الوضع القاتم: الحرم القدسي هو شوكة دائمة في علاقات إسرائيل مع الأردن
بحث
تحليل

الوضع القاتم: الحرم القدسي هو شوكة دائمة في علاقات إسرائيل مع الأردن

ألغت إسرائيل لجنة اقترحتها الولايات المتحدة مع الأردن لتسوية الخلافات في الموقع الذي يُعد بؤرة للتوتر بعد حرب 2021. الآن، عادت هذه المشكلات التي لم تجد لها حلا لتبقى

جموعة من اليهود المتدينين يسيرون بالقرب من قبة الصخرة أثناء زيارتهم للحرم الشريف، المعروف لدى اليهود باسم جبل الهيكل، في البلدة القديمة بالقدس، 20 أبريل، 2022.(Menahem Kahana / AFP)
جموعة من اليهود المتدينين يسيرون بالقرب من قبة الصخرة أثناء زيارتهم للحرم الشريف، المعروف لدى اليهود باسم جبل الهيكل، في البلدة القديمة بالقدس، 20 أبريل، 2022.(Menahem Kahana / AFP)

شكل أداء الحكومة الإسرائيلية الجديدة اليمين القانونية في شهر يونيو الماضي فصلا جديدا في علاقات اسرائيل مع الأردن، والتي تدهورت بشكل كبير خلال فترة بنيامين نتنياهو كرئيس للوزراء.

أصبحت الاجتماعات بين العاهل الأردني الملك عبد الله وكبار الوزراء الإسرائيليين حدثا منتظما، بعد سنوات من القطيعة التي ربما كان أفضل مثال عليها هو رفض عمان العام الماضي السماح لنتنياهو بدخول مجالها الجوي للسفر إلى الإمارات، مما منع الزيارة في النهاية من المضي قدما.

ولكن في حين يبدو أنه تم استعادة روح معينة من حسن النية على مستوى القيادة، فإن الخلافات بشأن الحرم القدسي، حيث تحتفظ الأردن بدور الوصي، لا تزال قائمة.

إدراكا منها أن النزاع أعمق من العداء الشخصي العابر، اقترحت إدارة بايدن تشكيل لجنة ثلاثية من الممثلين الإسرائيليين والأردنيين والأمريكيين لتسوية الخلافات المتعلقة بالوضع الراهن في الحرم القدسي، ومناقشة سبل إعادة بناء العلاقات الإسرائيلية-الأردنية على نطاق أوسع. لكن إسرائيل اعتبرت الاقتراح غير الرسمي غير ضروري ورفضته، بحسب ما قاله مسؤول أمريكي كبير سابق لـ”تايمز أوف إسرائيل”.

وقال المسؤول السابق: “لا يمكنك إعادة بناء العلاقات بين عشية وضحاها، وكان خلاف آخر حول الأقصى حتميا، لذلك اعتقدنا أن تشكيل لجنة مشتركة سيكون وسيلة لمعالجة القضايا المتعلقة بالوضع الراهن بحيث يمكن للطرفين مواجهة الأمور”.

طُرحت فكرة اللجنة الثلاثية وسقطت في الصيف الماضي، بعد وقت قصير من حرب غزة التي استمرت 11 يوما في مايو، والتي اندلعت في أعقاب اشتباكات عنيفة بين الفلسطينيين والشرطة الإسرائيلية في الحرم القدسي. حينذاك، كما كان الحال خلال التصعيد الذي شهده الشهر الأخير في الموقع وفي السنوات السابقة، كانت الرواية المهيمنة حقوق الفلسطينيين في الحرم مهددة من قبل السلطات الإسرائيلية.

توضيحية: الشرطة الاسرائيلية تعتقل فلسطينيا خلال مواجهات في الحرم القدسي يالبلدة القديمة، 22 أبريل، 2022. (Ahmad Gharabli / AFP)

قال المسؤول الأمريكي السابق: “بعض هذا له علاقة بالأخبار الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينية، ولكن كانت هناك أيضا تحولات في الوضع الراهن لم تتم معالجتها وأذكت النار”.

رفضت وزارة الخارجية الإسرائيلية التعليق بشكل رسمي، لكن مسؤولا في الوزارة نفى أن يكون تم تقديم عرض أمريكي رسمي لتشكيل لجنة كهذه. وقال المسؤول إن “إسرائيل تدير علاقاتها مع الأردن على المستوى الثنائي” رافضا الحاجة إلى محاورين أمريكيين.

ولم ترّد وزارة الخارجية الأمريكية بشكل فوري على طلب للتعليق.

“الوضع الراهن” غير المكتوب

لطالما أصرت إسرائيل على أنها تحافظ على الوضع الراهن في الحرم القدسي، وهي سياسة لخصها نتنياهو في عام 2015 عندما قال في بيان بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كيري، والعاهل الأردني الملك عبد الله، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، لإجراء محادثات تهدف إلى تهدئة جولة أخرى من التوترات التي اندلعت بسبب الاشتباكات في الحرم، إن “المسلمين يصلون في جبل الهيكل؛ غير المسلمين يزورون جبل الهيكل”.

استمرت إسرائيل في إعادة التأكيد على هذا الموقف – وهو أن اليهود ممنوعون من الصلاة في الحرم القدسي – مؤخرا هذا الأسبوع، لكن الواقع في الحرم يروي قصة مختلفة قليلا. على مدى السنوات العديدة الماضية على الأقل، وثق صحفيون بانتظام حالات قام خلالها يهود بأداء الصلاة تلمودية بمفردهم وفي مجموعات تحت أعين الشرطة الإسرائيلية وحتى مسؤولون من دائرة الأوقاف الإسلامية المدعومة من الأردن.

بينما رفض وزير الخارجية يائير لابيد مزاعم حدوث تحول في السياسة خلال مؤتمر صحفي مع المراسلين الإسرائيليين الأسبوع الماضي، أصبح وزير شؤون الشتات نحمان شاي أول وزير إسرائيلي يعترف علانية بهذا التغيير، والذي يقول الفلسطينيون أنه يعطي مصداقية لمخاوفهم من محاولة إبعادهم عن الموقع تدريجيا.

في حديث مع هيئة البث الإسرائيلية “كان” يوم السبت، قال شاي: “هناك الكثير من اليهود الذين يصعدون إلى جبل الهيكل. هناك من يتوقف في الطريق ويصلي، وهذا ممنوع. هناك تصعيد معين وتدهور معين للوضع الراهن”.

من جهته، أشار لابيد في إحاطة صحفية يوم الخميس إلى أن إسرائيل خفضت عدد المجموعات اليهودية المسموح لها بزيارة المجمع من اثنتين إلى واحدة خلال فترة ثلاث ساعات ونصف الساعة يوميا، في حين قال إن ارتفاعا في عدد اليهود لا يشكل في حد ذاته انتهاكا للوضع الراهن.

وزير الخارجية يائير لابيد (في الوسط)، والمفتش العام للشرطة الإسرائيلية كوبي شبتاي، وقائد شرطة منطقة القدس دورون ترجمان في زيارة إلى باب العامود في البلدة القديمة بالقدس، 3 أبريل، 2022. (Arie Leib Abrams / Flash90)

وهنا يكمن جزء من المشكلة، حيث أن السياسة الحساسة غير مكتوبة وتشمل بالنسبة للفلسطينيين مجموعة من القضايا أكبر بكثير مما تشمله بالنسبة لإسرائيل – من سلوك اليهود والإشراف عليهم وصولا إلى البناء والأمن في المجمع.

قال دبلوماسي مطلع على المسألة أنه “لدى إسرائيل فهم ضيق للغاية للوضع الراهن، مع التركيز على الصلاة اليهودية، التي تقول إنها لا تسمح بها، في حين أن الفلسطينيين والأردنيين لديهم فهم أوسع بكثير ويشعرون أن إسرائيل تتجاهله”.

زيارات يهودية أكثر

هكذا، بالنسبة للفلسطينيين، وكذلك لمؤيديهم في عمان، فإن الزيادة في عدد اليهود هي بحد ذاتها انتهاك للوضع الراهن.

على مدار خمسة أيام من عيد الفصح اليهودي في الأسبوع الماضي، دخل 4625 يهوديا الحرم القدسي، وهو ما يقارب من ضعف العدد قبل ثلاث سنوات، وفقا لمؤسسة “تراث جبل الهيكل”، وهي مجموعة يهودية تشجع مثل هذه الزيارات. في عام 2014، دخل 650 يهوديا الحرم.

محتجون فلسطينيون يلقون زجاجة حارقة من داخل المسجد الأقصى في الحرم القدسي، 20 أبريل، 2022. (MFA Twitter screenshot, used in accordance with Clause 27a of the Copyright Law)

كما أشارت الأردن إلى تزايد تواجد الشرطة الإسرائيلية في الحرم وتدهور سلطة الوقف. في تصريحات عامة خلال الأسبوع الماضي، دعا المسؤولون في عمان إلى العودة إلى الوضع الراهن قبل عام 2000، عندما كان الوقف يتمتع بسلطة أكبر على فحص اليهود.

تم إغلاق الحرم القدسي أمام اليهود في ذلك العام بعد أن قام زعيم المعارضة ورئيس حزب “الليكود” آنذاك أريئل شارون بزيارة مثيرة للجدل في سبتمبر 2000 – وهي زيارة يقول الفلسطينيون إنها أشعلت شرارة الانتفاضة الثانية. من جهتها، تقول إسرائيل إن رئيس السلطة الفلسطينية آنذاك ياسر عرفات “استغل زيارة شارون كذريعة لبدء موجة من الهجمات والعنف، لتشتيت الأنظار عن قيام الرئيس كلينتون بإلقاء اللوم عليه في إفشال جهود إدارته في صنع السلام”.

عندما أعيد فتح الحرم القدسي في عام 2003 لليهود، نقلت إسرائيل بشكل أحادي الكثير من السلطة على دخول اليهود من الوقف إلى الشرطة.

وقال الدبلوماسي المطلع على المسألة: “لست متأكدا مما إذا كان الأمر يتعلق باعتقاد الإسرائيليين أن المسألة لا تمثل مشكلة أو بحقيقة أن الائتلاف هش للغاية لدرجة لا تسمح له بإظهار تعاطف أكثر مع الفهم الأردني للوضع الراهن، لكن لم تتم معالجة القضية بشكل جدي خلال العام الماضي”.

صلاة اليهود في الحرم القدسي، كما ورد في أخبار القناة 12، 17 يوليو، 2021. (Channel 12 screenshot)

أثارت دخول الجماعات اليهودية يوم الخميس الماضي اشتباكات عنيفة بشكل خاص حيث سعت الشرطة إلى إخلاء المسلمين من المسار المخصص لغير المسلمين.

قال داني سيدمان، الذي يرأس معهد أبحاث “القدس الدنيوية”: “ما يقلقني هو ما سيحدث في اليوم التالي بعد رمضان لأنه إذا كانت هناك هجمات مستمرة على اليهود، فسيكون هناك تقسيم زمني فعلي للموقع حتى لو لم يكن أحد يريد ذلك”.

“ستكون هناك أوقات يتم فيها دفع المسلمين جانبا وسيصبح الموقع موقعا يهوديا-إسلاميا مشتركا، مثل الحرم الإبراهيمي”، في إشارة إلى الموقع الذي يضم أيضا المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، والذي قسمته إسرائيل بعد حرب 1967.

وأضاف سيدمان: “لدى الفلسطينيين شعور متزايد بالتهديد والانتهاك لأن السياسات الإسرائيلية لا تقلص الصراع بل تقلص ’المساحة الفلسطينية’، تلك الأماكن الخاصة بهم، والتي يشعرون فيها بالأمان”.

أصر لابيد يوم الأحد على أن إسرائيل “ليس لديها خطط لتقسيم الحرم القدسي بين الديانات” ، مضيفا أن الاشتباكات الأخيرة سببها “منظمات إرهابية [تسعى] لاستغلال المسجد الأقصى من أجل التسبب باندلاع أعمال عنف في القدس”.

غضب في عمّان

بدأت التوترات مع عمان في الغليان الأسبوع الماضي عندما استدعت الأردن السفير الإسرائيلي لتوبيخ علني احتجاجا على سلوك الشرطة الإسرائيلية خلال الاشتباكات في الحرم. ومضى رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة في الإشادة بالفلسطينيين الذين يرشقون “الصهاينة وهم يدنسون المسجد الأقصى” بالحجارة.

أثار ذلك غضب إسرائيل، التي اتهمت الأردن بلعب “لعبة مزدوجة” في ردود أفعاله على الاضطرابات في العاصمة – حيث يوبخ إسرائيل علنا بينما يتحدث بصورة أكثر عقلانية وراء الأبواب المغلقة.

متظاهرون يرفعون العلمين الفلسطيني والأردني بالإضافة إلى لافتات أثناء مسيرة في شوارع العاصمة الأردنية عمان في 22 أبريل 2022 تضامنا مع الفلسطينيين في القدس. (AFP)

وقال مسؤول دبلوماسي إسرائيلي كبير تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه خلال إفادة صحفية مع مراسلين إسرائيليين في الأسبوع الماضي، “يقولون لنا إن هذه هي الطريقة التي يبقون بها من يطالبون الأردن بقطع علاقاته مع إسرائيل بعيدا”.

أكثر من نصف سكان الأردن من أصول فلسطينية، ومعاهدة السلام المبرمة عام 1994 مع إسرائيل لا تحظى بشعبية كبيرة، لا سيما خلال فترات العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وقال المسؤول: “أنا مستعد لقبول هذه اللعبة المزدوجة إلى حد معين”، مضيفا أن الأردن تمادى للغاية في الأسبوع الماضي وأن اسرائيل قد نقلت رسائل صارمة إلى عمان توضح استياءها.

الولايات المتحدة تحاول مجددا

في غضون ذلك، جددت إدارة بايدن جهود الوساطة بين إسرائيل والأردن، بعد رفض اقتراح اللجنة المشتركة الصيف الماضي.

تتواجد القائمة بأعمال مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ياعيل لمبرت ونائب مساعد وزير الخارجية للشؤون الإسرائيلية والفلسطينية هادي عمرو في المنطقة منذ يوم الأربعاء الماضي لعقد اجتماعات مع مسؤولين أردنيين وإسرائيليين وفلسطينيين ومصريين بهدف إعادة الهدوء.

هدف آخر متواضع وضعته الولايات المتحدة هو دفع إسرائيل لإجراء تغيير دقيق ولكن مهم في خطابها فيما يتعلق بالوضع الراهن في الحرم القدسي.

طفل صغير يحمل نموذج المسجد قبة الصخرة ويلوح بالعلم الفلسطيني خلال مظاهرة في شوارع العاصمة الأردنية عمان في 22 أبريل 2022 تضامنا مع الفلسطينيين في القدس.(AFP)

بينما شدد لابيد وبعض المسؤولين الإسرائيليين الآخرين على التزامهم بالوضع الراهن، تضمنت نقطة الحديث الأكثر شيوعا الالتزام بحماية “حرية العبادة” لجميع الديانات الرئيسية الثلاث في القدس.

في حين أن هذه النقطة تبدو بديهية، إلا أن العديد من الفلسطينيين يفسرونها في سياق الحرم القدسي وينظرون إليها على أنها جزء من جهد إسرائيلي تدريجي لإضفاء الشرعية على الصلاة اليهودية في الحرم.

تسببت عبارة مماثلة بأزمة دبلوماسية في يوليو الماضي. عندها شكر رئيس الوزراء نفتالي بينيت الشرطة على “الحفاظ على حرية العبادة لليهود على الجبل”.

وأثار البيان الذي صدر باللغتين الانكليزية والعبرية ضجة فورية في عمان ورام الله واسطنبول. تبع ذلك نقاش حول ما إذا كان بينيت قد أخطأ في الكلام أو كان ينوي الإعلان عن تحول كبير في الوضع الراهن، بالنظر إلى خلفيته الدينية القومية. في نهاية المطاف، أرسل رئيس الوزراء مسؤولا مجهولا من مكتبه لإصدار بيان يصر فيه على أنه بالرغم من تعليقه، فإن إسرائيل ملتزمة بالحفاظ على السياسة المتبعة منذ فترة طويلة والتي بموجبها لا يُسمح لليهود بالصلاة في الحرم.

الرئيس إسحاق هرتسوغ (إلى اليسار) والملك الأردني عبد الله الثاني في قصر الحسينية في عمان، الأردن، 30 مارس 2022 (Haim Zach / GPO)

إدراكا منهم لكيفية تفسير الحديث عن “حرية العبادة” من قبل مختلف الأطراف اللاعبة ذات الصلة، سعى المسؤولون الأمريكيون إلى تشجيع إسرائيل على تجنب استخدام العبارة في نقاط الحوار والتركيز فقط بدلا من ذلك على تأكيد التزامها بالوضع الراهن في الأماكن المقدسة بالقدس، حسبما قال الدبلوماسي المطلع على الأمر.

يبدو أن الجهد قد أحرز تقدما حيث عقد لابيد مؤتمرا صحفيا آخر يوم الأحد، هذه المرة مع الصحافيين الأجانب حول الوضع في القدس، منتهزا الفرصة لاستخدام نفس العبارة التي استخدمها نتنياهو قبل سبع سنوات.

وقال وزير الخارجية: “المسلمون يصلون على جبل الهيكل. غير المسلمين يقومون بالزيارة”، دون أن يضيف الجملة المتعلقة بالتزام إسرائيل بحماية “حرية العبادة”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال