امرأة يمينية متشددة تتبرع بكليتها لطفل من غزة بهدف القيام بعمل نبيل
بحث

امرأة يمينية متشددة تتبرع بكليتها لطفل من غزة بهدف القيام بعمل نبيل

في مواجهة الاعتراضات الغاضبة من عائلتها، خضعت عيديت هرئيل سيغل للعملية ، على أمل أن ترقى إلى مستوى الأخلاق التي علمها إياها جدها الناجي من المحرقة.

عيديت هرئيل سيغال قبل خضوعها للعملية الجراحية في يونيو 2021. (Courtesy Idit Harel Segal)
عيديت هرئيل سيغال قبل خضوعها للعملية الجراحية في يونيو 2021. (Courtesy Idit Harel Segal)

عندما أخبرت عيديت هرئيل سيغل، وهي متزوجة وأم لثلاثة أطفال تبلغ من العمر 50 عاما، أحبائها أنها تخطط للتبرع بإحدى كليتيها لمجرد القيام بعمل نبيل، شعروا بالذهول.

وكان ذلك قبل أن تكتشف العائلة اليمينية المتشددة أن المتلقي سيكون فلسطينيا من غزة.

وقالت سيغل لـ”زمان يسرائيل”، موقع “تايمز أوف إسرائيل” باللغة العبرية: “أردت أن أفعل شيئا كبيرا – وما هو أكبر من إنقاذ الأرواح”، وأضافت أن جدها، وهو ناج من المحرقة الذي علمها دائما أن تعيش حياة ذات معنى، هو من ألهمها.

وقالت سيغل، وهي من سكان قرية إشحار في شمال البلاد: “قرأت قصصا عن أشخاص تبرعوا بالكلى وشعرت بخيبة أمل لأنهم كانوا رجالا فقط. قلت لنفسي، أنا امرأة قوية، وسأفعل ذلك. شعرت بشيء بداخلي وكأنه الشيء الصحيح الذي يجب القيام به”.

كان زوجها، يوفال، مصدوما من قرار المخاطرة بصحتها، وربما بحياتها، من أجل شخص لم تكن تعرفه.

“لماذا لم تخبريني؟” قال لها كما روت. “كيف تفعلين هذا بنفسك؟ أنت صغيرة، هذه ليست مزحة، وماذا لو احتاج أحد أطفالك إلى كلية؟”

في حين أن يوفال لم يشكك في حقها في اتخاذ قرارات بشأن جسدها، فقد توسل إليها مرارا للتراجع عن قرارها، على حد قولها.

عندما أبلغت الأقارب الآخرين، كان رد الفعل أسوأ.

عيديت هرئيل سيغال قبل خضوعها للعملية الجراحية في يونيو 2021. (Courtesy Idit Harel Segal)

وقالت: “واجهت معارضة كاملة. الشخص الذي تلقى النبأ بصعوبة هو والدي، الذي كان خائفا حقا، كما لو كنت سأموت. كان لديه قريب توفي بسبب فشل كلوي، قد يكون هذا ما أخافه”.

وروت سيغل إن علاقتها مع والدها تحولت إلى معارك متكررة حول هذه المسألة، وأنه حتى في مرحلة ما قال ليوفال إنه ينبغي عليه أن يطلقها بسبب اختيارها. توقف الأب وابنته عن الكلام معا، ولم يحتفل الزوجان بعيد الفصح مع العائلة كالمعتاد.

أفراد الأسرة الوحيدون الذين دعموا قرارها بالكامل هم أبناؤها، الذين تبلغ أعمارهم 23 و15 و10 سنوات. ونشر غال، الأكبر سنا بينهم، منشورا داعما على “فيسبوك” أثار ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي. ابنها الأوسط “لا يظهر حقا ما يشعر به [لكنه] يقول إنه خياري ويجب احترامه.” بالنسبة للابنة الأصغر سنا، “أنا بطلة خارقة حقيقية. ’جنية’ كما تقول”.

وقالت سيغل: “أعتقد أن السبب في أن معظم الأشخاص الذين يتبرعون بالكلى هم من الرجال هو الاختلاف في المواقف. ما زلنا مجتمعا أبويا، ولا يزال الرجال يعاملون النساء وأجسادهن بطريقة وقائية، كما لو كانت ملكية”.

ثم جاء المتلقي

أضيفت طبقة جديدة من الصعوبة المحتملة عندما اكتشفت سيغل أن الشخص التالي في القائمة للحصول على كلية، والذي سيحصل على كليتها، هو طفل في الثالثة من عمره من قطاع غزة.

عانى بلال (اسم مستعار) من عيب خلقي في الكلى وكان بحاجة إلى علاج غسيل الكلى طوال حياته القصيرة. والده سائق سيارة أجرة ووالدته خريجة قانون، ولديه أخ يبلغ من العمر سبع سنوات.

توضيحية: دبابة إسرائيلية تتخذ موقعها على الحدود بين إسرائيل وغزة. (AP Photo/Tsafrir Abayov)

عندما أصبح من الواضح أن الصبي بحاجة إلى عملية زرع كلية – ولا يستطيع أحد في عائلته توفيرها بسبب مشكلة في التطابق والمشكلات الصحية – وافق والده على التبرع بكليته لامرأة إسرائيلية مقابل أن يكون ابنه التالي على قائمة الأولويات.

قُتل ثلاثة من أفراد الأسرة على أيدي منفذي هجمات فلسطينيين

زاد هذا التطور من صعوبة تقبل عائلة سيغل اليمينية أيديولوجيا فكرة التبرع بالكلية. كما أنها لمست وترا حساسا وشخصيا، حيث قُتل ثلاثة من أفراد العائلة على أيدي منفذي هجمات فلسطينيين: قُتل جدا سيغال من طرف أبيها في اعتداء وقع في القدس في عام 1948، عندما كان والدها يبلغ من العمر سنة واحدة. نشأ والدها في أسرة متبناة، وخلال الانتفاضة الثانية عام 2002، قُتل عمه بالتبني في هجوم آخر وقع في العاصمة.

على الرغم من أن آرائها يمينية متشددة، إلا أن سيغل لم تتردد في قرارها عندما علمت من هو المتلقي.

لا يمر يوم واحد لا أشعر فيه بالسعادة لإنقاذي حياة ذلك الطفل الجميل

وقالت: “من وجهة نظري، كان تبرعي شخصيا وليس سياسيا. ومعرفتي بهوية الشخص الذي سيتلقى الكلية لم تجعلني أندم على القرار أو أعيد النظر فيه ولو لدقيقة. شعرت أن هذا هو ما كان من المفترض أن يحدث، لا يمر يوم واحد لا أشعر فيه بالسعادة لإنقاذي حياة ذلك الطفل الجميل”.

رد فعل زوجها كان أن ما ستقوم بها سيذهب “هدرا” كما تتذكر. “غدا ستكون هناك عملية [للجيش الإسرائيلي] في غزة وسيُقتل [الطفل]، وبعد ذلك ما الذي أنجزته؟” كما قال. حاول آخرون أيضا ثنيها عن القرار، ولم تخبر والديها من سيكون المتلقي.

ثم، قبل يوم من العملية، رن الهاتف، على الطرف الآخر كان والدها، الذي قال لها “أنت ابنتي وأنا أتمنى لك حظا جيدا”.

عيديت هرئيل سيغل (Courtesy/Zman Yisrael, Idit Harel Segal)

وروت سيغل: “بدأت أبكي بارتياح، بكيت بشدة ولم أسمع بقية الأشياء التي قالها. وبعد ذلك شعرت أنه لا يوجد ما أخسره وأخبرته أن المتلقي هو طفل عربي من غزة. تنهد كما لو كان يقول ’ما الذي يمكنني فعله’. لقد تقبل هذه ’الكارثة’ المتمثلة بتبرعي، لذلك ربما لا يهم من سيحصل عليها”.

عندما وصلت إلى مستشفى “بيلينسون” في بيتاح تيكفا لإجراء العملية في وقت سابق من هذا الشهر، قالت سيغل إن أول ما طلبته هو مقابلة بلال.

“بداية قابلت الأب. ابتسم، وعاملني بحنان منذ البداية. قلت له الجمل القليلة التي أعرفها باللغة العربية”، كما روت. “أحضرت للطفل دمية وكتب أطفال لـ[دافيد] غروسمان مترجمة إلى العربية. في البداية كان من المحزن بالنسبة لي أن أراه. لقد تعرفت على مظهره من الصورة التي بدا فيها بصحة جيدة، وفجأة أصبح مع كل علاجات غسيل الكلى”.

وقالت إنها ممتنة لأن والدة بلال سمحت لها بلمسه. وقد تأثرت بقدرة العائلتين – هي ويوفال ووالدا بلال – على الارتباط في المستشفى.

“كانت هناك لحظة مؤثرة عندما كنت أنا والأم وبلال معا في غرفتهم، وكنت أداعبه وأغني له التهويدات بالعبرية … وأداعب رأسه، وفي الأغنية الثالثة غط في النوم، وكذلك فعلت أنا. لحظة من اللطافة الحلوة. ثم فكرت في نفسي، عجبا، ما الذي يحدث هنا، أنا مع امرأة وطفل فلسطينيين من غزة”.

من اللحظات الأخرى التي تذكرها باعتزاز شرب القهوة مع والد بلال.

“إنه مضحك حقا، هذا الرجل، كالأطفال، على الرغم من أنه يبلغ من العمر 31 عاما ولديه طفلان. عرضت عليه كعكة وقلت له أن يختار واختار أكثر قطعة مغلفة بالشوكولاتة. وخلال هذا، مرت فكرة حزينة في ذهني: لماذا لا يمكن أن يكون العالم هكذا؟”

لسوء الحظ، لم يكن الواقع الصعب للصراع بعيدا عن تجربتهم. خلال عملية “حارس الأسوار” في مايو، عندما أمطرت الفصائل الفلسطينية في غزة آلاف الصواريخ على جنوب إسرائيل وردت إسرائيل بشن مئات الغارات الجوية، تم تدمير منزل العائلة – على ما يبدو في غارة جوية إسرائيلية.

“كانوا يخبروننا أن منزلهم في غزة قد دُمر في العملية الأخيرة. أظهروا لي مقطع فيديو لمنزل مدمر وأدركت أنه منزلهم. وسألتهم، ’أين تسكنون؟’ قال، ’أحيانا مع صديق، وأحيانا مع الأقارب’”.

الجيران يتجمعون في أرض أرض مليئة بالحطام الناجم عن غارة جوية خلال حرب استمرت 11 يوما بين حركة حماس الحاكمة لغزة وإسرائيل، في بيت حانون، قطاع غزة، 26 مايو، 2021. (John Minchillo / AP)

بعد الجراحة، أعطتهم سيغل كل النقود التي كانت في جيبها، 450 شيكل (140 دولارا). بعد ذلك، ساعدت ناشطة يسارية التقت بها في المستشفى في جمع الأموال للعائلة، وتمكنت حتى الآن من جمع 3000 شيكل (920 دولار) بالإضافة إلى الملابس والإمدادات وغيرها من المواد اللازمة.

وقالت سيغل إن العائلتين لا تزالان على اتصال من خلال مكالمات الفيديو.

ازدياد موقفها السياسي تشددا

تقول سيغل أنه رغم تجربتها فإن مواقفها السياسية لم تتغير.

“ما زلت يمينية. هذه كلها مسألة إنسانية وليست سياسية. في بعض الأحيان أفكر أنه كان من الأفضل لو غادر جميع الفلسطينيين خلال حرب الاستقلال [التي أحاطت إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948]، حتى آخر واحد منهم”، كما قالت لزمان يسرائيل، “لكنني أعلم أن ذلك ليس واقعيا”.

تجربتها مع العائلة من غزة “عززت موقفي من بعض النواحي. بعد كل شيء، من وجهة نظرهم – ليس الفلسطينيين العاديين، ولكن سياسييهم – نحن جميعا قتلة”.

وأضافت: “إذا نظرت إلى ما يُقال ويُكتب عنا في الخارج – الفظائع المفترضة التي ترتكبها إسرائيل ضدهم – فهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة. أين تجد في وسائل الإعلام العالمية كلمة واحدة عن المساعدة التي يتلقونها منا، والجهود التي تبذلها الفرق الطبية في إسرائيل من أجل مريض فلسطيني؟”

يقول المستشفى إن بلال يتعافى بشكل جيد، وتقول سيغل أيضا إن والدها وأقارب آخرين قد تصالحوا معها.

وقالت: “ما زالوا يأسفون على ما فعلته، لكنهم سعداء لأنني بصحة جيدة. ما يهمني هو أنني راضية بنسبة 100% وسعيدة بما قمت به”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال