الوباء الاجتماعي: ارتفاع حاد في عدد الأطفال مرضى “سكري البالغين”
بحث

الوباء الاجتماعي: ارتفاع حاد في عدد الأطفال مرضى “سكري البالغين”

كشفت دراسة جديدة بقيادة مستشفى رمبام عن ارتفاع حاد في السنوات العشر الأخيرة في عدد الأطفال مرضى السكري من النوع 2 في إسرائيل: أكثر بـ 10 مرات في المجتمع العربي، وأكثر بـ 3.5 مرات في الوسط اليهودي

توضيحية: طفل يعاني من مرض السكري. (iStock)
توضيحية: طفل يعاني من مرض السكري. (iStock)

يصعب تفويت حقيقة أن الأطفال في إسرائيل يزدادون بدانة. هذه السمنة لها عواقب صحية ويتم الكشف عنها الآن في دراسة جديدة أجريت تحت رعاية مستشفى “رمبام”، والتي لا يمكن وصف نتائجها بأنها أقل من صادمة.

خلال عقد من الزمن (2008-2019) تضاعف عدد الأطفال العرب مرضى السكري من النوع 2 في إسرائيل بعشر مرات؛ في الفترة نفسها تضاعف عدد الاطفال اليهود مرضى السكري بـ 3.5 مرات.

مرض السكري ليس مرضا معديا، ولكنه يرتبط ارتباطا وثيقا بعادات الأكل ونمط حياة قليل الحركة، والتي تتأثر بشكل كبير بروح تلك الفترة والأعراف الاجتماعية. في ظل هذه الظروف، يمكن بالتأكيد تعريفه على أنه وباء – وباء اجتماعي.

قادت الدراسة الدكتورة نحاما تسوكرمان-ليفين، مديرة العيادة لعلاج وبحوث السكري لدى الأطفال والبالغين في رمبام، والبروفيسور نعيم شحادة، مدير معهد الغدد الصماء والسكري والتمثيل الغذائي في رمبام ورئيس الجمعية الإسرائيلية للسكري.

المركز الطبي رمبام في حيفا (Yossi Aloni/Flash90)

أجريت الدراسة، التي نُشرت مؤخرا في المجلة العلمية Pediatric Diabetes، بالتعاون مع 14 مركزا طبيا في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك عيادات “كلاليت” في حيفا والقدس وعيادة “مكابي” في رعنانا، التي تعالج مرضى السكري الذين تتراوح أعمارهم بين 10-18 عاما.

مرض السكري من النوع 1، المعروف في السابق باسم “سكري الأطفال”، هو أحد أمراض المناعة الذاتية حيث يواجه البنكرياس صعوبة في إنتاج الأنسولين. في إسرائيل، يظهر المرض بشكل متساو في فئات مختلفة من السكان – على سبيل المثال اليهود والعرب.

مرض السكري من النوع 2، المعروف أيضا باسم “سكري البالغين”، غير مرتبط بالأنسولين ويتطور حتى في المرحلة التي لا يزال فيها البنكرياس ينتج الأنسولين. المرض مرتبط بنزعة وراثية، ولكن السبب وراء ظهوره هو في حالات كثيرة نمط الحياة – وزن زائد، وقلة التمارين الرياضية، وتناول الأطعمة المصنعة التي تحتوي على كميات كبيرة من السكر.

المعطيات التي تشير إلى الارتفاع الحاد في عدد الأطفال مرضى السكري من  النوع 2 في إسرائيل هي في الواقع قصة ثقافية، قصة حقبة: “منذ بداية التسعينات بدأنا نشهد ظاهرة مرض السكري من النوع 2 لدى الأطفال”، كما تقول دكتور تسوكرمان-ليفين.

“في السابق أطلق على ذلك اسم سكري البالغين، لم يتم الإبلاغ عن المرض في صفوف الأطفال على الإطلاق. كنا نرى السكري من النوع 1 لدى الأطفال والسكري من النوع 2 لدى البالغين. هذه الصورة للسكري من النوع 2 لدى الأطفال هي شيء جديد.

الدكتورة نيحاما تسوكرمان-ليفين ، مديرة عيادة علاج وبحوث مرض السكري لدى الأطفال والمراهقين في رمبام. (Rambam Health Care Campus)

“في 2010-2011 بدأنا نلاحظ أننا نشهد المزيد والمزيد من مرض السكري من النوع 2 لدى الأطفال في العيادة، وخاصة فوق سن العاشرة. كنا ندير عيادة صغيرة مخصصة لعلاجهم والأعداد تتزايد. منذ ثلاث سنوات اتصلنا بأصدقاء من عيادات أخرى في جميع أنحاء البلاد لرسم خريطة للبيانات، لذلك الحديث يدور عن دراسة على صعيد البلاد التي غطت ما يقرب من 100% من جميع الأطفال المصابين بمرض السكري في إسرائيل”.

إن ارتفاع معدلات الإصابة بمرض السكري بين عموم السكان حاد للغاية، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمجتمع العربي، فإن ذلك يمثل قفزة هائلة حقا. وتقول دكتور تسوكرمان-ليفين: “نرى في جميع أنحاء العالم ظاهرة انتشار سكري الأطفال بشكل أكبر بين الأقليات بالتوازي مع وباء السمنة. في الولايات المتحدة نرى ذلك بين الهسبانيين والأمريكيين الأفارقة والسكان الأصليين في القارة الأمريكية. في أوروبا هو أكثر محدودية، ويتم توثيقه في الغالب بين المهاجرين”.

“في البلاد، 41% من الأطفال المصابين بداء السكري من النوع 2 هم من العرب، بينما تبلغ حصتهم من الأطفال 26٪ فقط. يعاني العرب البالغون أيضا من مرض السكري من النوع 2، ولكن المثير للاهتمام أنه عند الأطفال يظهر المرض أيضا في درجة سمنة أقل  بشكل أكبر من الأطفال اليهود، أي أن الوراثة تلعب أيضا دورا هنا”.

كيف تفسرين ما حدث للأطفال العرب خلال جيل واحد؟

“هذه الأيام أعمل في جسر الزرقاء على دراسة كبيرة لم يتم نشرها بعد. سألت أحد من قابلتهم عما كان لديهم في الماضي ولم يعد موجودا اليوم، لماذا عندما كنتم أطفالا لم تكونوا تعانون من السمنة الزائدة. قال في طفولتهم كانوا يأكلون الخبز مع الطحينة واللبنة، والكثير من الطعام المنزلي. اليوم أكثر الأطعمة المتوفرة هي البمبا (مسليات بطعم الفول السوداني) والوجبات الخفيفة والمشروبات السكرية”.

“الانتقال من نمط الحياة التقليدي إلى الطعام غير الصحي، من طعام الجدة إلى الوجبات السريعة، بالإضافة إلى حساسية وراثية كبيرة، يؤدي إلى عواقب وخيمة”.

توضيحية: طفل يتناول الهمبرغر. (iStock)

دكتورة تسوكرمان-ليفين محاطة بأطفال طوال اليوم، وبحكم عملها لا يمكنها أن تخفي شعورها بالألم: “من أصعب المواقف أن يصل طفل يبلغ من العمر 14 عاما مصابا بالسمنة ومرض السكري ومع إصابة في العينين. هذه أشياء كانت تحدث في الماضي في سن متأخرة.

“يعاني الكثير منهم أيضا من كبد دهني وبروتين في البول. يشير البروتين الموجود في البول إلى وجود مشكلة في وظائف الكلى، وفي مرحلة لاحقة يكون هناك احتمال كبير أن يحتاج هؤلاء الأطفال إلى غسيل الكلى. ومرضى السكري هم العملاء رقم واحد لعلاجات غسيل الكلى”.

نحن نركز على الوسط العربي، ولكن هناك ارتفاع حاد لدى اليهود أيضا. انت على اتصال مع الأهل والعائلات، هل لديك انطباع بان النقاشات في الخطاب العام والخطاب الإعلامي والوعي المتزايد كما يبدو لأسلوب حياة صحي لا تصل إليهم؟

“الأمر يتسرب، ولكنه لا يتغلغل. لا تأثير له على مستوى القيام بأمور. كل شيء يبدأ مع الاهل، أعتقد أنه من خلال التوجه لأهالي الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وثلاث سنوات، وتعليمهم بشأن ما الذي يجب شراؤه، وما يجب تحضيره وتقديمه للأطفال، هذه هي الأعمار التي يجب أن تتشكل فيها عادات الأكل وأساليب الحياة. في سن 6 سنوات يصبح الطفل يعاني بالفعل من سمنة زائدة ولديه عادات وقد يكون الأوان قد فات بالفعل”.

“المشكلة أن الأهل لا يدركون أن الأمر يبدأ بهم. فهم على يقين بأن هذه مشكلة الأطفال”.

البروفيسور نعيم شحادة، مدير معهد الغدد الصماء والسكري والتمثيل الغذائي في رامبام ورئيس الجمعية الإسرائيلية للسكري. (Rambam Health Care Campus)

“إذا كان هذا هو الاتجاه قي العقد الأخير، فكيف سيكون الوضع بعد عشر سنوات؟ النتائج المقلقة تتطلب تدخلا تربويا ووقائيا بالفعل في مرحلة الطفولة المبكرة من أجل وقف هذا الاتجاه الخطير”، كما يقول بروفيسور نعيم شحادة.

وتضيف دكتورة تسوكرمان-ليفين: “نحن في مشكلة عويصة. من جهة هناك ما يدعو للتفاؤل – يمكن علاج السكري من النوع 2 من خلال تغيير نمط الحياة، من المفترض أن الأمر يعتمد علينا فقط. ولكن من جهة أخرى، حتى لو نجحنا في تجنيد الأهل، فإن الأطفال يصغون إليهم بدرجة أقل”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال