بعد هجمات11 سبتمبر الولايات المتحدة تكتشف ضعفها وتقلب النظام العالمي
بحث
تحليل

بعد هجمات11 سبتمبر الولايات المتحدة تكتشف ضعفها وتقلب النظام العالمي

يجدد تغير الوضع المباغت في أفغانستان النقاش حول الإرث المثير للجدل الذي تركه الأميركيون على بعد آلاف الكيلومترات من ديارهم بإسم "الأمن القومي"

صورة التقطت في 11 سبتمبر 2001 في نيويورك تظهر الدخان بتصاعد من مباني التوأمين بعد اصطدام طائرات بهما، (HENNY RAY ABRAMS / AFP)
صورة التقطت في 11 سبتمبر 2001 في نيويورك تظهر الدخان بتصاعد من مباني التوأمين بعد اصطدام طائرات بهما، (HENNY RAY ABRAMS / AFP)

أ ف ب – في 11 أيلول/سبتمبر ضربت هجمات لا يمكن تصورها الولايات المتحدة التي كانت تعتبر نفسها بمنأى عن كارثة كهذه بعد خروجها منتصرة من الحرب الباردة، فقضت على الوهم المتمثل بمستقبل هانئ.

فغرقت الولايات المتحدة ومعها العالم في حرب على الإرهاب ستطغى على العلاقات الدولية مدة عشرين عاما، قالبة على المدى الطويل موازين القوى في الشرق الأوسط مع عودة بروز روسيا كمنافس استراتيجي وفرض الصين نفسها الخصم الأول لواشنطن.

ويقول إيلي تينيباوم الذي شارك في تأليف كتاب مكرس لهذه الحرب “نصل اليوم إلى نهاية هذه الجولة الاستراتيجية ونطوي صفحة كان فيها الجهاد العالمي العدو المعلن الوحيد”.

ويرى الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية: “المنافسة الاستراتيجية بين القوى العظمى عاد ليصبح النموذج العالمي” مع “بروز رهانات دولية أخرى تخفف نسبيا من التهديد الإرهابي” بدءا بالمواجهة التي تنبئ بحرب باردة جديدة بين واشنطن وبكين.

 انتهاء حقبة؟ 

وللتأكيد أن هذه الحقبة انتهت، حرص الرئيس الأمريكي جو بايدن على أن يتزامن الانسحاب الأميركي الكامل من أفغانستان بشكل رمزي مع الذكرى العشرين لهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 إذ أن الجيش الأميركي تدخل في هذا البلد غداة الهجمات على برجي مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع، لمطاردة تنظيم القاعدة وطرد حركة طالبان من السلطة بعدما وفرت ملاذا للجهاديين.

إلا أن هذه الخطوة ذات الدلالة الرمزية انقلبت على الرئيس الاميركي. فعشية ذكرى 11 أيلول/سبتمبر عادت حركة طالبان إلى السلطة في كابول بفضل انتصار خاطف على الجيش الأفغاني الذي كانت واشنطن قد دربته ومولته وجهزته.

الرئيس الأمريكي جو بايدن يتحدث عن أفغانستان من الغرفة الشرقية للبيت الأبيض، 16 أغسطس 2021، في واشنطن. (Photo by Anna Moneymaker / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP)

ويقول مارك غرين الذي كان مسؤولا جمهوريا عند وقوع الهجمات وهو مدير معهد الأبحاث “ويلسون سنتر”: “قد نكون وصلنا إلى نهاية حقبة. إلا ان هذه المنطقة من العالم مرشحة مجددا لاستقبال متطرفين عنيفين جدا”.

ويرى غرين المسؤول السابق عن مساعدات التنمية الأميركية أنه كان من الأفضل ابقاء 2500 جندي اميركي في أفغانستان “للمحافظة على المكتسبات ولا سيما على صعيد حقوق المرأة”.

“بوليصة تأمين” 

ولأسباب أخرى لا تقتصر على مكافحة الإرهاب، يصب جون بولتون، السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة جام غضبه على رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين، الديمقراطيين باراك أوباما وجو بادين فضلا عن الجمهوري دونالد ترامب الذي كان لفترة وجيزة مستشاره للأمن القومي. وهو يعتبرهم جميعا قد استعجلوا فك الارتباط مع أفغانستان لاستمالة رأي عام مل من “حروب الولايات المتحدة التي لا تنتهي”.

ويؤكد بولتون بلهجته الاستفزازية المعتادة والذي يدافع عن تدخل الولايات المتحدة في الخارج منذ سنوات، “عشرون عاما هي نقطة في محيط!”

مستشار الامن القومي الامريكي حينذاك جون بولتون في واشنطن، 13 ديسمبر 2018 (Cliff Owen/AP)

ويقول لوكالة فرانس برس: “لم يفسروا لماذا من الأفضل الدفاع عن انفسنا من التهديد الإرهابي في أفغانستان منه في شوارع الولايات المتحدة وأجوائها”.

ويرى أن الوجود الأميركي في أفغانستان “هو بوليصة تأمين تقينا من 11 أيلول/سبتمبر جديد”، محذرا أن عودة حركة طالبان إلى السلطة قد توفر للحركة الجهادية ملاذات جديدة.

 شعور بالقوة 

ويجدد تغير الوضع المباغت في أفغانستان النقاش حول الإرث المثير للجدل الذي تركه الأمريكيون على بعد آلاف الكيلومترات من ديارهم بإسم “الأمن القومي”.

وكان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش أطلق مساء 11 أيلول/سبتمبر العبارة الشهيرة “الحرب على الإرهاب”.

الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش. (Kevork Djansezian/Getty Images/JTA)

وكان يومها قد حظي باجماع المجتمع الدولي، فمع سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل على الأراضي الأميركية تعرضت الولايات المتحدة لضربة في الصميم بطريقة غير مسبوقة منذ هجوم بيرل هاربور عام 1941 وكان يفترض بها الرد.

ونقلت سنة 2001 العالم إلى الألفية الجديدة بعد عقد التسعينات الذي اكتسبت فيه الولايات المتحدة لقب القوة العظمى الرئيسية الخداع بعض الشيء.

فقد فرض انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية فكرة تفوق ايديولوجي وعسكري أميركي.

ويرى أندرو باسيفيتش رئيس معهد “إينستيتوت فور ريسبنسبل ستايتكرافت” للدراسات الذي يدعو إلى ضبط النفس على صعيد السياسة الخارجية، أن “هذا التعنت الأيديولوجي، وهذه القناعة بأن القوات الأميركية باتت لا تقهر، دفعتا بوش والمحيطين به إلى اعتبار 11 أيلول/سبتمبر صفعة لا تغتفر بل أيضا ليظهروا من دون أدنى شك قوة الولايات المتحدة المطلقة”.

أبواق الحرب

وطرح الرئيس الأميركي جورج بوش تعريفا فضفاضا جدا “للحرب على الإرهاب” محاطا بمحافظين ومؤيدين للتدخلات الخارجية عازمين لنشر النموذج الديمقراطي في العالم.

وقال يومها: “إما أن تكونوا معنا أو تكونون مع الإرهابيين”، معلنا “حملة طويلة غير مسبوقة على كل الأنظمة الداعمة للإرهاب”.

في كانون الثاني/يناير 2002 وبعد الإطاحة بنظام طالبان وتوجيه ضربات موجعة إلى تنظيم القاعدة، حدد بوش “محور الشر” بعيدا جدا عن الهدف الأساسي، بضم إيران والعراق وكوريا الشمالية.

ظنا منها أنها لا تزال تتمتع بتعاطف عالمي مع الولايات المتحدة تبلور مساء 11 أيلول/سبتمبر، انخرطت إدارة بوش في مسار محفوف بالمخاطر أوصل إلى الحرب في العراق متهمة الرئيس العراقي صدام حسين من دون أدنى دليل باخفاء أسلحة دمار شامل.

إلا أنها كانت مخطئة. ويوضح إيلي تينيباوم أن “الإجماع تلاشى سريعا جدا وراحت صورة الولايات المتحدة تتراجع مع انحراف الحرب على الإرهاب عن مسارها”.

فالغزو الأميركي للعراق عام 2003 أثار استياء عارما لدى جزء كبير من الرأي العام العالمي، وسيسمح “بعودة الحركة الجهادية العالمية التي كانت أضعفت بعد 2001”.

اعتقال نساء وأطفال أكراد في العراق للاشتباه في قيامهم بنشاط إرهابي إسلامي في عام 2017. (AP Photo / Bram Janssen)

وبرز جيل جديد من الجهاديين يضم شبابا من المنطقة فضلا عن غربيين أتوا “لمواجهة قوى الاحتلال” بعد سقوط صدام حسين.

وبعد عشر سنوات على ذلك، ترك انسحاب الأميركيين فراغا سمح بازدهار تنظيم “داعش” واعلانه “دولة الخلافة” في مناطق عراقية وسورية. واضطرت الولايات المتحدة إلى العودة اعتبارا من 2014 على رأس ائتلاف عسكري دولي.

  ضربة لصورة واشنطن 

إلا أن حصيلة الحرب على الارهاب أتت متفاوتة.

فقد قضى فيها أكثر من 800 ألف شخص مع دفع المدنيين العراقيين والأفغان الثمن باهظا. وكلفت الولايات المتحدة 6400 مليار دولار على ما جاء في دراسة نشرتها نهاية 2019 جامعة براون.

قد لا تكون تكررت هجمات شبيهة بـ 11 أيلول/سبتمبر، إلا ان اعتداءات لافتة لتنظيم “داعش” ادمت أوروبا كما حصل في باريس عام 2015 فيما التهديد الإرهابي متواصل مع انه أقل تركزا. فعدد الجهاديين في العالم اليوم أكثر بثلاث مرات عن عددهم عام 2001 بحسب تقديرات عرضها إيلي تينيباوم.

أما صورة الولايات المتحدة فقد تلقت ضربة. فاللجوء إلى التعذيب وفتح سجن غوانتنامو لحرمان المتهمين من ضمانات الدستور الأميركي وتعميم “الاغتيالات الهدافة” بواسطة طائرات مسيرة في دول أخرى، اسقطت أحيانا صفة دولة القانون عن أقوى دولة في العالم.

وتضع مرسين الشمري، خبيرة شؤون الشرق ألأوسط في بغداد حصيلة مريرة “سكان المنطقة يطغى عليهم عنصر الشباب الذين لا يعرفون إلا هذه الصورة عن الولايات المتحدة، فهم لا يذكرون 11 أيلول/سبتمبر”

وتضيف الباحثة في كلية هارفرد كينيدي أن “11 أيلول/سبتمبر تسببت بحربين غيرت إلى الأبد موازين القوى في المنطقة”.

فترى أن اضعاف العراق أدى للمفارقة إلى تعزيز “قوة إيران إقليميا”، دافعة “المملكة العربية السعودية إلى التحرك في منافسة كان لها آثار كارثية”. متحدثة خصوصا عن النزاع غير المباشر بين البلدين في اليمن.

توضيحية: مواطنون يتفقدون أنقاض مبنى مدمر كان يستخدمه المتمردون الحوثيون في اليمن كمركز احتجاز، بعد قصف جوي للتحالف بقيادة السعودية، في ذمار جنوب العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين في 1 سبتمبر، 2019. (AFP)

 الصين “تحدي العصر”

ويظهر توافق نسبي اليوم على أن الحرب على الإرهاب خرجت عن هدفها الأساسي.

ففي حين سمحت هذه الحرب في بداياتها بتخفيف التهديد، لم تنجح الدول الغربية “في إدارة مرحلة فرض الاستقرار في هذه الدول ما أدى إلى سأم سياسي من الحروب”، بحسب تينيباوم.

وحتى جون بولوتون يأسف لهذا المسعى إلى “بناء الأمم” بأي ثمن بدلا من الاكتفاء بأهداف بسيطة تتمثل بمكافحة الإرهاب.

وأكد الرئيس بايدن في معرض تبريره للانسحاب من أفغانستان رغم المستجدات على الأرض، أنه على الولايات المتحدة أن تحول مواردها لاستثمارها في مزاحمة “منافسين استراتيجيين مثل الصين وروسيا”.

رجل شرطة شبه عسكري يرتدي قناعًا للوجه بالقرب من الصورة الكبيرة للزعيم الصيني ماو تسي تونغ عند بوابة تيانانمن المتاخمة لساحة تيانانمين في بكين، 27 يناير 2020. (AP Photo / Mark Schiefelbein)

فقد اعتبرت إدارة بايدن الصين “التحدي الجيوسياسي الأكبر في القرن الحادي والعشرين” على حساب مكافحة الإرهاب، وذلك في انسجام مع الغالبية العظمى من المسؤولين والدبلوماسيين والمثقفين الأميركيين.

ويقول اندرو باسيفيتش: “ننحرف باتجاه حرب باردة جديدة مع الصين. إننا ننزلق فعلا إلى مسرح جديد حيث ستستأنف جهود المحافظة أو استعادة التفوق الأميركي”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال