إسرائيل في حالة حرب - اليوم 237

بحث
تحليل

العبء الحقيقي لميزانية نتنياهو الجديدة

مع تخصيص المزيد من الأموال إلى المجتمع الحريدي، يتم تخفيض الميزانيات الأخرى المخصصة للاستثمار في التكنولوجيا العالية؛ الإصلاحات لمعالجة ارتفاع تكلفة المعيشة تتضرر

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى جانبه، ووزراء آخرون في الائتلاف وأعضاء كنيست يحتفلون بإقرار ميزانية الدولة في الكنيست، 23 مايو 2023 (Yonatan Sindel / Flash90)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى جانبه، ووزراء آخرون في الائتلاف وأعضاء كنيست يحتفلون بإقرار ميزانية الدولة في الكنيست، 23 مايو 2023 (Yonatan Sindel / Flash90)

بينما كانت إسرائيل تعاني من أسوأ ركود اقتصادي لها قبل عقدين من الزمن، ألقى وزير المالية آنذاك بنيامين نتنياهو باللوم في الأزمة على الرجل السمين – القطاع العام – الذي يركب على أكتاف الرجل النحيف – القطاع الخاص.

في مقابلة في ديسمبر الماضي، قبل تشكيل حكومة مع الأحزاب الحريدية والقومية، أشار رئيس الوزراء نتنياهو إلى أن معدل المواليد المرتفع لدى المجتمع الحريدي ومعدل التوظيف المنخفض والاعتماد على الرعاية الحكومية قد خلق عبئًا ساهم في تلك الازمة الاقتصادية عام 2002.

وأوضح نتنياهو أن الاقتصاد الإسرائيلي كان في مأزق قبل 21 عاما لأسباب مختلفة، بما في ذلك “نظام الرعاية الاجتماعية السخي، الذي شجع الناس على الاعتماد على الإعانات وعدم الخروج للعمل”.

وكان علاج نتنياهو، كما يتذكر، هو “وضع تخفيف وزن الرجل السمين”. وشمل ذلك خفض دفعات الأطفال التي ارتفعت مع كل طفل متعاقب، وتنفيذ إصلاحات هيكلية وتنظيمية واسعة النطاق لتشجيع النمو الاقتصادي والازدهار.

الآن يبدو أن العكس هو ما يحدث. كجزء من الميزانية للعامين المقبلين، وافقت الحكومة على تخصيص أموال تصل مليارات الشواقل لقضايا حذرت وزارة المالية وكبار الاقتصاديين من أنها ستقلل من الحوافز والمؤهلات لدخول سوق العمل الأوسع، مما سيؤدي إلى خنق النمو، ويمثل تهديدًا وجوديًا.

في وقت مبكر من صباح الأربعاء، صادق نواب الكنيست على ميزانية الدولة البالغة 484 مليار شيكل (131 مليار دولار) و514 مليار شيكل (139.5 مليار دولار) لعامي 2023-2024 على التوالي، مما أنهى شهورا من الخلافات الائتلافية حول أولويات التمويل ومطالب الأحزاب الدينية التي هددت بإسقاط حكومة نتنياهو.

عضو الكنيست من الليكود دافيد امسالم خلال المناقشة والتصويت على ميزانية الدولة في الكنيست في القدس، 23 مايو 2023 (Yonatan Sindel / Flash90)

مع تحديد موعد نهائي في 29 مايو لإقرار الميزانية أو إجراء انتخابات جديدة، سارع نتنياهو لتلبية مطالب شركائه الحريديم والمتدينين في الائتلاف، والتي تشمل تخصيص أكثر من 14 مليار شيقل لرواتب طلاب المعاهد الدينية والتعليم للحريديم.

ومن الأموال، تم الاتفاق على إنفاق ما يقارب من 4 مليارات شيكل على زيادة ميزانية رواتب طلاب المؤسسات الدينية. ويتم تخصيص حوالي مليار شيكل لبرنامج قسيمة طعام يطالب به زعيم حزب “شاس” أرييه درعي.

وتم تخصيص 1.2 مليار شيكل آخر للمؤسسات التعليمية الخاصة غير الخاضعة للإشراف، والتي لا تقوم بتدريس المواد الأساسية مثل الرياضيات واللغة الإنجليزية. سيتم توجيه أموال إضافية للتعليم الحريدي، وبناء المباني الدينية، ودعم الثقافة والهوية اليهودية الحريدية.

ومع ذلك، أشاد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بالميزانية باعتبارها “ميزانية جيدة” تخدم جميع “مواطني إسرائيل”.

“الميزانية لا تخدم ولا تقدم استجابة لاحتياجات المواطنين الإسرائيليين مثل الاستثمار في إصلاحات لمعالجة ارتفاع تكلفة المعيشة في البلاد، وهو ما لم يتم تناوله بشكل مناسب”، قالت دافنا أفيرام نيتسان، مديرة مركز إدارة الحكم والاقتصاد في معهد الديمقراطية الإسرائيلي لتايمز أوف إسرائيل. “بدلا من ذلك، فإنها تخصص أموال لا تشكل محركات نمو للاقتصاد على حساب السكان العاملين الذين يتقلص عددهم والذين سيتعين عليهم تحمل العبء الضريبي المرتفع لتمويل هذه الميزانية”.

تكلفة معيشة عالية

قلق الجمهور الإسرائيلي يركز في الغالب على ارتفاع تكاليف المعيشة، وفقا لمسح نشره معهد الديمقراطية الإسرائيلي يوم الثلاثاء. وأظهر المسح أن ثلثي المستجيبين يعتقدون أن أسعار المواد الغذائية هي العامل الأكثر أهمية، وحوالي نصفهم يشيرون إلى تكاليف الإسكان، و29٪ إلى الضرائب غير المباشرة.

ويعتقد غالبية الجمهور أن غلاء المعيشة هو نتيجة تقاعس الحكومة، و27٪ فقط يلقون باللوم على الاحتكارات الكبيرة، و3-4٪ ينسبون المسؤولية إلى المصنعين المحليين أو المستوردين أو شبكات المتاجر الكبرى، كما وجد الاستطلاع.

وقال إيتاي أتر، أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب لتايمز أوف إسرائيل إن “الأولويات المتغيرة للحكومة تنعكس إلى حد كبير في تخصيص أموال التحالف. في السابق، تم توفير الأموال للمؤسسات الحريدية بناء على شروط معينة لتدريس المواد الأساسية والإدراك بأنه يجب تحفيز المجتمع الحريدي على الانضمام إلى القوى العاملة”.

وفي خطط إسرائيل الاقتصادية المستقبلية على النحو المنصوص عليه من قبل وزارة المالية وبنك إسرائيل، هناك إجماع على أن دمج المجتمع الحريدي المتنامي بسرعة في المجتمع والاقتصاد الإسرائيلي يمثل تحديًا وجوديًا. الأدوات الرئيسية تتمثل بزيادة معدلات التوظيف وإصلاح النظام التعليمي الحريدي من خلال تدريس المواد الأساسية لتزويد خريجيها بالمؤهلات والأدوات الضرورية للانضمام إلى القوى العاملة.

وقال أتر: “لقد تغير شيئان في هذا الصدد، فنحن نمنحهم المزيد من المال، ولا نوفر لهم التعليم الأساسي الضروري. لا يمكن للاقتصاد أن يستمر بدون انضمام المزيد من الرجال الحريديم إلى القوى العاملة”.

وأضاف: “انضمت العديد من النساء الحريديات بالفعل إلى القوى العاملة، ولكن فيما يتعلق بالرجال الحريديم، فنحن بعيدون جدًا عن أن نكون في مكان جيد”.

واليوم، ما يقارب من 25٪ من الأطفال دون سن المدرسة يولدون لعائلات حريدية، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه النسبة بحلول عام 2050. وبشكل عام، يشكل المجتمع الحريدي 13٪ من سكان إسرائيل، ويبلغ متوسط معدل انجابهم 6.5 طفل. وسيشكل الحريديم 16٪ من سكان البلاد بحلول نهاية العقد، وسيشكلون حوالي الثلث بحلول عام 2065.

متوسط الرواتب الشهرية لأسر الحريديم – 14,121 شيكل – أقل بكثير من نظرائهم من غير الحريديين، الذين يتقاضون 21,843 شيكل.

ايتاي أتر، أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب (Courtesy)

وقد حذرت وزارة المالية بالفعل من أن تخصيص الأموال للمؤسسات والمبادرات الحريدية يخلق حوافز سلبية للرجال الحريديم للبحث عن عمل وسيضر بسوق العمل والاقتصاد ككل. وتتوقع الوزارة أنه دون حدوث تغيير في معدل التوظيف بين الرجال الحريديم، فمن المتوقع أن تصل خسارة الناتج المحلي الإجمالي التراكمي حتى عام 2060 إلى 6.7 تريليون شيكل.

وتقلص القوة العاملة يعني أيضًا أن الحكومة تجمع ضرائب أقل، وهي مصدر الإيرادات الرئيسي لتمويل ميزانية الدولة والخدمات الحكومية. وإذا لم يتم تشجيع الرجال الحريديم على العمل، فبحلول عام 2065، سيتعين على الحكومة زيادة الضرائب المباشرة بنسبة 16٪ للحفاظ على نفس مستوى الخدمات مثل الرعاية الصحية والنقل، والتي توفرها دون زيادة العجز، وفقًا لتقديرات الوزارة.

ويكافح الإسرائيليون بالفعل لتغطية نفقاتهم مع ارتفاع تكاليف المعيشة، في حين يتم خفض توقعات النمو الاقتصادي وتتراجع الاستثمارات بسبب عدم اليقين المحيط بخطة الحكومة لإصلاح النظام القضائي والتباطؤ في الاقتصاد العالمي. وتم تخفيض توقعات النمو الاقتصادي في إسرائيل لعام 2023 هذا الشهر إلى حوالي 2.7٪ من 3٪ المتوقعة في يناير.

خفض ميزانية الاستثمار في التكنولوجيا العالية

وبينما تمت زيادة الأموال المخصصة للقضايا التي تعود بالفائدة على اليهود الحريديم، تم تخفيض ميزانيات الكيانات الحكومية الأخرى التي تشجع النمو الاقتصادي. إحدى الهيئات الحكومية المتأثرة هي هيئة الابتكار الإسرائيلية، وهي وكالة حكومية مسؤولة عن بيئة التكنولوجية المحلية المزدهرة، والتي ستشهد تخفيض ميزانيتها البالغة 1.5 مليار شيكل إلى 1.4 مليار شيكل.

قطاع التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، حيث يولد حوالي 18٪ من الناتج المحلي الإجمالي وهو مسؤول عن أكثر من 50٪ من الصادرات وحوالي 30٪ من ضرائب الرواتب. كما يوظف القطالع حوالي 11٪ من القوى العاملة في البلاد.

وصرحت هيئة الابتكار الإسرائيلية أنه “على الرغم من الجهود التي بذلت خلال الأسابيع الماضية، فإن ميزانية عام 2024 التي تتضمن تخفيضات في عدة قطاعات ستتضمن تخفيضًا كبيرًا بقيمة 100 مليون شيكل في ميزانية استثمارات التكنولوجيا العالية”.

وتوفر الهيئة غالبية المنح الحكومية للشركات الناشئة المحلية في المراحل المبكرة للمساعدة في تنمية قطاع التكنولوجيا في البلاد.

وأضاف البيان، “نظرا لخفض الميزانية المخطط له، سيتعين على هيئة الابتكار وضع أولويات لبرامجها وتقليص استثماراتها في الشركات الناشئة، والشركات النامية وفي دعم الابتكارات المستقبلية ذات الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل مثل تكنولوجيات المناخ والذكاء الاصطناعي”.

وذلك في الوقت الذي تكافح فيه شركات التكنولوجيا الإسرائيلية لجمع أموال جديدة في الأشهر الأخيرة وسط الانكماش التكنولوجي العالمي. وفي الأشهر الثلاثة الأولى من العام، جمعت الشركات الناشئة الإسرائيلية 1.7 مليار دولار من الأموال، بانخفاض 70٪ عن 5.8 مليار دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2022، وفقًا لبيانات مركز أبحاث IVC وLeumiTech. وشهد هذا الربع أدنى رقم منذ أربع سنوات.

وقال أتر: “معجزتنا هي قطاع التكنولوجيا الفائقة، لكن لا يمكننا الاعتماد على ذلك وحده. من المستحيل ببساطة الحفاظ على اقتصاد تقدمي وليبرالي، إذا كان لديك جزء كبير من من السكان [الرجال الحريديم] الذين لا ينضمون إلى القوى العاملة وأولئك الذين يعملون يكسبون أجورًا منخفضة بسبب مهاراتهم”.

في ظل غياب الموارد الطبيعية، وبصرف النظر عن اكتشافات الغاز الطبيعي الأخيرة، كان تطوير الموارد البشرية والمعرفية المحركين الرئيسيين للنمو في اقتصاد ومجتمع إسرائيل المزدهر.

قرار الحكومة بتخصيص الأموال للمؤسسات التعليمية الحريدية، التي لا توفر التعليم الأساسي في مجال الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية اللازمة للعمل في اقتصاد يحركه التكنولوجيا، يهدد قاعدة وتنمية الموارد البشرية في إسرائيل.

نظرا لانخفاض نسبة دافعي الضرائب العاملين، الذين يخدمون أيضا في الجيش، وعدم دخول السكان الحريديم الذين يتزايد عددهم بسرعة إلى القوى العاملة، مما يرفع عدد المعتمدين على الرعاية الاجتماعية بشكل غير متناسب، لن يتمكن الرجل النحيف من تحمل الوزن الثقيل للرجل السمين.

اقرأ المزيد عن