باحثون يصفون خطاب محمود عباس حول المحرقة بأنه تحريضي ومعاد للسامية
بحث

باحثون يصفون خطاب محمود عباس حول المحرقة بأنه تحريضي ومعاد للسامية

باحثون بارزون في المحرقة ينتقدون رئيس السلطة الفلسطينية بسبب خطابه الذي أساء فيه لليهود ويتهمونه ب’إعادة كتابة التاريخ’ بشأن اتفاق ال’هعفراه’ مع النازيين

رئيس السلطةالفلسطينية محمود عباس يترأس جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني في رام الله، 30 أبريل، 2018. (AFP PHOTO / ABBAS MOMANI)
رئيس السلطةالفلسطينية محمود عباس يترأس جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني في رام الله، 30 أبريل، 2018. (AFP PHOTO / ABBAS MOMANI)

بداية، وصفت مؤرخة المحرقة ديبوراه ليبستادت يوم الخميس خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي ألقاه في اليوم السابق بأنه “معاداة كلاسيكية للسامية” و”محاولة لإعادة كتابة التاريخ” يهدف إلى تأطير اليهود كتمعاونين مع النازيين.

وهاجم باحثون ونشطاء بارزون عباس بعد أن نسب الرئيس الفلسطيني الثمانيني الإبادة الجماعية التي ارتكبها النازيون ضد يهود أوروبا إلى سلوك اليهود وعملهم في إقراض المال.

وقالت ليبستادت في مقابلة هاتفية: “هذا رجل بدأ مشوراه المهني بإنكار المحرقة والآن في المراحل الأخيرة من مسيرته يبدو أنه منخرط في إعادة كتابة تاريخ المحرقة ومعاداة السامية الكلاسيكية”.

في خطاب مطول ألقاه في رام الله في جلسة نادرة للمجلس الوطني الفلسطيني، زعم القائد الفلسطيني البالغ من العمر 82 عاما إن المحرقة لم تحدثت بسبب معاداة السامية وإنما بسبب “وظيفتهم (اليهود) الاجتماعية… بسبب الربا والبنوك”.

بروفسور ديبوراه ليبستادت(photo credit: Courtesy of Emory University)

في خطابه، يشير عباس أيضا إلى اتفاق الـ”هععفراه” الذي أبرم في عام 1933 بين القيادة الصهيونية وبنك “أنجلو فلسطين” (الذي يُعرف بإسم “بنك لئومي” اليوم) وزعماء صهاينة ألمان وألمانيا النازية  وسمح للألمان اليهود بالهجرة إلى فلسطين الانتدابية مع ممتلكاتهم. من خلال هذا الاتفاق، كما زعم عباس، قام أدولف هتلر، الذي كان نظامه مسؤولا عن قتل 6 مليون يهودي في المحرقة، بتسهيل هجرة اليهود إلى إسرائيل.

عباس أشار أيضا في خطابه إلى كتاب آرثر كوستلر المثير للجدل، “القبيلة الثالثة عشرة”، الذي يؤكد فيه على أن اليهود الأشكناز ينحدرون من شعوب الخزر، في محاولة منه لإثبات عدم وجود علاقة تاريخية لليهود بإسرائيل، وكرر مزاعمه بأن الدولة اليهودية تأسست كمشروع استعماري أوروبي مضيفا أن “كل الذين كانوا يدعون الى دولة يهودية ليسوا يهودا”.

وقالت ليبستادت، وهي مؤرخة أمريكية بارزة وخبيرة في إنكار المحرقة والتي تم رواية قصة انتصارها في دعوى تشهير ضد ناكر المحرقة البريطاني ديفيد ايرفينغ في فيلم “إنكار” (Denial) في عام 2016، “إنها معاداة للسامية كلاسيكية” و”اللوم الكلاسيكي للضحية”.

وأضافت: “هذا يعيد المرء مباشرة إلى أطروحته وتشويهه للتاريخ”، في إشارة إلى رسالة الدكتوراة التي كتبها عباس في عام 1982 في موسكو خلال الحكم السوفييتي تحت عنوان “الجانب الآخر: العلاقة السرية بين النازية والصهيونية”، والتي زعم فيها أن عدد ضحايا المحرقة (6 مليون) مبالغ فيه بصورة كبيرة وبأن قادة الحركة الصهيونية تعاونوا مع النازيين.

خطاب رئيس السلطة الفلسطينية لاقى تنديدات أيضا من قبل مجموعات يهودية أمريكية يوم الخميس.

المدير التنفيذي لـ”رابطة مكافحة التشهير” جوناثان غرينبلات قال: “محمولا بتأكيدات غير تاريخية وأكاديمية زائفة، فإن أحدث خطاب للرئيس الفلسطيني يعكس مرة أخرى عمق وثبات المواقف المعادية للسامية التي لديه”.

وأضاف: “مع خطابات عامه كهذه، ليس من المستغرب أنه تحت قيادة عباس، فشلت السلطة الفلسطينية في إدانة ومحاربة التحريض الفلسطيني المعادي للسامية، بما في ذلك الروايات التي تشير إلى أن اللوم يقع على اليهود في المحرقة وغيرها من الاضطهاد المعادي للسامية، والتي تنكر أو تنتقص من الوجود اليهودي على مدار آلاف السنين وعلاقتهم بأرض إسرائيل”.

ونددت منظمة “جيه ستريت” هي أيضا بتصريحات عباس وقالت إنها “تتميز بلمسات سخيفة معادية للسامية وتعليقات مسيئة للغاية حول تاريخ الشعب اليهودي وإسرائيل”.

اتفاق الـ”هعفراه”

الاتفاق المسمى بالـ”هعفراه” الذي تم التفاوض عليه من قبل القادة الصهاينة الألمان نص على السماح بتحويل بعض الأموال من صناديق إستئمانية ألمانية إلى صناديق إسئتمان في فلسطين الإنتدابية تم إبرامه مع ألمانيا النازية وبنك “أنجلو فلسطين” في أغسطس من عام 1933.

الاتفاق أثار جدلا عميقا في صفوف الحركة الصهيونية في فلسطين الإنتدابية، ودفع الوكالة اليهودية بقيادة بن غوريون إلى الخروج ضد الحركة الإصلاحية بقيادة فلاديمير جابوتنسكي. بقيادة بن غوريون، أكد مؤيدو الاتفاق على البرغماتية في السماح ليهود ألمانيا بالفرار من النازيين والاحتفاظ ببعض رؤوس أموالهم في اتفاق رأوا أنه قد يشجع على الهجرة اليهودية. منتقدو الاتفاق رفضوا أي تعامل مع ألمانيا النازية واعتبروه بمثابة تعامل مع الشيطان.

يكتب المؤرخ الإسرائيلي توم سيغف في كتابه “المليون السابع” إن “نظام الهعفراه استمر بالعمل بشكل أو بآخر حتى منتصف الحرب العالمية الثانية”.

حوالي 20,000 شخص استعانوا به، وتم تحويل حوالي 30 مليون دولار من ألمانيا إلى فلسطين. ولم يكن هذا بملبغ كبير حتى في هذه الفترة، لكنه أعطى دفعة معينة لاقتصاد الدولة وللمشروع الصهيوني. المهاجرون أنفسهم أضطروا إلى الانتظار لفترة طويلة للحصول على أموالهم، وصلت أحيانا إلى عامين أو ثلاثة أعوام، وخسروا نحو 35 بالمئة من رؤوس أموالهم، ولكن بحسب حسابات مؤيدي الهعفراه، كانوا سيخسرون مبالغ أكبر في حال حاولوا تحويل رؤوس أموالهم بأي طريقة قانونية أخرى”.

بحسب دكتور يهودا باور (92 عاما)، الذي يُعتبر أحد أبرز الباحثين الإسرائيليين في الإبادة الجماعية التي ارتكبها النظام النازي ضد يهود أوروبا، تم تحويل 8 مليون جنيه إسترليني فقط عبر صناديق الإستئمان في إطار اتفاق الهعفراه، وأن اليهود الألمان مثلوا فقط ربع المهاجرين اليهود في ذلك الوقت.

وقال باور لتايمز أوف إسرائيل إن قضية الهعفراه “تُستخدم من قبل المعادين للسامية والمؤيدين للنازية، بمن فيهم [عباسٍ]، بطريقة غير معقولة”.

وأضاف باور: “لم تكن هناك فكرة مشتركة أو أي شيء من هذا القبيل بين الصهيونية وألمانيا النازية. لقد كانت هناك رغبة لدى الألمان بالتخلص من اليهود، ورغبة من اليهود بإنقاذ أنفسهم”.

مزاعم مماثلة حول العلاقة النازية-الصهونية أثارها مؤخرا رئيس بلدية لندن السابق كين ليفينغستون، الذي قال في عام 2016 إن هتلر دعم بداية الصهيونية في سنوات الثلاثينيات “قبل أن يجّن وينتهي به المطاف بقتل ستة مليون يهودي”.

وبينما تصف ليبستادت الاتفاق بأنه في نهاية المطاف “ًصفقه مع الشيطان”، إلا أنها تشير إلى أنه كان “محاولة يائسة من قبل الصهاينة الألمان لمساعدة اليهود بالخروج من ألمانيا”.

وتقول إن عرض عباس للاتفاق، في سياق الإدعاء بأنه مؤامرة اقتصادية أوروبية لتوطين الأرض باليهود، مضلل بشكل كبير وهو “جزء من محاولة تأطير الصهاينة في إسرائيل كجزء من جهود التعاون مع النازيين”.

وأضافت أن “ألأمر برمته مروع”.

في مواجهة أسئلة حول أطروحته، عباس ’يتلعثم’

ومثل ليبستادت، انتقد باور تصريحات عباس الأخيرة معتبرا أنها معادية للسامية وربطها بأطروحته للدكتوراه والتأثيرات الأولى عليه كطالب جامعي في الإتحاد السوفييتي.

ويتذكر باور إنه قبل عشر سنوات التقى مع عباس، في لقاء كان المترجم فيه عضو الكنيست العربي أحمد الطيبي، وعندها طرح المؤرخ اليهودي قضية أطروحة عباس.

ويقول باور “بدأ بالتلعثم، أبو مازن [عباس]. ’لقد كان ذلك في الماضي، أنا لا أتذكر ذلك حقا’، وما إلى ذلك. أشياء من هذا القبيل”.

ويقول المؤرخ الإسرائيلي: “أنا من بين الداعمين بكل تأكيد لإقامة دولة فلسطينية، لكنهم [الفلسطينيون] اختاروا قيادة إشكالية. ليس [عباس] فقط، ولكن عدة أشخاص آخرين من حوله”.

ويرى باور أن عباس شخص “ذكي للغاية”، على الرغم من أنه غير ضليع في التاريخ الإسلامية، لكنه بالفعل “تلميد للشيوعية المعادية للصهيونية والمعادية لإسرائيل والمعادية لليهود”.

ساهم في هذا التقرير طاقم تايمز أوف إسرائيل وجيه تي ايه.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال