بعد مقتل الطالب أحمد حجازي في طمرة، السكان العرب عالقون بين الشرطة والمجرمين
بحث

بعد مقتل الطالب أحمد حجازي في طمرة، السكان العرب عالقون بين الشرطة والمجرمين

ينادي عرب إسرائيل الى تعزيز إنفاذ القانون لمحاربة الجريمة المنظمة، لكن قتل أحد المارة الأبرياء في كمين خرج عن السيطرة يؤكد سبب عدم ثقة المجتمع بالشرطة

الآلاف يشاركون في جنازة طالب التمريض  أحمد حجازي (22 عاما) في مدينة طمرة العربية، شمال إسرائيل، 2 فبراير، 2021. (Sraya Diamant / Flash90)
الآلاف يشاركون في جنازة طالب التمريض أحمد حجازي (22 عاما) في مدينة طمرة العربية، شمال إسرائيل، 2 فبراير، 2021. (Sraya Diamant / Flash90)

تم إجراء الجزء الأول من موكب جنازة أحمد حجازي ليلة الثلاثاء في صمت شبه تام، حيث كانت الأصوات الوحيدة هي نداء إمام الصلاة وطنين طائرة مسيّرة تابعة للشرطة. وتجمع حوالي عشرة آلاف عربي في الجنازة على طول الطريق 70، في انتهاك لقيود فيروس كورونا على التجمهر.

ومع انتهاء الصلاة، بدأ المشيعون في قلب حاويات القمامة وإشعال النيران فيها. وأطلق آخرون ألعاب نارية على الطريق السريع المزدحم.

وهتف المتظاهرون “لا إله إلا الله! الشهداء أحباب الله!”. وصاح مجموعة من الشبان: “الشرطة مصدر الإرهاب”.

وسلط تدفق الحزن الضوء على مفارقة واضحة تواجه العديد من البلدات العربية: بينما تمزقها الجريمة المنظمة وإراقة الدماء بلا هوادة، وصلت الاحتجاجات التي تنادي الى حماية فعالة من الشرطة إلى ذروتها في السنوات الأخيرة. لكن الكثيرين قلقون أيضا من زيادة تواجد الشرطة، مشيرين إلى حوادث مثل مقتل حجازي صباح الثلاثاء في مسقط رأسه طمرة.

طالب التمريض أحمد حجازي، الذي قُتل في تبادل لإطلاق النار بين الشرطة ومجرمين مسلحين في 2 فبراير 2021 (Courtesy Hijazi family)

وأصيب حجازي، طالب التمريض البالغ من العمر 22 عاما، برصاصة خلال تبادل نيران بين الشرطة ومشتبه بهم. وذكرت الشرطة أن رجلين مسلحين ببنادق آلية من طراز M-16 أطلقا النار على منزل عندما فتح الشرطيون الذين كانوا في انتظارهما، على ما يبدو في كمين مخطط له مسبقا، النار.

وأصيب حجازي، الذي خرج من منزله عندما سمع إطلاق النار، بالرصاص وقُتل. وقالت الشرطة إن طبيبا – عابر سبيل – أصيب بجراح أيضا.

وأشعل مقتل حجازي على الفور احتجاجات في البلدات العربية في جميع أنحاء البلاد: وتظاهر عرب في الناصرة وأم الفحم والطيرة، بالإضافة إلى طمرة، المدينة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 35,000 نسمة وتقع شمال شرق حيفا. ومن المقرر تنظيم مسيرة حاشدة في طمرة يوم السبت.

لآلاف يشاركون في جنازة طالب التمريض أحمد حجازي (22 عاما) في مدينة طمرة العربية، شمال إسرائيل، 2 فبراير 2021 (Sraya Diamant / Flash90)

في الجنازة، سقط أحد أبناء عموم حجازي باكيا على جانب الطريق. ورفعه اثنان من أقاربه وحملوه وساروا خلف نعش أحمد.

وقال أيمن ذياب، أحد سكان طمرة: “ما زلت لا أصدق ذلك حقا”. وكان ذياب، وهو ممرض يبلغ من العمر 34 عاما، صديقا مقربا لحجازي.

وأضاف “كان أحمد يتوجه إلي للمشورة بشأن مدرسة التمريض. شجعته على متابعة المجال، وقلت له أنه يمكنه استخدامه لبناء مستقبل. لقد كان معروفا جدا في المدينة، ومحبوبا جدا”.

لقي 11 عربيا إسرائيليا حتفهم في ظروف عنيفة حتى الآن في عام 2021،  بما يشمل حجازي، من بينهم ثلاثة قُتلوا بنيران الشرطة. وقُتل ستة فلسطينيين آخرين في أعمال عنف داخل إسرائيل. وشهد العام الماضي عددا قياسيا من جرائم القتل بين العرب في إسرائيل، حيث قُتل 96 شخصا في أعمال عنف.

ويُنظر إلى الجريمة المنظمة إلى حد كبير على أنها محرك لانتشار العنف في المدن والبلدات العربية. ويلقي العرب في إسرائيل باللوم على الشرطة التي يقولون إنها فشلت في قمع المنظمات الإجرامية.

وتعكس وفاة حجازي المعضلة الصعبة التي يواجهها لعرب بما يتعلق بانتشار العنف في مدنهم وبلداتهم.

متظاهرون يحتجون على انتشار العنف والجريمة في البلدات العربية في إسرائيل، بالإضافة إلى إهمال الشرطة المزعوم، في أم الفحم، 15 يناير 2021 (courtesy: Yousef Jabareen)

ولم يتضح بعد ما إذا كان حجازي قُتل بنيران الشرطة أو المشتبه بهم. وفتحت وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة بوزارة العدل تحقيقا في الحادث، لكن هناك  أمر من المحكمة بحظر نشر تفاصيل التحقيق. ورفض متحدث الكشف عما إذا كان قد تم إجراء تشريح للجثة.

وفي حين تطالب قيادتهم السياسية منذ فترة طويلة بتدخل الشرطة للقضاء على انتشار الأسلحة والجريمة المنظمة، فإن عرب إسرائيل لا يثقون في الشرطة.

وقال مدير مبادرات إبراهيم ثابت أبو راس: “شوارعنا ومدننا مليئة بالشرطة – يوزعون مخالفات السرعة والغرامات على انتهاكات قيود فيروس كورونا… لكن من الواضح أيضا أن الشرطة فشلت في حماية المواطنين العرب”. وتعمل مبادرات إبراهيم، وهي جمعية غير ربحية، لتحسين العلاقات بين الشرطة والمجتمع في المدن والبلدات العربية.

ولا يزال جيل من العرب في إسرائيل يتذكر أحداث أكتوبر 2000، حيث ردت الشرطة بقوة قاتلة على احتجاجات عنيفة ضد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في العديد من المدن العربية الشمالية في بداية الانتفاضة الثانية.

خلال هذه الأحداث، قتلت الشرطة 13 شخصا – 12 من عرب إسرائيل وفلسطيني، بالرصاص. ووجدت “لجنة أور”، التي تم تشكيلها للتحقيق في الأحداث، أن الشرطة استخدمت القوة المفرطة ضد المتظاهرين. ومع ذلك، لم تتم مقاضاة أي من الشرطيين.

وقال عضو الكنيست عن القائمة المشتركة أحمد الطيبي في بيان عقب إطلاق النار: “يطالب الجمهور بمحاربة الجريمة. لكن إطلاق الشرطة النار… الذي أدى إلى مقتل أحمد حجازي أمر غير مقبول. بعضنا يفقد حياته بسبب المجرمين، والبعض بسبب الشرطة”.

وفي حديثه إلى القناة 12 ليلة الثلاثاء، قال قائد لواء الشمال في الشرطة، شمعون لافي، إنه سيقوم بزيارة العائلة، مضيفا أن حجازي كان “مواطنا عاديا علق في مرمى النيران”.

لكن لافي دافع أيضا عن سلوك الشرطة في تلك الليلة، قائلا إنهم تصرفوا بشكل مناسب عندما واجهوا اطلاق النار.

الشرطة في موقع إطلاق نار مميت وسط مدينة اللد، 28 ديسمبر، 2020. (Yossi Aloni / Flash90)

وقال لافي: “أنا اشيد بسلوك الشرطة في تلك الليلة. تبادل إطلاق النار في منطقة حضرية ليس بالأمر السهل… إنه حادث صعب للغاية. يتطلب الشجاعة والمهنية. لم يكن هناك خطأ”.

وووصف قائد الشرطة السابق أليك رون، الذي شغل منصب قائد منطقة الشرطة لواء الشمال في الشرطة من 1997 إلى 2001، وفاة حجازي بأنها “حدث مروع ومأساوي”. وقال إنه يبدو أنه التخطيط للكمين كان سيئا.

وقال رون “إنها مسألة أولويات، أين تضع مواردك. لحدث مثل هذا، أنت بحاجة لعناصر شرطة خضعت لتدريب خاص. عندما يتعلق الأمر بالشرطة، هناك مستويات، من الموظفين الذين يعملون وراء مكاتبهم إلى الضباط المدربين تدريبا عاليا مثل ’يمام’”،  في إشارة إلى الوحدة الخاصة لمكافحة الإرهاب. “لا يمكن أن يتواجد ’يمام’ في كل مكان طوال الوقت، لكن من الواضح أن هذه العناصر لم تكن مدربة تدريبا عاليا”.

الوضع يتدهور بسرعة

في مطلع يناير، أعلن وزير الأمن العام أمير أوحانا أن الدولة ملتزمة بتخليص البلدات العربية من الجريمة المنظمة، وتعهد بمكافحة هذه الظاهرة بـ”قبضة حديدية”.

وقال أوحانا خلال زيارة قام بها إلى الناصرة في يناير، إلى جانب المفوض العام للشرطة المعين حديثا كوبي شبتاي، إن “معظم عرب إسرائيل ملتزمون بالقانون ويحتاجون بشدة لمساعدة الشرطة. هناك صراع شرس يتم خوضه ضد الجريمة والجريمة المنظمة”.

وزير الأمن العام أمير أوحانا في مديرية إنفاذ قواعد فيروس كورونا في تل أبيب، 1 ديسمبر 2020 (Miriam Alster / FLASH90)

وشهدت الأسابيع الأخيرة بالفعل تقارير عديدة عن تنفيذ اعتقالات في بلدات عربية في محاولة لوقف موجة العنف. وفي أواخر يناير، احتشد مئات الشرطيين في مدينة طرعان شمال إسرائيل، واعتقلوا 145 شخصا في ليلة واحدة.

لكن جرائم القتل استمرت على قدم وساق، ومن المتوقع أن يكون هذا العام أكثر فتكا من الذي سبقه.

وقال أبو راس: “الوضع يتدهور بسرعة ونشهد تصعيدا خطيرا في تطور الجريمة المنظمة. من الواضح أن الشرطة تعمل فوق طاقتها وتكافح للتعامل مع كل المشاكل التي تواجهها اليوم. أنا لا أحسدهم”.

وفي ليلة إطلاق النار على حجازي، استيقظت دعاء ذياب، من سكان طمرة، مرعوبة من صوت إطلاق النار. وقالت أن الصوت كان يشبه منطقة حرب.

وقالت ذياب “في البلدات اليهودية، نرى أن الشرطة تتصرف بطريقة مدروسة بدرجة أكبر. إنهم يتعاملون مع الأمور بشكل مسؤول أكثر بدلا من السماح بتصعيد الأمور. لكن في مدننا العربية الفقيرة، والتي تعاني من الإهمال والظلم من قبل مؤسسات الدولة، يتصرفون بتهور”.

الشرطة في طمرة خلال مواجهات مع متظاهرين في احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين. 6 يوليو ، 2014. (Gil Eliyahu / Flash90)

وراى العديد من مواطني إسرائيل العرب جريمة قتل وقعت مؤخرا في أم الفحم على أنها رمز للمشكلة: حتى مع قيام أعداد كبيرة من قوات الشرطة بتفريق تظاهرة ضد العنف في جزء من المدينة، قُتل أحد المتظاهرين برصاص مسلح مجهول خلال عودته إلى المنزل.

وقال أبو راس إنه من المرجح أن يؤدي إطلاق النار على حجازي إلى مزيد من الشكوك وعدم الثقة في الشرطة في البلدات العربية.

وأضاف أبو راس “لطالما كانت هناك أصواتا تطالب بطرد الشرطة من مدننا وبلداتنا. نسمع تلك الأصوات تتصاعد وتطالب بعدم التعاون مع الشرطة على الإطلاق”.

“لكن في الوقت نفسه، نعلم في أعماقنا أن الشرطة هي الوحيدة القادرة على هزيمة الجريمة المنظمة وعائلات الجريمة بنجاح. هناك غضب وإحباط هائلان”، كما قال.

مواطنون إسرائيليون عرب يحتجون على تصاعد العنف والجريمة المنظمة واعمال القتل في بلداتهم، في بلدة مجد الكروم العربية في شمال اسرائيل، 3 أكتوبر ، 2019. (David Cohen / Flash90)

مع الوضع اليائس على نحو متزايد، بدأ البعض يقترح بتردد ما كان العديد من العرب الإسرائيليين ينظرون إليه في السابق على أنه خارج حدود المقبول: تدخل جهاز الأمن العام (الشاباك) إلى المعادلة.

تعمل وكالة الاستخبارات في الغالب ضد الأنشطة الفلسطينية عبر الخط الأخضر. إن أساليبها عدوانية وقاسية، لكنها تبدو فعالة في قمع الهجمات العنيفة ضد المدنيين الإسرائيليين.

في الأسبوع الماضي، قال رئيس بلدية رهط فايز أبو صهيبان لتايمز أوف إسرائيل في مكالمة هاتفية “دع الشاباك يتدخل. دع الشيطان نفسه يتدخل. سأقبل بأي وسيلة طالما أنها تؤدي إلى تمكين المواطنين العرب من العيش بأمن وأمان”.

ووصف عضو الكنيست السابق عن حزب الجبهة محمد بركة، الذي يدير لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، الفكرة بأنها “مثيرة للغضب”.

وقال “ما يفعله الشاباك في إطار الإحتلال، هل تعتقد أن المواطنين العرب يريدون فعل ذلك [لنا]؟”

في الاجتماعات الأخيرة مع رؤساء السلطات المحلية العربية، تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باتباع نهج متعدد الجوانب للتعامل مع القضية: خطة اقتصادية جديدة، وتقديم الائتمان لمواطني إسرائيل العرب الذين يعانون منذ فترة طويلة من التمييز المؤسسي من البنوك، وطرح خطة عامة لمكافحة العنف.

الآلاف يشاركون في جنازة أحمد حجازي بالقرب من مدينة طمرة، 2 فبراير، 2021. (Sraya Diamant / Flash90)

وكان من المقرر أن يطرح نتنياهو خطة لمكافحة العنف في حدث متلفز مع أوحانا مساء الأربعاء. لكن حتى قبل عرض الخطة على الجمهور، رفضها النقاد في وسائل الإعلام العربية ووصفوها بأنها حيلة انتخابية.

في الجنازة التي تحولت إلى احتجاج في طمرة، دحرج طفل إطارا في منتصف الطريق دس فيه قطعة قماش مبللة بالبنزين. صرخ رجلان أكبر منه في وجهه: “توقف عن ذلك، أعده!” بعد تأنيبه، اندفع الطفل عائدا إلى جانب الطريق السريع.

وقالت دعاء ذياب: “هناك شعور بأننا بين المطرقة والسندان. هذا ليس بشعور بسيط. هذا مكان معقد للعيش فيه، وهو ما يجعلنا مترددين وقلقين باستمرار”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال