القاضي طارق بيطار في قلب معركة تضع لبنان على حافة الهاوية
بحث

القاضي طارق بيطار في قلب معركة تضع لبنان على حافة الهاوية

المحقق العدلي تجرأ على مواجهة زعماء بيروت السياسيين الذين لا يمكن المساس بهم أثناء التحقيق في انفجار الميناء العام الماضي؛ وتحولت الاحتجاجات المطالبة بعزله إلى اشتباكات دامية يوم الخميس

أحد مؤيدي حزب الله وحركة أمل يحمل صورة للقاضي طارق بيطار، محقق تفجير بيروت، بالقرب من قصر العدل في العاصمة بيروت في 14 أكتوبر 2021، خلال تجمع للمطالبة بإقالته. (جوزيف عيد / وكالة الصحافة الفرنسية)
أحد مؤيدي حزب الله وحركة أمل يحمل صورة للقاضي طارق بيطار، محقق تفجير بيروت، بالقرب من قصر العدل في العاصمة بيروت في 14 أكتوبر 2021، خلال تجمع للمطالبة بإقالته. (جوزيف عيد / وكالة الصحافة الفرنسية)

أ ف ب – تجاوز القاضي طارق بيطار بعدما قرر ملاحقة مسؤولين سياسيين وأمنيين في قضية انفجار مرفأ بيروت خطوطا حمراء مرسومة في لبنان، ليجد نفسه خلال أشهر قليلة في قلب معركة شرسة، ويتحول بنظر الكثيرون إلى رمز لتحدي الطبقة السياسية الحاكمة.

ويقود حزب الله، القوة السياسية والعسكرية الأبرز، اليوم معركة هدفها الإطاحة ببيطار (47 عاما)، الذي تتهمه قوى سياسية عدة بـ”التسييس”، فيما يضع أهالي أكثر من 200 قتيل كامل ثقتهم فيه لإظهار حقيقة يطالبون بها منذ أودى الانفجار المروع في الرابع من آب/أغسطس 2020 بحياة أبنائهم.

يحقق بيطار اليوم في أحد أكبر الانفجارات غير النووية في العالم، وفي أهم قضية تشهدها لبنان منذ اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005.

ويقول يوسف لحود، أحد محامي عائلات ضحايا الانفجار والذي حضر جلسات استجواب عدة في القضية، إن بيطار “يجمع بين الجرأة والضمير، وهما صفتان أساسيتان للقاضي”.

وتضاعف التضامن مع بيطار بعد تصعيد خطاب حزب الله ضده وبعد تسريب إعلاميين محليين الشهر الماضي رسالة وجّهها مسؤول رفيع المستوى في الحزب اليه تضمنت امتعاضا من مسار التحقيق وهددت بإزاحته من منصبه.

وتظاهر العشرات يوم الخميس من مناصري “حزب الله” وحركة “أمل” أمام قصر العدل مطالبين بتنحية بيطار، ووقعت اشتباكات مسلحة تخللها تبادل كثيف لإطلاق النار والقذائف أوقعت ستة قتلى في تصعيد ينذر بإدخال البلاد في أزمة جديدة.

أنصار حزب الله وحركة أمل الشيعية يرددون شعارات ضد القاضي طارق بيطار، الذي يحقق في تفجير الميناء العام الماضي، خلال مظاهرة أمام قصر العدل في بيروت، لبنان، في 14 أكتوبر 2021 (AP Photo / Hussein مالا)

واحرق متظاهرون صوره أمام قصر العدل في بيروت واتهموه بالتواطؤ مع الأميركيين، وتناقل آخرون صوره على مواقع التواصل الاجتماعي معتبرين أنه رمز تحدي الطبقة السياسية الحاكمة.

“لا ارتباط سياسي”

منذ ادعائه على رئيس الحكومة السابق حسان دياب وطلبه ملاحقة نواب ووزراء سابقين وأمنيين، يخشى كثيرون أن تؤدي الضغوط السياسية إلى عزل بيطار، على غرار سلفه فادي صوان الذي نُحي في شباط/فبراير بعد ادعائه على مسؤولين سياسيين.

وقد اضطر بيطار إلى تعليق تحقيقه مرتين إثر شكاوى قضائية من وزراء يرغب باستجوابهم مطالبين بكف يده عن القضية. إلا أن محكمتين رفضتا حتى الآن الشكاوى. وبات بإمكانه استئناف تحقيقاته، التي علقها يوم الثلاثاء، وتحديد جلسات استجواب جديدة للمسؤولين، الذين لا يزالون يرفضون المثول أمامه.

ويقول أحد معارف القاضي، مفضلا عدم ذكر اسمه: “ليس لديه أي ارتباط سياسي معروف”، في بلد تتدخل فيه السياسة حتى في التعيينات القضائية، ويعتبر قضاة عدة محسوبين على طوائف وأحزاب سياسية.

مضيفا: “هذه تحديدا مشكلة السياسيين مع بيطار: ليس لديهم أي أداة للضغط عليه”.

اشتعلت النيران في ملصقات السفيرة الأمريكية في لبنان دوروثي شيا والقاضي اللبناني طارق بيطار، الذي يحقق في انفجار ميناء بحري العام الماضي، من قبل أنصار حزب الله وحركة أمل الشيعية، خلال مظاهرة أمام قصر العدل، في بيروت، لبنان، في 14 أكتوبر 2021 (AP Photo / Hussein Malla)

“جرأته تخيفهم”

نادرا ما يتحدث بيطار إلى الإعلام، لكن سياسيين من انتماءات مختلفة يتهمونه بأنه لا يخفي قناعته بأن الوقت قد حان لتغيير الطبقة السياسية.

ويقر منتقدوه حتى أن بيطار، المتحدر من شمال لبنان، حافظ خلال السنوات الماضية على سمعة حسنة. ويتمتع بثقة عالية في النفس، تلامس في نظر البعض حدود الغرور.

وبيطار نادر الابتسام، ولا يقبل دعوات غداء وعشاء وحفلات من قبل سياسيين ويتجنب المناسبات العامة خشية اتهامه بالارتباط السياسي، وفق أحد معارفه الذي يقول: “عند تكليفه التحقيق، واجهنا صعوبة حتى في إيجاد صورة له”.

ويضيف: “جرأته تخيفهم، فهو ظاهرة غير مسبوقة في قصر العدل”.

ويبدو بيطار مصراً على المضي قدماً بالتحقيق معولا على دعم تام من أهالي الضحايا الذين يتظاهرون دائما أمام قصر العدل للتعبير عن دعمهم له ورفضا لأي تدخلات سياسية بعمله.

ولد طارق بيطار العام 1974 في قرية عيدمون في منطقة عكار الشمالية، ويقيم في الضاحية الشمالية لبيروت مع زوجته الصيدلانية ونجليه.

نصب يمثل العدالة يقف أمام صوامع الحبوب الشاهقة التي دمرت في انفجار هائل في أغسطس 2020 في مرفأ بيروت، لبنان، في 4 أغسطس 2021 (AP Photo / Hussein Malla ، File)

ومنذ استلامه ملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، بات يحظى بحماية شخصية أمنية وعسكرية.

يحمل شهادة في القانون من الجامعة اللبنانية، وبدأ مسيرته المهنية في شمال البلاد قبل أن يترأس محكمة جنايات بيروت.

ويقول محامي عرفه حين كان يرأس محكمة الجنايات إن “استلامه لقضية مرفأ بيروت كانت بمثابة خسارة لنا في محكمة الجنايات، فقد خسرنا قاضياً نزيهاً واستثنائيا”.

وتولى بيطار عدة قضايا معقدة، من أبرزها قضية الطفلة إيلا طنوس التي أثارت ضجّة في لبنان، إذ أنه دان العام 2020 مستشفيين خاصين وطبيبين وفرض عليه تقديم تعويضات مالية ضخمة لعائلة الطفلة التي أدى خطأ طبي إلى بتر أطرافها الأربعة.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال