بعد الضم، من المرجح أن يتخلى العالم عن نموذج الدولتين
بحث
تحليل

بعد الضم، من المرجح أن يتخلى العالم عن نموذج الدولتين

قد تستغرق العملية سنوات ، لكن المسؤولين والمحللين الذين يتهمون إسرائيل بقتل خيار الدولة الفلسطينية المستقبلية بدأوا يطالبون بدولة موحدة ذات حقوق متساوية للجميع

توضيحية: مسؤولون فلسطينيون إلى جانب نشطاء سلام إسرائيليين ودوليين يغرسون أشجارا بالقرب من مجمع بيت البركة كجزء من الاحتجاجات على استيلاء مستوطنين إسرائيليين على الأرض، 9 أبريل، 2016. (Wisam Hashlamoun/Flash90)
توضيحية: مسؤولون فلسطينيون إلى جانب نشطاء سلام إسرائيليين ودوليين يغرسون أشجارا بالقرب من مجمع بيت البركة كجزء من الاحتجاجات على استيلاء مستوطنين إسرائيليين على الأرض، 9 أبريل، 2016. (Wisam Hashlamoun/Flash90)

لسنوات، أصر المسؤولون الإسرائيليون على أن التقارير حول وفاة حل الدولتين مبالغ فيها إلى حد كبير، وأن خيار الدولة الفلسطينية لا يزال على قيد الحياة، على الرغم من التوسعات الاستيطانية المستمرة.

الآن، يخشى العديد من مؤيدي حل الدولتين من أن ضم إسرائيل من جانب واحد لأجزاء كبيرة من الضفة الغربية من شأنه أن يدفن هذا الاحتمال مرة واحدة وإلى الأبد. من ناحية أخرى، يقول المدافعون عن الضم الإسرائيلي، إن هذه الخطوة، إذا تم تنفيذها وفقا لخطة السلام الأمريكية، ستقدم بالفعل “حلا واقعيا قائما على مبدأ الدولتين”.

في كلتا الحالتين، من المرجح أن يؤدي الضم الإسرائيلي على النحو الذي تتصوره صفقة القرن إلى تقويض الإجماع الدولي على نموذج الدولتين، وقد يؤدي إلى بدء العالم في دعم فكرة الدولة الموحدة التي يتمتع فيها الإسرائيليون والفلسطينيون بحقوق متساوية .

يوم الأربعاء توقع إيفان غوتسمان، المدير المشارك للسياسات والاتصالات في منتدى السياسات الإسرائيلية، وهو معهد أبحاث حمائمي مقره في الولايات المتحدة، أن “الضم سينهي الجدل حول حدود إسرائيل، وسيبدأ أيضا نقاشا حول نتيجة الدولة الواحدة”.

كيفية تقييم تداعيات الضم المحتمل، الذي يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للدفع به هذا الصيف، يعتمد إلى حد كبير على السياسات القائمة: فاليمينيون الذين يحلمون بإسرائيل الكبرى مقتنعون بأن السماء لن تسقط، في حين أن الحمائميين الذين يؤيدون التنازلات عن الأراضي والدولة الفلسطينية يجادلون بأن الخطوة ستكون بمثابة البداية لنهاية المشروع الصهيوني.

ويتوقع دعاة الضم القليل من التغيير، ويزعمون أنه يمكن لإسرائيل، إذا تصرفت بحزم، التغلب بسهولة على الإزدراء الدولي، الذي يتوقعون أن يتلاشى بسرعة، تماما كما نسي العالم في نهاية المطاف ضم إسرائيل للقدس الشرقية وهضبة الجولان.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في يسار الصورة، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، وسط الصورة، ووزير السياحة يريف ليفين خلال لقاء لمناقشة رسم خرائط توسيع السيادة الإسرائيلية لتشمل مناطق في الضفة الغربية، في مستوطنة أريئيل، 24 فبراير، 2020. (David Azagury / US Embassy Jerusalem)

على النقيض من ذلك، لا يتوقع المنتقدون إدانات فحسب، بل عقوبات، ليس فقط من أوروبا ولكن أيضا من 50 بالمائة من الهيئة السياسية الأمريكية. كما أنهم قلقون بشأن المزيد من عزلة يهود الشتات، ويخشون بشأن مصير اتفاقية السلام مع الأردن والاستقرار الداخلي فيه، وقلقون بشأن التقارب الأخير مع دول الخليج، ويتوقعون زيادة الحنق في المحكمة الجنائية الدولية.

يجادل البعض بأن الخطة ستجعل الانفصال المستقبلي عن الفلسطينيين شبه مستحيل على المدى الطويل، الأمر الذي سيحول إسرائيل في نهاية المطاف إلى دولة فصل عنصري يتقاسم فيها الإسرائيليون والفلسطينيون نفس المساحة ولكن لديهم حقوق غير متساوية.

إحدى الحجج المضادة هي أن الضم المتصور حاليا – والذي وافقت عليه الحكومة الإسرائيلية ولن يتم إلا بالتنسيق الكامل مع الإدارة الأمريكية وعلى غرار اقتراح السلام الذي تقدم به الرئيس دونالد ترامب – سيطبق السيادة الإسرائيلية على حوالي 30 بالمائة من الضفة الغربية.

وما سيتبقى من الأراضي سيكون مخصصا لدولة فلسطينية مستقبلية – وبالتالي، بحسب هذه النظرية، لن يشكل الضم في إطار الخطة نهاية لحل الدولتين بل بالأحرى سيكون بمثابة خطوة نحو “حل واقعي يقوم على دولتين”. وبالفعل، فإن ما تسمى ب”صفقة القرن” تذكر مصطلح “حل الدولتين” 86 مرة.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يلقي كلمة أمام مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة في مقر المنظمة، 11 فبراير، 2020 في نيويورك.(AP Photo/Seth Wenig)

ولكن بدلا من تبني الخطة كمخطط للوصول إلى حل الدولتين، يعتبرها الكثيرون في المجتمع الدولي المسمار الأخير في نعش حل الدولتين. وفي حين أن القليل من المسؤولين مستعدون حاليا للابتعاد عن المبدأ الدبلوماسي الذي دام عقودا من الزمن الذي يقدس حل الدولتين، إلا أن هناك مؤشرات متزايدة على أنهم سيتبنون عاجلا أم آجلا نتيجة الدولة الواحدة.

لأنه بمجرد أن يقرر العالم أن نموذج “الدولتين لشعبين” القديم لم يعد مناسبا، فمن المرجح أن يستخلص النتيجة المنطقية ويبدأ في الدعوة إلى دولة ثنائية القومية، من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن، مع حقوق متساوية للجميع.

مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبيي، جوزيب بوريل، يرد على سؤال خلال مؤتمر صحفي في بروكسل، 7 يناير،  2020. (AP Photo/Francisco Seco)

بعد حديثه مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في 30 أبريل، قال وزير خارجية الإتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، “نتفق على أن ضم غور الأردن سيعني نهاية حل الدولتين”.

إذا كان الضم يقتل آفاق إقامة دولة فلسطينية بجوار إسرائيل بالكامل – فما هو البديل؟

في الوقت الراهن، تتمسك معظم الحكومات بمبدأ الدولتين، والذي تم تأكيده على أنه “الفرصة الأفضل والواقعية الوحيدة للسلام” في عدد لا يحصى من القرارات والإعلانات. لكن بعض المسؤولين بدأوا يتحدثون عما كان غير وارد حتى اليوم.

يوم الإثنين كتب راديك فوندراتشيك، رئيس مجلس النواب في جمهورية التشيك، في مقال رأي، أن “مبدأ ’الدولتين لشعبين’ كان الشعار والشرط الرسمي لعملية السلام. دعونا نواجه الامر، الوقت ينفذ والوضع تغير”، مضيفا أنه لا ينبغي على العالم فرض “مخططاته القديمة والإحباط الناجم عن عدم الوفاء بها” على الأطراف على الأرض إذا أرادوا استكشاف أفكار جديدة.

رئيس مجلس النواب التشيكي، راديك فوندراتشيك، في البرلمان بالعاصمة التشيكية براغ، 27 مارس، 2018. (AP Photo/Petr David Josek)

وأضاف “إن وجود دولة إسرائيل يظهر أن تحقيق الحلم الإنساني بالحرية أمر صعب للغاية. لم يكن الحلم قائما على مبدأ حل الدولتين. لذا فقد حان الوقت لإحياء فكرة التعايش بين الجميع في دولة واحدة مشتركة”.

على عكس فوندراتشيك – المعروف بأنه صديق لإسرائيل – حتى أولئك الذين ينتقدون الحكومة الإسرائيلية يقولون إن الضم سيجعل أي نتيجة أخرى مستحيلة.

يوم الأربعاء قال الصفدي، وزير الخارجية الأردني، “هذا القرار سيقتل حل الدولتين، مما يجعل حل الدولة الواحدة أمرا لا مفر منه”.

وزيرر الخارجية الأردني أيمن الصفدي (يسار) يستقبل كبير المفاوضين الفلسطينيين وأمين ير منظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات عند وصوله إلى وزارة الخارجية في العاصمة الأردنية عمان، 14 مايو، 2017. (AFP PHOTO / Khalil MAZRAAWI)

هذا الأسبوع سأل مايك والاس، وهو عضو ايرلندي في البرلمان الأوروبي، بوريل، “في الوقت الحالي، حل الدولتين قد مات… ألن يكون رائعا إذا كان لدينا بالفعل دولة ديمقراطية لليهود والفلسطينيين بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط؟”

في وقت سابق من هذا الشهر، أيد الكاتب الصحفي الإسرائيلي اليساري غدعون ليفي الضم باعتباره “السبيل الوحيد للخروج من الطريق المسدود، وهو الهزة الوحيدة الممكنة التي يمكن أن تنهي حالة اليأس التي علقنا فيها، والتي لم يعد من الممكن أن تؤدي إلى أي مكان جيد”.

ورد عليه نيك ويستكوت، المدير السابق لقسم الشرق الأوسط بالاتحاد الأوروبي “ربما. لكن فقط كجزء من حل متماسك للدولة الواحدة مع الحقوق المتساوية لجميع المواطنين”.

تهدد رام الله منذ مدة طويلة بالتخلي عن سعيها لإقامة دولة والسعي للحصول على حقوق متساوية للفلسطينيين بدلا من ذلك إذا استمرت إسرائيل في التعدي على الأراضي التي يطالبون بها  لدولتهم. ترفض القدس بشكل روتيني مثل هذه التهديدات، على الرغم من استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن الشباب الفلسطيني بشكل خاص يتقبل حل الدولة الواحدة.

يوافق دان شابيرو، سفير الولايات المتحدة السابق في إسرائيل، وهو الآن زميل في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، على أن الضم يمكن أن يمنح الفلسطينيين مزيدا من الزخم للدفع بحل الدولة الواحدة، وأن هذا سيؤثر في نهاية المطاف على موقف المجتمع بشأن هذه المسألة.

وقال شابيرو لمنتدى السياسات الإسرائيلية خلال إحاطة في الشهر الماضي، “”يقول معظم [الشباب الفلسطيني]، أتعرف ماذا، إذا كان حل الدولتين مستحيلا، ما نريده حقا هو حقوق المواطنة. وسيكون من دواعي سرورهم متابعة هذه الحقوق في سيناريو الدولة الواحدة، ومرة ​​أخرى، رؤية تنفيذ ضم أحادي الجانب سيعزز هذا الاتجاه إلى حد كبير بحسب اعتقادي”.

السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، دان شابيرو، يشارك في “مؤتمر مئير دغان للإستراتيجية والدفاع”، في كلية نتانيا، 21 مارس، 2018. (Meir Vaaknin/Flash90)

وأضاف “قد يستغرق الأمر خمس سنوات أو عشر سنوات أو 15 سنة، لكن أعتقد أن الكثير من الدول بما في ذلك الكثير من الدول العربية التي هي صديقة لإسرائيل ودول أخرى أيضا، وبالتأكيد في أوروبا وأماكن أخرى، ستنجرف مع الوقت في اتجاه الدعوة لذلك (حل الدولة الواحدة)”.

“سيقولون، أتعرف ماذا، إذا كان حل الدولتين مستحيلا، فإليك البديل، حيث سيكون لكل شخص الحق في التصويت والتمثيل في البرلمان، دولة ديمقراطية واحدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن”.

ويقول هيو لوفات، زميل باحث في السياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية الذي يركز على عملية السلام في الشرق الأوسط، إن على الاتحاد الأوروبي “أن يعترف بأن منطق الدولتين الذي قام على أساس سياساته الخاصة على مدى العقود الثلاثة الماضية لم يعد قائما”.

ودعا لوفات إلى “مراجعة واسعة النطاق للسياسة” لتقييم زوال نموذج الدولتين، وأضاف: “على الرغم من ذلك، يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه واضحين أنه إذا لم يعد حل الدولتين خيارا قابلا للتطبيق، فإن الوسيلة البديلة الوحيدة المقبولة لتحقيق الحقوق المتساوية لكلا الشعبين ستكون من خلال دولة ثنائية القومية”.

تريدون الحفاظ على الدولة اليهودية؟ العالم سيقول ’ليست مشكلتنا’

يضغط الدبلوماسيون والسياسيون أيضا من أجل حل الدولتين لأنه، كما يقولون، لا يوجد خيار آخر يحمي إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.

في ديسمبر 2017، قال سفير الاتحاد الأوروبي لدى إسرائيل إيمانويل جيوفري، في مقابلة لتايمز أوف إسرائيل: “نحن لا نرى أي بديل لحل الدولتين، لأننا نشعر أن الإسرائيليين يرغبون في أن تكون لهم دولتهم الخاصة بهم التي يشكل فيها اليهود أغلبية ويعيشون فيها هويتهم، وحل الدولة الواحدة بالنسبة لنا لا يتوافق مع هذه الرغبة، وهو أمر مفهوم”.

لكن معظم المجتمع الدولي لم يفهم حقا رغبة إسرائيل في الاعتراف بها كدولة يهودية، ناهيك عن تأييده لذلك. وإذا نُظر إلى إسرائيل على أنها تقتل بمفردها حل الدولتين من خلال الضم الأحادي لثلث الضفة الغربية، فإن العالم قد يقرر أن ما يهمه حقا هو الديمقراطية وحقوق الإنسان.

قد يجادل العالم بأنه لا يمكن لإسرائيل أن تحصل على كل شيء: عرقلة قيام الدولة الفلسطينية والحفاظ على الأغلبية اليهودية وأن تُعتبر دولة ديمقراطية. وبما أن إسرائيل قررت على ما يبدو جعل الانفصال المستقبلي عن الفلسطينيين مستحيلا، فسيتعين عليها الاختيار بين كونها يهودية أو ديمقراطية.

إن فكرة الدول القومية التي تستند على العرق تحولت منذ زمن بعيد إلى فكرة قديمة الطراز في أوروبا، وإذا قررت رام الله أن تتخلى عن سعيها إلى إقامة دولة وطالبت بالجنسية الإسرائيلية لجميع الفلسطينيين في الضفة الغربية بدلا من ذلك، فمن المرجح ألا يجد الكثيرون في المجتمع الدولي سببا للاعتراض.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال