إسرائيل في حالة حرب - اليوم 237

بحث
تحليل

بعد أشهر من تجاهل نتنياهو المخاوف الأمريكية المتزايدة؛ الرئيس بايدن قرر ايصال الرسالة بشكل واضح

مسؤول أمريكي يقول إن البعض في الإدارة تفاجئ من تصريحات الرئيس المرتجلة بأن إسرائيل "لا يمكنها الاستمرار في هذا الطريق"، لكنه يقر بأن نتنياهو لم يترك له خيارا آخر

الرئيس الأمريكي جو بايدن يتحدث مع المراسلين ، قبل صعوده على متن طائرة الرئاسية في مطار رالي دورهام الدولي في موريسفيل بولاية نورث كارولينا،  28 مارس، 2023، في طريقه إلى واشنطن. (AP Photo/Carolyn Kaster)
الرئيس الأمريكي جو بايدن يتحدث مع المراسلين ، قبل صعوده على متن طائرة الرئاسية في مطار رالي دورهام الدولي في موريسفيل بولاية نورث كارولينا، 28 مارس، 2023، في طريقه إلى واشنطن. (AP Photo/Carolyn Kaster)

واشنطن – التصريحات الأولية لمسؤولين من إدارة بايدن في الساعات الـ 24 الأولى بعد إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن نيته وقف الجهود لإصلاح القضاء بشكل مؤقت، بدا أنها تشير إلى أن العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية بدأت تأخذ منعطفا ايجابيا بعد أشهر من التدهور.

واحدا تلو الآخر، أصدر المتحدثون باسم البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية بيانات امتدحوا فيها قرار نتنياهو إعطاء فرصة للمفاوضات مع المعارضة بشأن الإصلاح القضائي. “نرحب بهذا الإعلان كفرصة لإيجاد المزيد من الوقت والمساحة للتسوية. [هذا] هو بالضبط ما كنا نطالب به”، كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير يوم الإثنين، مرددة تصريحات المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي والمتحدث باسم وزارة الخارجية فيدانت باتيل.

حتى أن السفير الأمريكي توم نايدس بدأ بالتحدث يوم الثلاثاء عن أن زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض “قريبة نسبيا”، حيث تحدثت تقارير عن غضب رئيس الوزراء من حقيقة عدم تلقيه دعوة حتى الآن.

ولكن بعد ذلك جاءت فرصة مرتجلة للتعليق بعد ظهر يوم الثلاثاء عندما أوقف الصحفيون الرئيس جو بايدن أثناء صعوده على متن الطائرة الرئاسية في مطار رالي دورهام الدولي. ومن دون بيان مُعد أمامه، كشف الرئيس شعوره حقا هو وإدارته إزاء جهود نتنياهو لكبح سلطة محكمة العدل العليا بشكل جذري – توقف أو لا تتوقف.

وقال بايدن: “مثل الكثيرين من مؤيدي إسرائيل، أنا قلق للغاية. لا يمكنهم الاستمرار في هذا الطريق… آمل أن يتصرف رئيس الوزراء بطريقة تمكنه من محاولة التوصل إلى تسوية حقيقية، لكن لا يزال يتعين رؤية ذلك”.

مؤكدا الاضطراب في العلاقات بين البلدين، وضح بايدن، عندما سُئل عما إذا كان نتنياهو سيحصل إلى دعوة لزيارة البيت الأبيض، قائلا: “ليس في المستقبل القريب”.

سارع المسؤولون الإسرائيليون إلى المجادلة الأسبوع الماضي بأن العلاقات مع الولايات المتحدة لم تصل إلى نقطة الانهيار، بعد أن استدعت إدارة بايدن بشكل عاجل سفير إسرائيل إلى وزارة الخارجية بشأن تمرير الكنيست لما يسمى بـ”قانون إلغاء فك الارتباط”، فيما كان أول توبيخ لسفير إسرائيلي منذ عام 2010.

لكن أصبح من المستحيل تقريبا انكار الأزمة بعد تصريحات بايدن يوم الثلاثاء، وهو ما دفع نتنياهو على الأرجح إلى عدم الانتظار حتى الصباح للرد، والقيام بدلا من ذلك بإصدار بيان باللغة الانجليزية في حوالي الساعة الواحدة فجرا بالتوقيت المحلي.

وقال نتنياهو، في رد صب فيه على الأرجح المزيد من الزيت على النار: “إسرائيل دولة ذات سيادة تتخذ قراراتها بإرادة شعبها وليس على أساس ضغوط من الخارج، بما في ذلك من أفضل الأصدقاء”.

مسؤول أمريكي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته قال لـ”تايمز أوف إسرائيل”، إن البعض في الإدارة الأمريكية “فوجئوا” بتصريحات بايدن، وهو ما بدا أنه يؤكد أن الرئيس قد خرج بالفعل عن النص.

ومع ذلك، بمجرد أن رد نتنياهو بالطريقة التي رد بها – على الرغم من أن رئيس الوزراء استهل بيانه بالتعبير عن تقديره لالتزام بايدن طويل الأمد تجاه إسرائيل – فقد تبدد بسرعة أي انزعاج قد يكونون شعروا به.

وقال مسؤول في إدارة بايدن لموقع “ذا فوروورد” إن قادة اليمين في إسرائيل “يمكنهم محاولة تشويه سمعتنا بالطريقة التي تحلو لهم”، مضيفا أن نتنياهو ومساعديه ارتكبوا “سوء تقدير كبير” فيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة من خطة الإصلاح القضائي.

في غضون ذلك، المسؤول الأمريكي الذي تحدث مع تايمز أوف إسرائيل أكد على أن الإدارة “[لم تكن] تريد حقا الوصول إلى ما نحن عليه اليوم”.

وقال المسؤول: “أردنا العمل مع بيبي لتحقيق أهداف مشتركة”، في إشارة إلى تعزيز التعاون الثنائي ضد التهديد النووي الإيراني وزيادة اندماج إسرائيل في المنطقة. “ما زلنا نريد العمل معه”.

وأضاف: “ولكن لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر، والإشارات التي تلقيناها من [القدس]، حتى بعد الإعلان عن [وقف خطة الإصلاح] في الأمس من رئيس الوزراء، دفعتنا إلى الاعتقاد بأن رسائلنا لم تصل بعد”.

في حين أنه لم يوافق على قرار بايدن التعبير عن إحباطه بالطريقة التي تحدث بها يوم الثلاثاء، قال دبلوماسي إسرائيلي – والذي تحدث أيضا شريطة عدم الكشف عن اسمه – إن اسرائيل كانت تدرك تماما أن خطة الإصلاح القضائي وبشكل أوسع الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني “لم تكن القضايا التي أرادت الإدارة التعامل معها”.

وقال الدبلوماسي الإسرائيلي: “أولويات سياستهم الخارجية في مكان آخر، لكنهم يشعرون بأنه يتم جرهم مرة أخرى نحو قضايانا لأسباب متنوعة – بعضها تتعلق بهم وأخرى تتعلق بنا”.

وأوضح أن الأمور لم تتدهور إلى مستوى “تشيكن شيت” (الجبان التافه) والشتائم التي صبغت العلاقة الثنائية خلال إدارة أوباما – “ومن المحتمل ألا تصل أبدا إلى هذ الحد، بالنظر إلى من هو بايدن ومن هم الأشخاص من حوله”.

لكن يبدو أن العداء آخذ بالازدياد، لا سيما على الجانب الإسرائيلي.

الرئيس الأمريكي جو بايدن (يسار) يلتقي بزعيم المعارضة بنيامين نتنياهو في مقر رؤساء إسرائيل في القدس، 14 يوليو 2022 (GPO)

في إفادة للصحافيين خلال زيارة نتنياهو الأخيرة إلى روما في وقت سابق من هذا الشهر، ألقى مسؤول إسرائيلي كبير باللائمة على “ضعف” إدارة بايدن في اتفاق التطبيع بين إيران والسعودية.

نجل نتنياهو، يائير – الذي يقيم مع رئيس الوزراء تحت سقف واحد ومن المعروف أن نتنياهو يصغي إليه – قام بمشاركة منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي في الأسبوع الماضي زعم فيها أن وزارة الخارجية الأمريكية تمول الاحتجاجات المعارضة لخطة الإصلاح القضائي بهدف الإطاحة بوالده حتى تتمكن الولايات المتحدة من الدخول مجددا إلى الاتفاق النووي مع إيران.

أثارت هذه المزاعم غضب المسؤولين الأمريكيين في واشنطن لدرجة دفعت وزارة الخارجية الأمريكية إلى إصدار بيان مفصل تدحض فيه المزاعم باعتبارها “كاذبة بشكل واضح”. يوم الثلاثاء وصف نايدس المزاعم بأنها “سخيفة”.

ومع ذلك، فضلت الولايات المتحدة حتى الآن الاكتفاء إلى حد كبير بلغة خطاب صارمة لايصال رسائلها، بدلا من اتخاذ إجراءات حاسمة من شأنها أن تثير ردود فعل غاضبة من الجماهير المحلية والإسرائيلية.

لقد تجنبت إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس لخدمة الفلسطينيين، وامتنعت عن التراجع عن “عقيدة بومبيو” للإدارة السابقة التي أعطت نوعا من الشرعية للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

حتى عندما قررت إدارة بايدن الذهاب إلى ما هو أبعد من الخطاب، فقد فعلت ذلك بحذر شديد.

الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما إلى رئيس الوزراء يستمع إلى بنيامين نتنياهو، في مقدمة الصورة، وهو يتحدث في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض في واشنطن، 9 نوفمبر، 2015. (Andrew Harnik / AP)

في الشهر الماضي، دعمت بيانا رمزيا مشتركا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد بناء المستوطنات الإسرائيلية، ولكن فقط بعد أن منعت مشروع قرار ذي طبيعة ملزمة سمح الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بتمريره في عام 2016.

واستدعت السفير الإسرائيلي مايك هرتسوغ إلى وزارة الخارجية بشأن قانون إلغاء فك الارتباط، لكنها تجنبت وصف الخطوة بأنها استدعاء، الأمر الذي كان من شأنه أن يمنح المسألة ثقلا دبلوماسيا أكبر بكثير.

لكن كما أشار المسؤول الأمريكي، فإن الشعور في واشنطن هو أن مخاوفها لم يتردد صداها في القدس.

ازداد هذا الشعور بقرار نتنياهو التعهد لوزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير بمنحه السيطرة على “حرس وطني”، في خطوة يحذر منتقدوها من أنها قد تُستخدم لاستهداف مواطني إسرائيل العرب والفلسطينيين، حسبما قال مسؤول أمريكي.

ولذا اختار بايدن إنهاء المراوغة المهذبة التي انخرط فيها مساعدوه خلال الأسابيع العديدة الماضية فيما يتعلق بدعوة نتنياهو التي طال انتظارها إلى البيت الأبيض.

يترك ذلك نتنياهو في عزلة آخذة بالازدياد. الرحلات إلى أوروبا التي قام بها نتنياهو في الأسابيع الأخيرة طغت عليها الانتقادات التي تلقاها من القادة المضيفين والاحتجاجات التي تلته أينما ذهب. في المملكة المتحدة الأسبوع الماضي، تخلى رئيس الوزراء ريشي سوناك عن الصورة التقليدية، لكنه حرص على إدراج مخاوفه بشأن خطة الإصلاح القضائي في البيان الذي تلا اجتماعهما.

كما تواصل الإمارات العربية المتحدة التعامل ببرود مع نتنياهو في حين لم يمر أسبوع دون أن يصدر باقي الحلفاء العرب لإسرائيل إدانة من نوع ما.

المستشار الألماني أولاف شولتس (يمين) ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعقدان مؤتمرا صحفيا مشتركا بعد محادثات في المستشارية في برلين، 16 مارس 2023 (Tobias SCHWARZ / AFP)

حتى داخل إسرائيل، أصبحت حرية حركة نتنياهو محدودة بسبب الاحتجاجات الجماهيرية في أي مكان يظهر فيه. ويبقى أن نرى ما إذا كانت ستستمر في ظل توقف العملية التشريعية لإعطاء فرصة للمفاوضات. كما أُجبر رئيس الوزراء على التخلي عن خطاباته المعتادة في المراسم العسكرية، خوفا على ما يبدو من أنه مع الاضطرابات المتزايدة داخل الجيش، فإنه قد لا يلقى ترحيبا في مثل هذه المناسبات.

ومع ذلك، وجد بايدن أنه من الضروري توضيح هذه النقطة يوم الثلاثاء، حيث أعرب بصوته هو عن اعتراضاته، اعتقادا منه كما يبدو أن البيان الذي أصدره الشهر الماضي والمكالمة التي أجراها مع نتنياهو الأسبوع الماضي لم تكونان كافيتين.

من وجهة نظره، لا يكفي إيقاف الحزمة التشريعية لإصلاح القضاء مؤقتا. يأمل بايدن أن يتم استبدالها بمقترحات تحظى بتأييد إجماعي واسع تفتقر إليه النسخة الحالية بلا شك.

وقال بايدن: “آمل أن يعمل رئيس الوزراء… من أجل التوصل إلى تسوية حقيقية، لكن لا يزال يتعين رؤية ذلك”، وشدد على كلمة “حقيقية” – وهي صفة ادعى خصوم نتنياهو أن نهج رئيس الوزراء إزاء مفاوضات التسوية يفتقر إليها.

ومع ذلك، افتتح بايدن ملاحظاته بالتأكيد على أنه يتحدث بصفته “داعما قويا لإسرائيل”. ورفض فكرة أنه  يسعى للتدخل في الشأن الإسرائيلي الداخلي وأشار إلى أنه كان يعبر عن موقف يشاركه اليهود الأمريكيون أيضا، ناهيك عن المشرعين الجمهوريين، الذين بدأوا في الإعراب عن مخاوفهم يوم الثلاثاء أيضا.

كما تحدث بايدن كشخص يعتبر نفسه منذ فترة طويلة بأنه صهيوني – الشخص الذي قال في كثير من الأحيان إنه “إذا لم تكن هناك إسرائيل، فسيتعين علينا اختراع واحدة”.

ولكن بعد الهرج الذي اجتاح الدولة اليهودية في الأشهر الثلاثة الأخيرة، من غير المرجح أن تكون إسرائيل نتنياهو هي الدولة التي كانت تدور في ذهن بايدن.

اقرأ المزيد عن