتوبر، عندما بدأت إسرائيل بالسماح بدخول الإمدادات لأول مرة بعد اندلاع الحرب، ارتفع تدريجيا ووصل في ذروته إلى 156 شاحنة يوميا في المتوسط خلال الأسبوعين من 12 يناير إلى 25 يناير 2024، قبل يوم واحد من إصدار محكمة العدل الدولية إجراءاتها المؤقتة.

ولكن في المتوسط لم يدخل إلى غزة سوى 133 شاحنة يوميا في الفترة من 2 إلى 8 فبراير، وانخفض هذا العدد إلى 57 شاحنة فقط في المتوسط في الفترة من 9 إلى 20 فبراير.

قام سكان غزة، وكذلك مقاتلو حماس، بالاستيلاء على شاحنات المساعدات، الأمر الذي دفع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إلى إيقاف عمليات التسليم المحدودة أصلا إلى شمال غزة. وجاء ذلك بعد يومين فقط من استئناف العمليات. وقد واجهت قوافل المنظمة الانسانية حشودا حالت الصعود على متن الشاحنات، وإطلاق نار في مدينة غزة، وعمليات استيلاء على الطحين، وتعرض أحد سائقي الشاحنات للضرب.

كما توقفت قوات الشرطة التابعة لحماس عن توفير الأمن للقوافل من حشود سكان غزة اليائسين، بعد تعرضها لإطلاق نار من الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من حماس على متن شاحنة مساعدات إنسانية في رفح، قطاع غزة، 19 ديسمبر، 2023. (AP Photo)

وقد زعمت كوغات بشكل متكرر أن فشل وكالات الأمم المتحدة في توزيع المساعدات هو الذي يحول دون زيادة دخول الإمدادات، وأصرت مرارا على أنه لا يوجد حد لعدد الشاحنات التي يمكن أن تدخل غزة.

في 15 فبراير، نشرت كوغات صورا لما قالت إنها شحنات مساعدات على جانب غزة من معبر كيرم شالوم (كرم أبو سالم) للبضائع التي دخلت من إسرائيل ولكن لم يتم جمعها بعد من قبل وكالات الإغاثة للتوزيع.

وقالت كوغات “هذا هو محتوى 500 شاحنة من المساعدات الإنسانية على الجانب الغزاوي من معبر كيرم شالوم، بعد التفتيش الإسرائيلي، في انتظار استلامها وتوزيعها من قبل منظمات الأمم المتحدة. إنه اليوم الثالث على التوالي الذي لا يتم فيه استلام مئات الشاحنات. . ينبغي على الأمم المتحدة توسيع نطاق عملياتها”.

وقال إيري كانيكو، المتحدث باسم أوتشا، ردا على هذه المزاعم إن “الجيش الإسرائيلي يتحمل مسؤولية تسهيل العمليات الإنسانية داخل غزة”، وأن “المساعدات المتراكمة عند المعبر هي دليل على غياب هذه البيئة التمكينية وسط احتياجات هائلة”.

ولا يزال الوضع الإنساني في القطاع سيئا. ووفقا لأوتشا، يواجه حوالي نصف مليون شخص في غزة مستويات “كارثية” من الجوع حيث لا يحصل الناس على أي طعام تقريبا ولا يستطيعون دعم احتياجاتهم الأساسية.

بحسب تقارير استشهدت بها أوتشا فإن 81٪ من الأسر تفتقر إلى المياه الآمنة والنظيفة، ويقدّر متوسط وصول الأسر إلى الماء بأقل من لتر واحد للشخص الواحد في اليوم.

أشخاص ينقلون المياه في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في رفح بالقرب من الحدود مع مصر في جنوب قطاع غزة، 24 يناير، 2024. (AFP)

وجد تقرير نشرته كلية لندن للصحة والطب الاستوائي ومركز جونز هوبكنز للصحة الإنسانية في 19 فبراير أنه إذا استمرت حدة الصراع عند مستواها الحالي، فسيكون هناك حوالي 29,530 حالة وفاة إضافية في غزة اعتبارا من 7 فبراير حتى 6 مايو من هذا العام، على الرغم من أن الغالبية العظمى (86٪) سيكون سببها إصابات ناجمة عن الأعمال العدائية (الأرقام تشمل المقاتلين)، وقد تنجم حوالي 1430 حالة وفاة عن الأمراض المعدية في حالة عدم انتشار الأوبئة، ومن المتوقع أن تنجم 1260 حالة وفاة إضافية عن الأمراض غير المعدية.

ومن المرجح أن تشير إسرائيل في تقريرها إلى محكمة العدل الدولية إلى جهودها لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية خلال الفترة الحالية وأن تعزو الأزمة الإنسانية المستمرة إلى عدم قدرة الأمم المتحدة والوكالات الأخرى على إيصال المساعدات.

استخدام لغة تحرض على الإبادة الجماعية؟

فيما يتعلق بمعالجة أمر المحكمة بـ”منع ومعاقبة” أولئك الذين يحرضون عل الإبادة الجماعية فإن ذلك قد يكون إشكاليا من الناحية السياسية، حيث أن بعض أعضاء الكنيست ووزراء الحكومة أدلوا بتصريحات تحريضية للغاية حول كيفية التعامل مع غزة.

كما أن الوزراء وأعضاء الكنيست يتمتعون بالحصانة من الملاحقة القضائية ضد ما يمكن اعتباره خطابا إجراميا مثل التحريض على الإبادة الجماعية، مما يزيد من تعقيد القدرة على الامتثال لأمر محكمة العدل الدولية.

إحدى الطرق التي يمكن فيها للإسرائيليين، الذين قد يتم اعتبار أن خطابهم يرقى إلى مستوى التحريض على الإبادة الجماعية، أن يتجنبوا الملاحقة القضائية وإرضاء المحكمة هي إما توضيح أنهم لم ينووا التحريض على الإبادة الجماعية، أو أن كلماتهم قد أسيء فهمها، أو التراجع عن تصريحاتهم بالكامل.

ومع ذلك، لا توجد هناك أدلة تشير إلى حدوث ذلك.

تتضمن الدعوى الأصلية المقدمة من جنوب أفريقيا العديد من الاقتباسات من سياسيين وبعض مسؤولي الجيش وشخصيات عامة ذات طبيعة إشكالية للغاية.

تقتبس الدعوى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي قال: “عندما نقول إنه يجب تدمير حماس، فنحن نقصد أيضا من يحتفل ويدعم ويوزع الحلويات – جميعهم إرهابيون، ويجب تدميرهم”.

وزير التراث عميحاي إلياهو أدلى بتصريحات مماثلة، حيث قال “لا يوجد هناك ما يُسمى بمدنيين غير متورطين في القتال في غزة”، بينما لم يرفض فكرة أن تقوم إسرائيل باستخدام قنبلة نووية في غزة.

واستشهد طلب جنوب أفريقيا أيضا بتعليقات أعضاء كنيست، بمن فيهم عضو الكنيست تالي غوتليف من حزب “الليكود”، التي نشرت في 9 أكتوبر “صاروخ أريحا! صاروخ أريحا. الردع الاستراتيجي. قبل أن نفكر في دخول قواتنا. سلاح يوم القيامة!” صاروخ أريحا هو صاروخ بالستي بعيد المدى موجود في ترسانة الجيش الإسرائيلي والذي تقول تقارير أجنبية إنه مزود بقنابل ذرية.

عضو الكنيست تالي غوتليف خلال مناقشة وتصويت في الكنيست على اقتراح عزل عضو الكنيست عوفر كاسيف، 19 فبراير، 2024. (Yonatan Sindel/Flash90)

نشرت غوتليف عل منصة “إكس” أيضا منشورا أشارت فيها باستحسان إلى هتافات يرددها مشجعو نادي بيتار القدس لكرة القدس “نتمنى أن تحترق قريتكم” وأضافت ” يرفع المعنويات أن نتمى أن تمحى غزة وتحترق”.

وقالت عضو الكنيست كيتي شطريت من الليكود في مقابلة مع القناة 14: “إذا سألتني على المستوى الشخصي سأسوي غزة بالأرض، أنا لست عاطفية. لأنه لا يمكن الفصل بين قتلة النساء والأطفال والمدنيين في غزة”.

الصحفي دافيد مزراحي فرتهايم كتب على منصة “اكس” أن على إسرائيل “تحويل القطاع بأكمله إلى مسلخ”.

وكتب المغني كوبي بيرتس على إنستغرام “يجب محو غزة وتدميرها مع بقية أحفاد عماليق، مع أو بدون [قنبلة] ذرية، ينبغي علينا ببساطة تدمير غزة بالكامل وإبادة أي شخص هناك”.

ولم يتراجع أي من المسؤولين المنتخبين عن تصريحاته أو يوضحها، في حين قال بيرتس صراحة على إنستغرام إنه لن يتراجع عن تصريحاته، مضيفا أن “الحكم على لاهاي هو تماما نفس الحكم على الإرهابيين في غزة، وكل من يتواجد هناك يجب تدميره وإبادته، إلى الأبد”.

ولم يرد مكتب المدعي العام أو مكتب النائبة العامة على أسئلة حول عدد التحقيقات التي تم فتحها ضد إسرائيليين بسبب الاشتباه في التحريض على الإبادة الجماعية.

قبل أيام قليلة من الجلسات التي عقدتها محكمة العدل الدولية في يناير، أصدر مكتب النائبة العامة بيانا قال فيه إن مكتبها يدرس عدة حوادث تحريض محتملة على إيذاء المدنيين، لكن المحكمة قالت إنه على الرغم من أن مثل هذه التصريحات مشجعة، إلا أنها ليست كافية للتخفيف من قلقها بشأن التحريض على الإبادة الجماعية.

ولم يقل مكتب النائبة العامة شيئا منذ التصريح الذي صدر عنه في يناير بشأن تحقيق تقدم في ملاحقة التحريض قضائيا، في حين أن “التحقيقات” ليست تحقيقات كاملة، بل هي إجراءات أولية لتقييم ما إذا كان التحقيق ضروريا.

إذا تم فتح تحقيقات في بعض حوادث التحريض المشتبه بها، فمن المحتمل أن يقنع هذا محكمة العدل الدولية بأن الجهود قد بدأت “لمنع ومعاقبة” التحريض على الإبادة الجماعية.

لكن من غير المرجح أن يكون هذا التقرير هو الأخير الذي تطالب به لاهاي إسرائيل، وقد تتوقع المحكمة اتخاذ المزيد إجراءات الإنفاذ الملموسة في المستقبل للنظر في ما إذا كانت القدس تمتثل لالتزاماتها بموجب الاتفاقية.

اقرأ المزيد عن