اليأس هو عامل حاسم في إقبال المواطنين العرب على صناديق الاقتراع
بحث
مذكرة مراسل

اليأس هو عامل حاسم في إقبال المواطنين العرب على صناديق الاقتراع

حتى استطلاعات الرأي الأكثر تفاؤلا تتوقع وصول نسبة إقبال الأقلية العربية التي تعاني من الإهمال على صناديق الاقتراع إلى 50%، لكن انشقاق حزب التجمع عن تحالف الجبهة-العربية للتغيير يمنح الذين يرفضون التعاون مع الحكومة بيتا سياسيا جديدا

رجل يمر من أمام لوحة إعلانية لحملة انتخابية تحمل صورة سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني، في مدينة أم الفحم شمال إسرائيل، الجمعة 21 أكتوبر، 2022. (AP / Mahmoud Elean)
رجل يمر من أمام لوحة إعلانية لحملة انتخابية تحمل صورة سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني، في مدينة أم الفحم شمال إسرائيل، الجمعة 21 أكتوبر، 2022. (AP / Mahmoud Elean)

أم الفحم – استضافت مدينة أم الفحم الواقعة شمال البلاد يوم السبت أول مهرجان سياحي لها على الإطلاق تضمن ورش عمل فنية وطهي وجولات في صالة معرض الفنون المحلي وجلسات قهوة مع العائلات المضيفة.

شارك مئات الضيوف في الحدث، ولم يضطر الكثيرون للسفر لمسافات بعيدة للحضور، لأن “السائحين” كانوا مواطنين إسرائيليين، ولكن يهودا.

تقول تالي غان-تسفي، التي تصف نفسها بأنها يسارية من سكان كريات طبعون، التي تبعد نحو 29 كيلومترا عن أم الفحم: “لا نميل إلى التفكير كثيرا في جيراننا العرب إلى أن يحين موعد الانتخابات، عندما ندرك أن هناك حاجة إليهم من أجل منع نتنياهو من العودة”.

شاءت الظروف أن يقام المهرجان قبل ثلاثة أيام فقط من انتخابات الكنيست، ونتيجة لذلك، قالت العاملة الاجتماعية المتقاعدة إن العديد من محادثاتها مع السكان المحليين تحولت إلى السياسة.

وقالت خلال السفر في الحافلة التي غادرت المهرجان وسارت عبر شوارع المدينة الضيقة المتعرجة والمرصوفة بشكل سيء: “نحن كيهود ليس لدينا فكرة عن مستوى الإحباط واليأس هنا. يبدو أن هذين هما الدافعان الرئيسيان اللذان يوجهان قراراتهم عندما يقررون كيف وما إذا كانوا سيدلون بأصواتهم”.

في الانتخابات السابقة، قبل أقل من عام ونصف، أدلى 33% فقط من الناخبين أصحاب حق الاقتراع بأصواتهم في أم الفحم – أقل بـ 11 نقطة مئوية من متوسط المدن العربية ونصف نسبة المشاركة على مستوى البلاد.

يهود إسرائيليون خارج منزل جبارين بعد ورشة طبخ خلال مهرجان أم الفحم السياحي، 29 أكتوبر، 2022. (Jacob Magid / Times of Israel)

يُعزى جزء من نسبة الإقبال الضعيفة في عام 2021 إلى تفكك تحالف “القائمة المشتركة” ذي الأغلبية العربية، الذي حصل على أكثر من 95% من الأصوات في أم الفحم في الانتخابات التي سبقت ذلك، عندما كانت نسبة المشاركة أعلى. وهذا لا يبشر بالخير بالنسبة ليوم الثلاثاء، عندما سيكون في أكشاك الاقتراع ثلاث أوراق اقتراع لثلاثة أحزاب عربية منفصلة – حزب “القائمة العربية الموحدة”، وتحالف “الجبهة-العربية للتغيير” الشيوعي/الوطني، وحزب “التجمع” الأكثر تشددا.

ومع ذلك، يتوقع ينال جبارين، وهو من سكان أم الفحم، ارتفاع نسبة التصويت في ثاني أكبر مدينة عربية في البلاد، وإن لم يكن بالضرورة بالطريقة التي يتوقعها الكثيرون.

وقال جبارين، وهو منسق مشاريع في جمعية “سيكوي”، وهي منظمة تدعم الشراكة العربية-اليهودية: “سيظل هناك الكثير من الأشخاص الذين لن يصوتوا هنا، ولكن هناك فرصة حقيقية أن يكون التجمع هو مفاجأة الانتخابات، حيث انتقل الكثير من الشباب وأولئك الذين قد يصوتون عادة للجبهة-العربية للتغيير إلى التجمع”.

منذ الانفصال عن الجبهة في الشهر الماضي، توقعت استطلاعات الرأي عدم تجاوز حزب التجمع الذي يتزعمه سامي أبو شحادة نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات على مستوى البلاد، وبالتالي من غير المتوقع أن يكون له أي مقاعد في الكنيست.

سامي أبو شحادة ، عضو الكنيست من اليسار ورئيس حزب التجمع الوطني، يلتقي مع مواطنين من عرب إسرائيل خلال جولته الانتخابية في مدينة أم الفحم شمال إسرائيل، قبيل الانتخابات المقبلة، 21 أكتوبر، 2022. (AP Photo/Mahmoud Illean)

لكن أحد خبراء استطلاعات الرأي البارزين، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه ممنوع قانونا من مناقشة النتائج التي توصل إليها علنا قبل أقل من خمسة أيام من الانتخابات، قال إن حزب التجمع يقترب بثبات من نسبة الحسم.

وقال الخبير إن أحدث استطلاع رأي اجراه أظهر ارتفاعا في نسبة التصويت إلى أعلى من 50% وأن زيادة عدة نقاط مئوية أخرى في يوم الانتخابات ستضمن دخول حزب التجمع إلى الكنيست.

وأشار جبارين إلى أن دعم حزب التجمع قد يأتي على حساب الجبهة، التي وضعتها استطلاعات الرأي على حافة نسبة الحسم مع القائمة الموحدة.

ويبدو أن سكان أم الفحم يوافقونه الرأي، حيث أعربوا عن أسفهم لعدم وجود تمثيل من منطقتهم في مركز واقعي على قائمة الجبهة-العربية للتغيير.

(من اليسار إلى اليمين) حسين محاميد ونائب رئيس بلدية أم الفحم طارق أبو جارور ومحمد محاميد في مهرجان أم الفحم السياحي في 29 أكتوبر، 2022. (Jacob Magid / Times of Israel)

يقول نائب رئيس بلدية أم الفحم طارق أبو جارور: “اعتدنا أن نقول أن لدينا ممثل في الكنيست في شخص يوسف جبارين – وهو شخص معروف على المستوى المحلي والوطني والعالمي؛ شخص يضع مشاكل المجتمع العربي على رأس جدول الأعمال”، في إشارة إلى عضو الكنيست السابق عن حزب “الجبهة”، وهو من سكان أم الفحم والذي ترك البرلمان في العام الماضي.

وأضاف أبو جارور: “لو كان اسمه على القائمة، نسبة التصويت لصالح الجبهة كانت ستكون أعلى. الناس يقولون هذا في وجهه”.

أومأ اثنان من سكان أم الفحم اللذان استمعا إلى المقابلة في سوق الفنون في الهواء الطلق بالمهرجان بالموافقة.

وقال أحدهما: “لأن يوسف ليس هناك، لا أريد التصويت على الإطلاق”.

عضو الكنيست عن القائمة المشتركة يوسف جبارين يتحدث إلى وكالة فرانس برس خلال مقابلة في مسقط رأسه أم الفحم، 30 يناير 2020 (AHMAD GHARABLI / AFP)

وقال أبو جارور أنه على الرغم من الضربة الذي تعرض لها تمثيل المدينة في الكنيست، إلا أنه لا يزال يحض السكان على التصويت، بغض النظر عن الحزب.

لكن ذلك لم يقنع حسين محاميد – أحد الرجلين اللذين أصغيا للحديث وقال إنه يعتزم البقاء في المنزل لأن يوسف جبارين ليس على قائمة مرشحي الجبهة-العربية للتغيير – الذي قال “منذ أكثر من سبعين عام تتواجد [الأحزاب العربية] في الكنيست. ما الذي فعلوه باستثناء البحث عن مصالحهم الخاصة”.

ورد عليه نائب رئيس البلدية، مشيرا إلى قرار القائمة الموحدة ورئيسها منصور عباس بأن يصبح الحزب أول حزب عربي ينضم إلى الإئتلاف الحكومي في العام الماضي. جادل عباس بأن الأحزاب العربية لم تحقق إلا القليل من الانجازات على مدى عقود من الجلوس في المعارضة وأن تلبية الاحتياجات التي تم تجاهلها منذ فترة طويلة لناخبيها تتطلب إعطاء الأولوية للشؤون المدنية على حساب القضية الفلسطينية.

وقال أبو جارور: “لقد حاول منصور عباس إنجاز الأمور، ولا يزال يتعرض للهجوم من كل حدب وصوب. لذا علينا أن نقرر ما الذي نريده”.

أم الفحم، 29 أكتوبر، 2022. (Jacob Magid/Times of Israel)

لكن بالنسبة للكثيرين في أم الفحم، يمكن لعباس أن يتباهى بإنجازات ضئيلة فقط في الإئتلاف.

يقول أحمد خليف، وهو ناشط في التجمع ومن سكان المدينة: “قاموا بربط بضعة منازل [في البلدات العربية] بالكهرباء”، في إشارة إلى “قانون الكهرباء” الذي تم تمريره في وقت سابق من هذا العام،  والذي يهدف إلى ربط آلاف المنازل العشوائية في البلدات العربية بشبكة الكهرباء الوطنية.

وقال خليف: “نريد توصيل جميع منازلنا (…) تعرض القائمة الموحدة إسعافات أولية دون معالجة المشكلة الفعلية، وهي النظام العنصري بأكمله… رئيس التجمع سامي أبو شحادة هو الشخص الذي يدرك المشكلة فعلا ويشير إليها”.

رئيس الوزراء المؤقت يئير لبيد، وسط، يتحدث مع زعيم حزب القائمة العربية الموحدة منصور عباس قبل التصويت على مشروع قانون لحل الكنيست، 30 يونيو، 2022 (AP Photo / Ariel Schalit)

على عكس القائمة الموحدة التي يرأسها عباس، الذي أوضح أنه يود أن يكون مرة أخرى جزءا من الإئتلاف الحكومي، وتحالف الجبهة-العربية للتغيير، الذي أشار قادته إلى استعدادهم للقيام بذلك إذا تم تناول حل القضية الفلسطينية في موازاة ذلك، فإن أبو شحادة يصر من البداية أن التجمع لن يكون جزءا من الإئتلاف.

يشير ينال جبارين، من “سيكوي”، إلى أنه بالنسبة لناخبي التجمع، فإن الرفض لا يعني الاستبعاد.

وقال: “ما الذي نجح [عضو الكنيست عن ’الصهيونية المتدينة’ إيتمار] بن غفير في فعله؟ لقد غير الخطاب… هذا ما يعرضه سامي أبو شحادة أيضا”.

يرى وديع عواودة، وهو مراسل في قناة “هلا” الناطقة بالعربية والذي يتبع نهجا أكثر حذرا في الحكم على حزب التجمع، إن الحزب يفتقر إلى البنية التحتية في أنحاء البلاد لخوض حملة انتخابية منظمة بعد أن اعتاد على خوض الانتخابات إلى جانب أحزاب أخرى في كل جولة انتخابية منذ عام 2013.

زعيم حزب ’عوتسما يهوديت’ إيتمار بن غفير يقوم بجولة في سوق محانيه يهودا في القدس في 28 أكتوبر، 2022، قبل انتخابات الكنيست المقبلة. (Olivier Ftoussi / Flash90)

وقال: “المجتمع لا مبالي للغاية وسيتطلب الامر أن تسقط الأمطار في يوم الانتخابات أو وقوع أي [حادث إجرامي] مروّع آخر حتى يقرر الناس عدم التصويت”.

وقال جبارين إن أم الفحم هي موطن لمؤيدي الأحزاب الثلاثة.

ووضح قائلا: “الذين يهتمون أكثر بالقضايا المدنية وربما يكونون أكثر تدينا لديهم القائمة الموحدة، وأولئك الذين يعطون الأولوية للقضية الوطنية لديهم التجمع، ومن يريد توازنا لديه الجبهة”.

ومع ذلك، يندرج عدد أكبر من السكان في الفئة الرابعة التي قد يتضح أنها أكبر من جميع الفئات الثلاث الأخرى مجتمعة – أولئك الذين لا يعتزمون التصويت على الإطلاق.

خليف، الناشط المحلي في التجمع، يقول إنه يركز اهتمامه على إقناع السكان غير المبالين أو الذين لم يتخذوا قرارهم بعد، على عكس أولئك الذين يعارضون “أيديولوجيا” الإدلاء بأصواتهم.

أحد هؤلاء السكان المترددين هي هزار جبارين (26 عاما)، التي كانت تبيع أعمال تطريز من تصميمها في سوق الفنون في الهواء الطلق.

كشك فني في مهرجان أم الفحم السياحي، 29 أكتوبر، 2022. (Jacob Magid / Times of Israel)

تقول جبارين إنها تميل إلى عدم التصويت، وتضيف ضاحكة “أرى السياسيين خلال الحملات الانتخابية فقط. ما الذي يفعلونه من أجلي؟ لا شيء”.

وتضيف: “أصدقائي فنانون أيضا. لا نتحدث كثيرا في السياسة، ولكن معظمهم لا يعتزمون التصويت أيضا”.

آخرون يذهبون إلى أبعد من ذلك، ويصفون قرارهم بالبقاء في المنزل والامتناع عن التوجه إلى صناديق الاقتراع بأنه “مقاطعة” وحتى أنهم يعملون على إقناع أقرانهم بأن يحذوا حذوهم.

أحد هؤلاء النشطاء، الذي وافق فقط على التحدث إلى موقع إخباري إسرائيلي بشرط عدم الكشف عن اسمه، يسخر من فكرة أن الحكومات ذات التشكيلات المختلفة على مر السنين تعاملت مع العرب والفلسطينيين بشكل مختلف.

توضيحية: الدخان يتصاعد بعد غارات جوية اسرائيلية على مبنى سكني في غزة، 7 أغسطس، 2022. (Adel Hana / AP)

وأشار إلى زيادة عمليات هدم المنازل في النقب خلال فترة الحكومة المنتهية ولايتها، والتي كانت تعتبر أكثر اعتدالا من سابقاتها، وقال إن “الحكومات اليسارية المزعومة” قد تكون أكثر اعتدالا من الناحية الخطابية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لكنها أكثر تشددا في الممارسة، “لأن عليهم أن يظهروا أنهم يتعاملون بحزم مع العرب من أجل الحصول على الشرعية في نظر الجمهور الإسرائيلي”.

وردا على سؤال حول كيفية تعزيز مصالح المواطنين العرب دون وجود ممثلين عن مجتمعهم في الكنيست، قال الناشط إن لا علاقة بين المسألتين.

وأضاف “نرفض المشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية التي تحاول وضع المكياج على وجه نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. ما نعتقد أنه يجب علينا القيام به هو إنشاء منظمات مجتمع مدني خاصة بنا والتي ستمثلنا أمام الحكومة الإسرائيلية كفلسطينيين من السكان الأصليين لهذه الأرض”.

يسخر سعيد أبو شقرة، مدير صالة العرض للفنون أم الفحم، من الفكرة.

سعيد أبو شقرة، مدير صالة العرض للفنون أم الفحم، 29 أكتوبر، 2022. (Jacob Magid / Times of Israel)

وقال خلال مقابلة أجريت معه في مكتبه على هامش المهرجان: “ما هذا الوهم بشأن لجنة [خارج البرلمان]؟ إما أن تشارك أو أن تكون في الخارج”.

يقر أبو شقرة بأن مواطني إسرائيل العرب يجدون أنفسهم في مأزق. “اليسار يريدنا أن نصوت، ليس لكي يتحمل مسؤولية ما يحدث في المجتمع العربي بعد ذلك، بل ليبقى في السلطة. ونتيجة لذلك، ينتهي الأمر بالحوار إلى كونه استعلاء”.

وبدا أنه يتفق مع الناشط المقاطِع على أن الحكومة التي حلت محل الائتلاف اليميني بقيادة رئيس حزب “الليكود” بنيامين نتنياهو انتهى بها الأمر إلى تقديم سياسات لا تحظى بشعبية لدى مواطني إسرائيل العرب، إن لم يكن أكثر من ذلك. كما أن الجريمة في المجتمع العربي متفشية بنفس القدر، حيث أن عدد جرائم القتل في طريقها لتتجاوز المئة العام؛ وإسرائيل شنت عملية عسكرية أخرى في غزة؛ وزار عدد قياسي من اليهود الحرم القدسي، حيث دفعت الاشتباكات الشرطة إلى دخول المسجد الأقصى مرة أخرى، كما يقول أبو شقرة.

وتابع قائلا “ولكن على الرغم من كل ذلك، ما زال ينبغي علينا التصويت. من حقنا أن نفعل ذلك”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال