بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، مصر تبرز إلى الواجهة كلاعب إقليمي
بحث
تحليل

بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، مصر تبرز إلى الواجهة كلاعب إقليمي

في عرض علني غير مسبوق تقريبا لعلاقاتها مع إسرائيل، بما في ذلك التقاط صورة لرئيس مخابراتها مع نتنياهو، تسعى مصر إلى تبديد المخاوف الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يستضيف رئيس المخابرات المصرية عباس كامل في مقر إقامته الرسمي في القدس، 30 مايو، 2021. (Amos Ben-Gershom / GPO)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يستضيف رئيس المخابرات المصرية عباس كامل في مقر إقامته الرسمي في القدس، 30 مايو، 2021. (Amos Ben-Gershom / GPO)

الصور التي ظهرت على الصفحات الاولى للصحف من اللقاءات بين مسؤولين مصريين وإسرائيليين على جانبي قناة السويس لم تكن صورا عادية، لا سيما أنها نُشرت للجمهور.

لكنها كانت هناك: وزير الخارجية غابي أشكنازي جالسا أمام الكاميرات في القاهرة، في أول زيارة من نوعها منذ عام 2008، وما هو أكثر إثارة للدهشة، رئيس المخابرات المصرية عباس كامل في صورة مشتركة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في القدس.

ازدهرت العلاقات بين إسرائيل ومصر منذ وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في انقلاب عسكري عام 2013، لكن نادرا ما تم الترويج لها علنا.

“معظم لقاءاتنا عُقدت في شرم الشيخ”، كما قال يتسحاق ليفانون، سفير سابق لإسرائيل لدى مصر. “لكن أشكنازي دُعي إلى القاهرة. هذا له معنى بالنسبة للحكومة المصرية، وبالنسبة للجمهور المصري”.

تثبت الأزمة الأخيرة بين إسرائيل وقطاع غزة أنها فرصة للقاهرة لتظهر نفسها كلاعب إقليمي. وهي تسمح للمصريين – الذين شغلوا المقاعد الخلفية خلال الأشهر القليلة الماضية – باستعادة وقت البث من الإمارات العربية المتحدة والبحرين، اللتين نالتا استحسانا في العواصم الغربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل العام الماضي.

وزير الخارجية المصري سامح شكري (على يمين الصورة) يلتقي بنظيره الإسرائيلي غابي أشكنازي (على يسار الصورة) في قصر التحرير في القاهرة، مصر، 30 مايو، 2021. (AP Photo / Nariman El-Mofty)

وربما الأهم من ذلك، نجحت القاهرة في لفت انتباه الأمريكيين لنظام غالبا ما يُنتقد بسبب سجله السيئ في مجال حقوق الإنسان. بالنسبة للقاهرة، فإن إظهار دورها كصانعة سلام هو جزء من الصفقة.

أوفير فينتر، الذي يدرس العلاقات المصرية-الإسرائيلية في معهد دراسات الأمن القومي، يقول إن “مصر تريد أن يكون وجودها كقائد إقليمي محسوسا، وتريد التأكيد أمام الولايات المتحدة والغرب والاتحاد الأوروبي على أنها لاعب إيجابي ومكسب إستراتيجي – رغم كل ما قد يكون لهذه الأطراف من ضمير حيال حقوق الإنسان والديمقراطية”.

منذ الانقلاب العسكري عام 2013، سعى نظام السيسي إلى توثيق العلاقات مع إسرائيل، لدرجة أن السفير السابق في مصر حاييم كورين وصف العلاقات الأخيرة بين البلدين بأنها “الأفضل على الإطلاق”.

في شبه جزيرة سيناء، عمل البلدان على قمع التمرد الإسلامي المتطرف. كلاهما يعمل بجد لدفع مبادرة الغاز الطبيعي الطموحة في البحر الأبيض المتوسط في إطار منتدى الطاقة الإقليمي.

لكن في السنوات السابقة، قد يكون نظام السيسي شعر بأنه غير قادر على إظهار علاقاته مع إسرائيل علنا، ربما خوفا من رد فعل داخلي عنيف. حافظت مصر على سلام بارد مع إسرائيل منذ معاهدة السلام بين البلدين في عام 1979، وغالبا ما يواجه المواطنون المصريون الذين يقومون بتطبيع العلاقات عقوبات من الهيئات المرتبطة بالحكومة.

ومع ذلك، فإن اتفاقيات إبراهيم في العام الماضي – والتي بدأت عمليات تطبيع بين إسرائيل وأربع دول عربية على مدى بضعة أسابيع فقط – قد غيرت الصورة الإقليمية بشكل جذري.

قال الدبلوماسي المصري السابق عز الدين فشير، المحاضر في جامعة دارتموث، “منذ قيام الإمارات والبحرين والمغرب والسودان بالتطبيع، تغيرت المعايير. يمكن للعالم العربي الآن أن يقول ويفعل أكثر من ذي قبل”.

في غضون ذلك، قامت الحكومة في مصر بالقضاء على المعارضة أو نفيها بلا هوادة. وقدرت جماعات حقوقية أن نحو 60 ألف سجين سياسي محتجزون حاليا في السجون المصرية.

حفزت الجولة الأخيرة من القتال في غزة موجة من مظاهرات التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية في جميع أنحاء العالم العربي. لكن شوارع القاهرة ظلت خالية.

وقال فينتر “ربما خلال الاضطرابات الأخرى، على سبيل المثال خلال عامي 2014 و2015، عندما تم إنشاء النظام للتو، من الممكن أن الوضع كان أقل راحة بالنسبة للنظام … قد تكون هذه علامة على أن نظام السيسي قد استقر في موقفه”.

جذب انتباه واشنطن

لم يتحدث الرئيس الأمريكي جو بايدن مع السيسي لما يقرب من خمسة أشهر بعد توليه منصبه في أواخر يناير. تعهد الرئيس الجديد باتخاذ موقف أكثر انتقادا تجاه مصر من سلفه دونالد ترامب، الذي تفاخر علنا بعلاقاته الوثيقة مع السيسي.

وكتب بايدن على تويتر في يونيو، في إشارة إلى تصريح ترامب بشأن الرئيس المصري، “لن يكون هناك المزيد من الشيكات على بياض لـ ’ديكتاتور ترامب المفضل’”.

لكن جولة القتال أجبرت واشنطن على الاعتماد بشكل كبير على مصر، أحد المحاورين الإقليميين القلائل الذين يتعاملون مع كل من إسرائيل وحماس. خلال الصراع بين إسرائيل وحماس، تحدث بايدن والسيسي عبر الهاتف مرتين.

زار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن العاصمة المصرية خلال جولته الإقليمية عقب وقف إطلاق النار. وأشاد بلينكن في بيان أصدرته وزارة الخارجية بالدور المصري في التفاوض على وقف إطلاق النار.

وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يلوح بيده عند وصوله إلى القاهرة، 26 مايو، 2021. ( Alex Brandon / POOL / AFP)

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن بلينكن “أكد الشراكة الاستراتيجية القوية بين الولايات المتحدة ومصر، والتزام الرئيس بايدن بهذه العلاقة”.

حصلت مسألة حقوق الانسان على إشارة سريعة في النهاية، حيث قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن المسؤوليّن أجريا “حوارا بناء” بشأن هذه المسألة.

وقال بلينكن في وقت لاحق للصحفيين في عمّان إنه أجرى محادثة مطولة مع السيسي حول حقوق الإنسان، ورفض فكرة أن السيسي يتوقع من واشنطن التزام الصمت بشأن مخاوفها في هذه المسألة.

لقد ساعدت القاهرة في التفاوض بشأن معظم اتفاقات وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة منذ عام 2008. وربما يكون المصريون الوسيط الوحيد المقبول على جميع الأطراف: إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحماس والجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى مثل الإمارات العربية المتحدة و المملكة العربية السعودية.

قال محلل سياسي مصري لتايمز أوف إسرائيل في شهر مارس إن قطر، الراعي الإقليمي لحركة حماس، لا تستطيع أن تلعب مثل هذا الدور، والإمارات تعتبر مقربة جدا من خصم السلطة الفلسطينية محمد دحلان، والسعوديون أبعدوا أنفسهم إلى حد كبير عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

بعد حرب 2014 بين إسرائيل وحماس، والمعروفة في إسرائيل باسم عملية “الجرف الصامد”، استضاف المصريون مؤتمرا ضخما في القاهرة حول إعادة بناء قطاع غزة المدمر.

مع انتهاء القتال في الوقت الحالي، تأمل مصر في استضافة محادثات مماثلة حول إعادة إعمار غزة، وربما مؤتمر آخر للجهات المانحة الدولية. كما ستستضيف مصر قريبا محادثات غير مباشرة بين إسرائيل وحركة حماس قد تؤدي إلى تبادل الأسرى بين الجانبين ووقف إطلاق نار طويل الأمد.

وتعهدت مصر بتقديم 500 مليون دولار لجهود إعادة الإعمار. لكن من غير المرجح أن يتم تسليم الأموال لأي طرف آخر، وخاصة حماس. بدلا من ذلك، كما يقول الخبراء، ستقوم شركات مقاولات مصرية بتنفيذ المشاريع بنفسها.

مصر ستصبح معبرا للتمويل والشركات المصرية ستنفذ مشاريع التنمية.”ستكون هناك فائدة سياسية، ولكن أيضا فائدة مالية مباشرة”، كما يقول فينتر.

كما استضافت القاهرة بشكل تقليدي الفصائل السياسية الفلسطينية لإجراء محادثات المصالحة بسبب موقعها الفريد. وقبل عباس يوم الأحد عرضا مصريا لعقد اجتماع فلسطيني آخر لقادة الفصائل لبحث الوحدة الفلسطينية التي طال انتظارها.

وقال فشير: “لا توجد دولة أخرى يمكنها أن تلعب دور مصر. لذا، بالنظر إلى أن بايدن لديه نهج سلبي تجاه مصر، فإن مصر مهتمة أكثر بلعب هذا الدور”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال