إسرائيل في حالة حرب - اليوم 257

بحث
تحليل

المشاهد من رفح أصابت إسرائيل بالذعر، والعالم لم يتبن بعد رواية الجيش الإسرائيلي

تشهد حادثتان وقعتا هذا الأسبوع على مدى الخطر الدبلوماسي الذي تواجهه إسرائيل بسبب عمليات الجيش في غزة؛ : السرعة التي تم بها إجراء تحقيق متعمق بكل الوسائل الممكنة بشأن كارثة الحريق في غزة والتعاون مع مصر للتحقيق في الحادث الذي قُتل فيه جندي مصري

فلسطينيون يتفقدون الأضرار في أعقاب غارة جوية إسرائيلية في رفح، 27 مايو،  2024. (AP Photo/ Jehad Alshrafi)
فلسطينيون يتفقدون الأضرار في أعقاب غارة جوية إسرائيلية في رفح، 27 مايو، 2024. (AP Photo/ Jehad Alshrafi)

كان واضحا أن العملية في رفح ستخضع لتمحيص تحت عدسة مكبرة في العالم، وستثير ضجة في الولايات المتحدة وفي أوروبا وفي مصر أيضا. خلال أقل من أسبوع، وجدت إسرائيل نفسها في أزمة دبلوماسية في حادثتين منفصلتين.

الحادثة الأولى كانت اغتيال قياديين في حركة حماس في حي تل السلطان في غرب رفح، والذي قُتل في أعقابه عشرات الفلسطينيين جراء حريق اندلع في مجمع أكواخ صفيح وخيام قريبة.

في إسرائيل، أدركوا على الفور حجم الضرر الدبلوماسي ولذلك أدخلوا إلى الصورة في المرحلة الأولى آلية تحقيق هيئة الأركان المشتركة بقيادة اللواء احتياط يوآف هار إيفن.

هذه الآلية هي في الواقع بمثابة هيئة خارجية للجيش الإسرائيلي، التي تعتمد على ضباط احتياط وتحقق في أحداث كبيرة ذات تداعيات دبلوماسية، دون تبعية قيادية، باستثناء تعيينها.

التحقيق الأول الذي أجراه هذا الفريق كان بعد مقتل سبعة من العاملين في منظمة “المطبخ المركزي العالمي” (WCK) جراء نيران أطلقها الجيش الإسرائيلي بالخطأ في بداية أبريل. المنطق الذي جرى العمل به في حالة WCK هو أيضا المنطق ذاته الذي يجري العمل به في الحادثة الأخيرة في رفح: منحدر سياسي زلق يتطلب من إسرائيل الرد بسرعة.

الرائد احتياط يوآف هار إيفين (Tomer Neuberg/Flash 90)

تشير نتيجة التحقيق في رفح إلى أن ما تسبب باندلاع الحريق في مجمع النازحين الفلسطينيين كان شرارة تسببت بإشعال النيران في مخزن أسلحة. وكما في حالة الانفجار في مستشفى الأهلي في مدينة غزة في بداية الحرب، هنا أيضا دخلت الوحدة 8200 مباشرة إلى الصور ونجحت في اعتراض مكالمة هاتفية بين اثنين من سكان غزة وصفا فيها الانفجار في مخزن للذخيرة في رفح بعد الغارة الإسرائيلية.

الإسراع إلى إجراء التحقيق العميق مع كل الوسائل الممكنة – بما في ذلك الكشف عن قدرات لشعبة الاستخبارات – يظهر مدى الخوف في إسرائيل من الصور، حينذاك والآن. ليس من قبيل الصدفة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحدث بلهجة اعتذارية في خطاب ألقاه في الكنيست هذا الأسبوع. المستمعون كانوا أعضاء الكنيست، لكن الخطاب كان موجها للعالم.

في هذه المرحلة من الصعب تقييم مدى الضرر، لأنه على عكس حادثة المستشفى، لم تعتمد أي دولة حتى الآن الرواية الإسرائيلية الرسمية. المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي جون كيربي قال في مؤتمر صحفي يوم الأربعاء إن الولايات المتحدة في انتظار الحصول على مواد من إسرائيل.

وأضاف كيربي لاحقا أن الصور صعبة وأنه لا ينبغي لإسرائيل تنفيذ عملية كبيرة في رفح. يمكن لإسرائيل أن تجد العزاء في استخدامه لكلمة “كبيرة”، حيث أنه توجد هنا موافقة أمريكية ضمنية على عملية صغيرة/حذرة/دقيقة.

الحادثة الثانية – قيام جندي مصري يوم الإثنين بإطلاق النار على قوة تابعة للجيش الإسرائيلي بالقرب من معبر رفح. أطلقت القوة الإسرائيلية النار عليه وأردته قتيلا. الاتصال الهاتفي بين إسرائيل ومصر كان فوريا. أدرك الجانبان أنه ينبغي عزل هذه الحادثة وبشكل فوري، وإلا فإن السلطات المصرية  ستضطر للتعامل مع نظريات المؤامرة التي ستتطور في الشارع المصري.

في غضون ساعات قليلة  تم إجراء تحقيق هاتفي مشترك بين الجانبين، وفي نهايته أدرك المصريون أن الجندي من جانبهم هو من أطلق النار أولا. في ساعات المساء، بعد تحقيق داخلي أجراه المصريون، أبلغوا الطرف الإسرائيلي إن الحديث يدور عن جندي أصبح متطرفا دينيا.

بالإضافة إلى ذلك، في البيان الرسمي المصري الذي صدر في اليوم نفسه، تم استخدام صيغة حذرة للغاية في وصف ظروف مقتل الجندي: وجد الجندي نفسه “عالقا” في تبادل لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس. بمعنى آخر، تركت القاهرة هنا مساحة كبيرة من الإنكار، وعلامة استفهام حول الطرف الذي أطلق النار عليه. وفي اليوم التالي، غادر وفد إسرائيلي إلى القاهرة لبحث مجموعة متنوعة من القضايا، بما في ذلك الحادثة، وكيفية منع تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل.

ما يمكن تعلمه من هذه الحالة هو عقلية بعض القوى المصرية الموجودة على الجانب الآخر من محور فيلادلفيا.

ليس من قبيل الصدفة أن يقال في إسرائيل إنه على الرغم من عشرات أنفاق التهريب التي عثر عليها الجيش الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة على طول المحور بين غزة وإسرائيل، إلا أن معظم السلاح الذي دخل القطاع في السنوات الأخيرة دخل من خلال شاحنات إمداد عبرت المعبر الرسمي. لا يمكن أن يتم ذلك إلا من خلال تعاون بين أطراف مصرية محلية قامت حماس برشوتها.

مخيم للنازحين الفلسطينيين في رفح، بجوار الحدود مع مصر ومحور فيلادلفيا، 10 مايو، 2024. (AP Photo/Abdel Kareem Hana)

لذلك، في كل حل مستقبلي بشأن المحور، تطالب إسرائيل أن تكون شريكة فعلية في عملية تفتيش البضائع، حتى لو كان ذلك من خلال وسائل مراقبة تكنولوجية عن بعد.

خطة الجيش الإسرائيلي هي زيادة وتوسيع نطاق العمليات في رفح، انطلاقا من منطق أن نافذة الشرعية الدولية آخذة بالانغلاق بسرعة أكبر، بعد قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي.

والسؤال هو ماذا سيحدث بعد ذلك، بعد حل كتائب حماس الأربع. في هذه المسألة، الدلالات مهمة جدا، حيث انها ستشكل إلى حد كبير استمرار النشاط الإسرائيلي، ومن المرجح أن يقوم كل طرف على الخريطة السياسية الإسرائيلية باستخدامها. ولهذا السبب ينبغي فهم ما هو تعريف الجيش الإسرائيلي لـ “حل حماس”.

قبل السابع من أكتوبر، كانت حماس تُعرَف على أنها جيش إرهابي – أي منظمة بلا دولة ولكنها تتمتع بقدرات عسكرية في كل ما في الكلمة من معنى: قواة مشاة، مضادات للدبابات، منظومات جوية وبحرية، استخبارات، انتشار جغرافي، ونظام هرمي للقيادة والسيطرة. لا يوجد أي من هذا حاليا في معظم أنحاء قطاع غزة.

تتصرف حماس، بعد سبعة أشهر من القتال، كحركة إرهابية تعتمد على تصرفات أفراد وليس كجيش إرهابي له قيادة وسيطرة مركزية، كما كان الوضع في صباح السابع من أكتوبر.

عمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، مايو 2024 (IDF Spokesperson)

من المهم فهم وتحديد هذا التحول، لأن تفكيك البعد الإرهابي لحركة حماس هو جهد سيزيفي ويتطلب سنوات عدة. ومن ناحية أخرى، فإن إعلان حل جيش حماس قد يسمح لإسرائيل بإعلان نهاية الحرب.

وإذا افترضنا أن الواقع الذي سيرافقنا في السنوات المقبلة في قطاع غزة سيكون مشابها للواقع في الضفة الغربية – والذي سيشمل عمليات دخول وخروج في عمق القطاع الفلسطيني – فإن إسرائيل تستطيع وقف عملياتها بعد رفح والبدء في التخطيط لآلية نهاية.

لكن هنا يأتي سؤال اليوم التالي، الذي لم يتم بعد مناقشته والاتفاق عليها على مستوى القيادة السياسية، وبالتالي يتطلب ذلك بقاء الجيش الإسرائيلي في الميدان لضمان ألا تتجاوز حماس مرة أخرى الخط الأحمر من منظمة إرهابية إلى جيش.

اقرأ المزيد عن