السياسة الإسرائيلية انتقلت الآن من الهزلية إلى السريالية؛ والجنون يلوح في الأفق
بحث
مقال رأي: إنتخابات 2021

السياسة الإسرائيلية انتقلت الآن من الهزلية إلى السريالية؛ والجنون يلوح في الأفق

نظامنا الانتخابي معطل، لكن ديمقراطيتنا لا تزال ثابتة، في الوقت الراهن على الأقل

دافيد هوروفيتس

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

علم إسرائيلي كبير تم رفعه خلال مظاهرة ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في القدس،  20 مارس، 2021. (AP Photo/Sebastian Scheiner)
علم إسرائيلي كبير تم رفعه خلال مظاهرة ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في القدس، 20 مارس، 2021. (AP Photo/Sebastian Scheiner)

بعد 46 ساعة من إغلاق مراكز الاقتراع، أُعلنت نتائج الانتخابات الإسرائيلية أخيرا ليلة الخميس، والتي نتج عنها استمرار الدوامة السياسية.

انخفضت نسبة إقبال الناخبين كثيرا – من 71.5% قبل عام إلى 67.2%. كان توزيع المقاعد مختلفا بشكل كبير عن توقعات كل استطلاعات الرأي التي سبقت للانتخابات وكذلك عن نتائج العينات الانتخابية التي نُشرت في الساعة العاشرة من مساء الثلاثاء. لكن الصورة الكبيرة مألوفة للغاية: لقد استحضر الناخبون الإسرائيليون نتيجة أخرى غير حاسمة.

يضم المعسكر الموالي لنتنياهو 52 مقعدا من أصل 120 في الكنيست. يحتوي المعسكر المناهض لنتنياهو على 57 مقعدا. يمتلك حزب “يمينا”، برئاسة نفتالي بينيت، الذي قد يميل أكثر إلى نتنياهو، سبعة مقاعد. والمؤثر الأكبر في الانتخابات، حزب “القائمة العربية الموحدة” الإسلامي المحافظ – والذي لم تتوقع أي عينة انتخابية فائقة الدقة في القنوات التلفزيونية الثلاث دخوله الكنيست – لديه 4 مقاعد.

هذا يعني أنه لا يوجد لأي من الكتلتين، تلك المؤيدة لنتنياهو أو المناهضة له، طريقا واضحا لتحقيق الأغلبية، ولا يمكن إلا لاندماج أيديولوجي غير منطقي من نوع ما بين أطراف سياسية غريبة أن يجنبنا جولة خامسة من الانتخابات بعد أشهر فقط من الآن.

تحالف سريالي يضم حزبا عربيا وحزبا معاديا للعرب، كلاهما معاد للمثلية الجنسية؟

فكرة مثل هذا التحالف السريالي قد طُرحت بالفعل وتم استبعادها، لكنها قد تُطرح مرة أخرى:

زعيم حزب القائمة الموحدة منصور عباس وأعضاء الحزب في مقر الحزب في طمرة ليلة الانتخابات 23 مارس، 2021. (Flash90)

كرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مرارا في الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية أنه لن يضم القائمة الموحدة أبدا إلى ائتلاف يتزعمه، ولن يعتمد حتى على دعم الحزب من الخارج للحصول على أغلبية. وصرح لأخبار القناة 12 الأسبوع الماضي بأن هذا الخيار “غير وارد”، واصفا زعيم القائمة الموحدة، منصور عباس، بأنه مناهض للصهيونية. ومع ذلك، ومع فرز الأصوات، وبعد أن اتضح أن دعم القائمة الموحدة يمكن أن يرفع الائتلاف الذي يقوده الليكود إلى الحد الأدنى السحري من المقاعد الـ 61 اللازمة لتشكيل حكومة، بدأ العديد من زملاء نتنياهو في حزب الليكود، بمن فيهم وزير بارز، في التفكير علنا في احتمال ألا تكون القائمة الموحدة، التي كانت حتى الآن عدوا للدولة، خارج حدود المقبول بعد كل شيء.

وبالتالي، طُلب من الناخبين الإسرائيليين، يوم الأربعاء، التفكير في الإمكانية المذهلة بأن يسعى نتنياهو – الزعيم الذي بنى حملته الانتخابية على التعهد بتشكيل حكومة “يمين كاملة”، والذي هاجم منافسه بيني غانتس العام الماضي لأنه كان يفكر في تشكيل ائتلاف بالاعتماد على أعضاء الكنيست العرب – للحكم بدعم برلماني من العرب ومن معادين شرسين للعرب: سيكون له القائمة الموحدة في جانب واحد، ومن الجانب الآخر، حزب “الصهيونية المتدينة” اليميني المتطرف، المكتمل بكتلة “عوتسما يهوديت” العنصرية التي تسعى لطرد العرب “غير الموالين”. هناك قاسم مشترك بين هذين الشريكين غير المحتملين: موقفهما المناهض لمجتمع الميم. لذلك نحن ننظر أيضا إلى ائتلاف يضم حزبين معاديين للمثليين ووزير كبير مثلي الجنس – أمير أوحانا الموالي لنتنياهو.

رئيس حزب “الصهيونية المتدينة” اليميني المتطرف، عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش، وعضو الحزب إيتمار بن غفير مع مؤيدين وأعضاء الحزب في مقر الحزب في موديعين، ليلة الانتخابات، 23 مارس، 2021. (Sraya Diamant / Flash90)

حتى كتابة هذه السطور، لم يقرر نتنياهو أو لم يستبعد اعتمادا محتملا على القائمة المشتركة، على الرغم من رفضه للفكرة قبل الانتخابات. لكن قائد حزب “الصهيونية المتدينة”، بتسلئيل سموتريتش، وزميله من كتلة “عوتسما يهوديت” إيتمار بن غفير، تدخلا بشكل قاطع صباح الخميس. “ليس في مناوبتي”، قال سموتريتش.

وهكذا يبدو أن هذا الطريق إلى إعادة انتخاب نتنياهو قد أُغلق. ما لم أو حتى يتم إحيائه مرة أخرى.

الشراكة مع رئيس وزراء سبق وتخلى عن شريكه السابق غير المحتمل؟

في خطاب عدم الانتصار الذي ألقاه فجر الأربعاء، لم يتوجه رئيس الوزراء إلى القائمة الموحدة. بدلا من ذلك، ناشد الحلفاء السابقين الموجودين الآن في المعسكر المناهض لنتنياهو بالانضمام إليه مجددا، وتجنيب إسرائيل انتخابات خامسة.

يشكل هذا مناورة أخرى غير محتملة، حيث وصلت إسرائيل إلى هذه الانتخابات الرابعة لأن نتنياهو رفض تمرير ميزانية الدولة، وتم حل الكنيست تلقائيا، على وجه التحديد حتى يتمكن من الهروب من التزامه الموقع رسميا بتسليم رئاسة الوزراء إلى غانتس في نوفمبر القادم. وبالتالي، فهو يناشد الآن غانتس وأي شخص آخر في المعسكر الصهيوني المناهض لنتنياهو أن يفعل بالضبط ما أقنع غانتس بفعله قبل أقل من عام.

لوحة إعلانية لحملة انتخابية لحزب المعارضة الإسرائيلي “أزرق أبيض” بقيادة بيني غانتس (يمين) تحمل صورته وصورة ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رئيس حزب الليكود ، معلقة في مدينة بني براك، في 14 مارس، 2021. كُتب عليها بالعبرية “بيني للكنيست أو بيبي إلى الأبد”.

هل سينقذ غانتس نتنياهو مرة أخرى؟ بعد أن تحدى حفاري القبور السياسية وفاز بثمانية مقاعد، يتعهد زعيم حزب “أزرق أبيض”، كما فعل دائما، بـ”وضع إسرائيل في المقام الأول”. على عكس العام الماضي، يصر الآن على أن هذا الالتزام يتطلب الإطاحة بنتنياهو بدلا من إنقاذه، الذي يقول إنه خلص إلى أنه شخص متلاعب وكاذب.

هل سيساعد بينيت، رئيس حزب “يمينا”، نتنياهو على البقاء في منصبه في الوقت الذي فعل رئيس الوزراء كل ما في صلاحياته الانتخابية الكبيرة لكسب ناخبي بينيت في المرحلة الأخيرة من السباق؟ صرح بينيت أيضا علنا أنه لا يمكن الوثوق بنتنياهو. وهو أيضا، إذا قرر الانضمام، سيجلس في حكومة مع بن غفير، الذي رفض التحالف معه في الماضي، والذي حتى نتنياهو قال عنه، في الأسبوع الماضي فقط، إن لا مكان له في حكومته.

هل سينجح نتنياهو في اجتذاب أعضاء كنيست من صفوف حزب “الأمل الجديد”، الذي يتزعمه الوزير السابق من حزب الليكود غدعون ساعر، الذي كان أداؤه في الانتخابات أقل بكثير من التوقعات السابقة بعد أن فاز بستة مقاعد فقط؟ ساعر وزملاؤه في الحزب، الذين يقولون إن مبعوثي نتنياهو بدأوا بالاتصال بهم بالفعل، يصرون على أن هذا لن يحدث.

أي منشق محتمل، من حزب ساعر أو من أي حزب آخر، لن يتخلى فقط عن المعسكر المناهض لنتنياهو، ولكن سينضم أيضا إلى حزب “الصهيونية المتدينة”، وهو تحالف راديكالي معاد بشدة لليهودية غير الأرثوذكسية، والذي يرغب زعيمه برؤية إسرائيل تعمل وفقا لقوانين التوراة، والذي لا يشمل فقط تلميذ مئير كهانا، بن غفير، وإنما أيضا ممثل حركة “نوعم” المعادية بشراسة لمجتمع الميم.

كل هذا لتمكين استمرار حكم رئيس وزراء يدركون أنه لا يمكنهم الوثوق به في احترام الاتفاقات السياسية؛ والذي يُحاكم أيضا في تهم فساد؛ وفشل في تحقيق فوز حاسم في الانتخابات حتى بعد أن قاد حملة تطعيم متفوقة على صعيد العالم ضد كوفيد-19؛ والذي قد تبدو قدرته على الحفاظ على مثل هذا الإئتلاف غير المحتمل ضئيلة للغاية – مما يعني أنه قد يتعين عليهم مواجهة جمهور ناخبين غاضب بشكل متزايد مرة أخرى في وقت قريب جدا.

زعيم حزب يش عتيد، يائير لابيد، يتحدث في مقر الحزب في تل أبيب، ليلة الانتخابات، 23 مارس، 2021. (Gili Yaari/Flash90)

في المعسكر المناهض لنتنياهو، تُبذل الجهود على قدم وساق لإنشاء ائتلافات مختلفة للغاية – بقيادة لابيد أو من قبل لابيد بالتناوب مع ساعر أو بينيت. ستتطلب جميع التبديلات المختلفة تراجع الأيديولوجيات المتناقضة عن الالتزامات الرسمية.  كل الاحتمالات غير واضحة، ولا يقدم أي منها احتمالية واضحة للاستقرار السياسي.

لكن البديل يظل اللجوء، الذي لا يمكن تصوره، إلى انتخابات جديدة. ما هي تلك الجملة المبتذلة بشأن تعريف الجنون؟

لا توجد أغلبية للإصلاح الجذري في القضاء

بشكل كئيب، تعاني إسرائيل من أزمة سياسية منذ ديسمبر 2018، عندما تم حل الكنيست قبل انتخابات أبريل 2019. لكن سياستها لم تشل. شهدت هذه الانتخابات الأخيرة غير الحاسمة انفصال ساعر عن الليكود، وتحدي بينيت لنتنياهو بشكل مباشر – منافسان من الجانب اليميني للطيف السياسي جعلا انتخابات يوم الثلاثاء الأقرب حتى الآن من استفتاء خالص على رئيس الوزراء، مع تنافس بين قوى اليسار واليمين والوسط على الإطاحة به.

نتنياهو لم ينته بعد، لكنه لم ينتصر أيضا، على الرغم من نجاح حملة التطعيم، التي مكنت جمهور الناخبين من التدفق على محلات السوبر ماركت والشواطئ والمطاعم في يوم الانتخابات.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يمين) يتحدث مع محاميه أمير حداد قبل جلسة استماع في محكمة القدس المركزية، 8 فبراير 2021 (AP Photo / Reuven Castro، Pool)

علاوة على ذلك، تفاقمت مشاكل نتنياهو القانونية مع استمرار حالة الجمود السياسي عقب الانتخابات. تبدأ مرحلة عرض الأدلة في محاكمته بالفساد في 5 أبريل، أي قبل يوم واحد من مراسم أداء اليمين القانونية في برلمان إسرائيلي جديد ومنقسم.

على الرغم من أن نتنياهو يصر على أنه لا ينوي محاولة التهرب من محاكمته، فقد تعهد أعضاء من حزب الليكود وحزب “الصهيونية المتدينة” خلال الحملة الانتخابية ببدء الدفع بتشريع يهدف إلى تعليق محاكمته ما دام رئيسا للوزراء.

بغض النظر عن مسار المفاوضات الائتلافية في الأسابيع المقبلة، يبدو من الواضح أنه لا توجد أغلبية في الكنيست الجديد لتشريعات من هذا النوع، أو لكبح أوسع للسلطة القضائية، المصممة خصيصا لمصالح نتنياهو، وإعادة تشكيل جذري للفصل بين السلطات في إسرائيل.

نتنياهو، الذي يزعم أن التهم الموجهة إليه ملفقة، انتقد بلا هوادة الشرطة والنيابة العامة، وحاول تشويه سمعة سلطات تطبيق القانون. المظاهرات ضد رئيس الوزراء، التي تطالب باستقالته، تدهورت كثيرا إلى مواجهات، حيث شهدت اشتباكات مع الشرطة والعديد من الهجمات من قبل المتظاهرين المؤيدين لنتنياهو على المحتجين. وشابت الحملة الانتخابية اضطرابات، بما في ذلك من قبل نشطاء الليكود الذين استهدفوا ساعر. على وسائل التواصل الاجتماعي، ينشر نجل رئيس الوزراء مواد تحريضية لا نهاية لها.

تعرف إسرائيل جيدا مخاطر العنف السياسي. حتى الآن، تم تجنب أسوأ التجاوزات.

أربع جولات انتخابية غير حاسمة خلال أقل من عامين، ومن دون ميزانية دولة ومع برلمان مشلول، كل هذه الأمور تشير إلى أن النظام الانتخابي معطل. في الوقت الراهن على الأقل لا تزال ركائز الديمقراطية راسخة.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال