الصراع على منصب رئاسة السلطة الفلسطينية يطفو على السطح من جديد
بحث
تحليل

الصراع على منصب رئاسة السلطة الفلسطينية يطفو على السطح من جديد

في صفوف الفلسطينيين تزداد الانتقادات لرئيس السلطة الفلسطينية التي تتهمه بالتعاون مع إسرائيل: مطاردة الأسرى الذين فروا من سجن جلبوع وصلت إلى نهايتها، لكن مسألة خلافة عباس عادت إلى السطح مع ازدياد التوتر بين السلطة والشارع الفلسطيني

محمود عباس (Yonatan Sindel/Flash90)
محمود عباس (Yonatan Sindel/Flash90)

مطاردة الأسرى الفلسطينيين الهاربين من سجن جلبوع شديد الحراسة في إسرائيل وصلت إلى نهايتها في مستهل الأسبوع الماضي، حيث تم اعادة اعتقال آخر أسيرين هاربين، أيهم كممجي ومناضل انفيعات، في مدينة جنين في حملة واسعة النطاق شنتها الأجهزة الإسرائيلية على مختلف أذرعها الأمنية.

قضية هروب الأسرى لا تقتصر على البعد التكتيكي، بل تشمل أبعادا مختلفة يجب الإنتباه اليها، لا سيما على المشهد الفلسطيني الداخلي. ما شهدناه خلال عملية مطاردة الأسرى الفارين، وما تبعها من انتقادات واتهامات وجهها المواطنون الفلسطينيون لقيادة السلطة الفلسطينية، أثار من جديد مسألة شرعية الرئيس محمود عباس، علما بأنه على وشك دخول سنته السابعة عشر في منصب رئيس السلطة الفلسطينية الذي تولاه عام 2005 عندما فاز بالانتخابات الرئاسية لفترة زمنية مدتها 4 سنوات.

العديد من الحملات التي شنت ضد السلطة الفلسطينية اطلقت من خلال شبكات التواصل الإجتماعي، وتضمنت اتهامات بأن السلطة تواصل التنسيق الأمني مع اسرائيل و”المتاجرة بالقضية الفلسطينية”. والتعقيبات المتداولة استهدفت الرئيس عباس شخصيا مطالبة إياه بالإستقالة.

لا شك أن الغضب والشعور بالإحباط تصاعد بفعل خيبة الأمل التي خيمت على الجمهور الفلسطيني في اعقاب القاء القبض على الأسرى الستة الفارين. ورغم عدم توفر الأدلة حول ضلوع السلطة الفلسطينية في اعتقال الأسرى، إلا أن العديد من الفلسطينيين اتهموا السلطة بأنها تعاونت مع إسرائيل وحرمت الأسرى من انتزاع حريتهم.

زكريا زبيدي بعد إلقاء القبض عليه في 11 سبتمبر، 2021. (Israel Police)

يشار إلى أن السلطة الفلسطينية كانت في السابق قد ساعدت إسرائيل وزودتها بمعلومات ساهمت في فك لغز عمليات قام بها فلسطينيون ضد إسرائيليين. فالتنسيق الأمني مع اسرائيل يعد ركنا من أركان سياسة الرئيس عباس الذي كان قد صرح بأنه يعتبره أمرا مقدسا.

وكان الرئيس عباس قد التقى مؤخرا وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس وبحث معه تعزيز التفاهمات في هذا المجال، بالإضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بالعلاقات الثنائية بين السلطة وإسرائيل. من الواضح أن هذا التعاون يصب في مصلحة الجانبين. عباس يستخدم التنسيق الأمني لمحاربة خصومه السياسيين، لا سيما نشطاء حماس في الضفة الغربية، بينما تنعم اسرائيل بإستقرار نسبي بفضل التعاون الميداني مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

صحيح أن الفصائل الفلسطينية المنافسة لحركة “فتح” استغلت عملية مطاردة الأسرى لمهاجمة الحركة، وعلى رأسها الرئيس عباس، ولكن لا يمكن تجاهل حجم الإستياء الذي ينتشر في أوساط فئات مختلفة من المجتمع الفلسطيني، وهذا ما أكده آخر استطلاع للرأي العام أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية بإدارة الدكتور خليل الشقاقي، حيث تبين أن ما يقارب 80% من الفلسطينيين يطالبون الرئيس عباس بالإستقالة.

من نتائج الانتقادات المتزايدة لدى الرأي العام الفلسطيني – تصاعد الصراع على خلافة الرئيس عباس. المستجدات الأخيرة تمنح منافسي عباس من داخل حركة فتح الفرصة لإبراز أنفسهم أمام الجمهور.

تضم قائمة المرشحين اثنين من المقربين جدا للرئيس عباس، وهما اللواء ماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة، والوزير حسين الشيخ، رئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية. لقد تمكن الرجلان من تعزيز مكانتهما داخليا وخارجيا، وأصبحا يمتلكان الكثير من الصلاحيات في إدارة الشأن الفلسطيني، سواء في مجال الأمن أو العلاقات الخارجية. بالمقابل هناك مرشحين من المعسكر السياسي الآخر داخل فتح لهم تجارب طويلة في العمل العسكري والأمني مثل اللواء جبريل الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية لحركة “فتح”، ومحمود العالول، نائب رئيس حركة “فتح”.

من المرجح أن تعطي حادثة الأسرى الهاربين أفضلية لمرشحي التيار الثاني إلى حد ما، ولكن المكانة التي يتمتع بها مرشحو المعسكر الأول لا تقل أهمية. وفي كل الأحوال، الحديث عن من سيخلف الرئيس عباس يدور بعيدا عن الإعلام، ولكن هذا لا يعني أن الخلافات والتجاذبات غير قائمة.

لقد تراجعت شعبية الرئيس عباس بسبب عدة أحداث منها قراره تأجيل الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية بدعوى أن أسرائيل لا تسمح بإجرائها في منطقة القدس الشرقية. كما زادت حدة الإنتقادات للرئيس عباس في اعقاب مقتل الناشط السياسي نزار بنات بعد اعتقاله من قبل الأمن الوقائي الفلسطيني في مدينة الخليل. وحتى هذه اللحظة لم تتم محاكمة المسؤولين عن مقتل بنات. الإجراءات القمعية التي اتخذتها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية ضد المتظاهرين خلال الإحتجاجات التي نظمت تنديدا بمقتل بنات أدت الى المزيد من التصعيد والإنتقادات ضد الرئيس عباس والسلطة.

مظاهرات في رام الله احتجاجا على مقتل الناشط نزار بنات، 24 يونيو، 2021. (AP Photo/Nasser Nasser)

التوتر القائم بين الشارع الفلسطيني والقيادة يتسع بإستمرار، ما جعل الرئيس عباس يؤكد على موقفه الداعم للأسرى. إلا أن حركة “حماس” هي من تدير اليوم قضية الأسرى وتضعها في مقدمة اهتماماتها. وهذا ما يدركه جيدا الجمهور الفلسطيني.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال