الحكومة تعتزم تجنيد الشاباك لمحاربة تفشي الجريمة في الوسط العربي
بحث

الحكومة تعتزم تجنيد الشاباك لمحاربة تفشي الجريمة في الوسط العربي

بينما تجتاج جرائم القتل المدن والبلدات العربية، تأمل الحكومة في إقحام الوكالة السرية في المعركة. والبعض يعبر عن قلقه من تأثير الخطوة على الحريات المدنية

مواطنون إسرائيليون عرب  يحتجون على تصاعد العنف والجريمة المنظمة واعمال القتل في بلداتهم، في بلدة مجد الكروم العربية في شمال اسرائيل، 3 أكتوبر ، 2019. (David Cohen / Flash90)
مواطنون إسرائيليون عرب يحتجون على تصاعد العنف والجريمة المنظمة واعمال القتل في بلداتهم، في بلدة مجد الكروم العربية في شمال اسرائيل، 3 أكتوبر ، 2019. (David Cohen / Flash90)

أثار قرار الحكومة تجنيد جهاز الأمن العام (الشاباك) في المعركة ضد الجريمة المنظمة المتزايدة في الوسط العرب الانقسام بين مواطني إسرائيل العرب، حيث يعارض بعضهم بشدة الخطوة في حين يستميت آخرون لحلول لمكافحة العنف المتصاعد.

يوم الأحد، قررت الحكومة إقحام الشاباك والجيش الإسرائيلي في المعركة لمحاربة الأسلحة غير القانونية في الوسط العربي. تُعتبر الأسلحة المتاحة بسهولة محركا رئيسيا في موجة جرائم العنف التي خلفت 96 قتيلا من مواطني إسرائيل العرب منذ بداية عام 2021.

في أوائل شهر سبتمبر، قال وزير الأمن الداخلي عومر بارليف أنه أجرى مشاورات مع وزير العدل جدعون ساعر والمستشار القانوني للحكومة أفيحاي ماندلبليت في محاولة لإيجاد الأساس القانوني الذي يسمح للشاباك في الانضمام إلى المعركة ضد المنظمات الإجرامية العربية.

تشتهر وكالة المخابرات بالعمل ضد الأنشطة الفلسطينية ما وراء الخط الأخضر. وأساليبها اجتياحية لا هوادة فيها وفعالة على ما يبدو في منع الهجمات الفلسطينية ضد المدنيين الإسرائيليين.

بإمكان الشاباك منع المشتبه بهم من مقابلة محاميهم؛ احتجازهم لسنوات دون توجيه تهم إليهم؛ واستخدام الأدوات التكنولوجية التي تسمح له بتقديم معلومات استخبارية دقيقة مع القليل من الرقابة من قبل المحاكم المدنية.

تعتبر إسرائيل مثل هذه الإجراءات أمرا لا بد منه في منع الهجمات الفلسطينية. ومع ذلك، فإن تنفيذها ضد مواطنين إسرائيليين متورطين في نشاط إجرامي سيكون مسألة أخرى تماما.

في وقت سابق من العام، قال رئيس الشاباك المتقاعد عامي أيالون في مكالمة هاتفية: “في التسعينات، عندما كانت منظمات الجريمة المنظمة اليهودية تتطور، طُلب منا أيضا التدخل، وقلنا ’لا يمكننا القيام بذلك، سيؤدي ذلك إلى دولة بوليسية’”.

في الوقت الحالي، خطة الحكومة لإقحام الشاباك محدودة، ولقد صرح بارليف أن الشاباك سيكون خاضعا للإشراف عن كثب بما ينص عليه القانون. ينظم قانون من عام 2002 – والذي يُعرف باسم “قانون الشاباك” – أنشطة الشاباك ويضع المنظمة تحت إشراف الكنيست.

وزير الأمن العام عومر بارليف يحضر مراسم في المقر الوطني لشرطة إسرائيل في القدس، 5 سبتمبر، 2021 (Olivier Fitoussi / Flash90)

في بداية شهر سبتمبر، قال بارليف في مؤتمر للمحامين الإسرائيليين: “ينبغي علينا أن نجد الخط الدقيق الذي يمكّن الشاباك من مساعدة الشرطة، وحيث لا يمكن للشاباك التدخل”.

وتابع قائلا: “إننا نتحدث عن حلول محددة وحساسة للغاية، بتوجيه من المستشار القانوني للحكومة. ولكن هذه عصابات إجرامية متطورة ولها شبكات دولية… هذا تهديد على مستوى مختلف تماما، ضد السيادة الإسرائيلية والأمن القومي”.

“أينما يوجد عرب هناك شاباك”

في السنوات الأخيرة، شهد الوسط العربي ارتفاعا حادا في العنف: حرب عصابات في وضح النار، إطلاق النار على منازل رؤساء السلطات المحلية، والآلاف من الأسلحة غير القانونية التي يسهل الوصول إليها.

يقول كل من المسؤولين الحكوميين وخبراء المجتمع المدني إن العنف هو نتيجة عقود من إهمال الدولة. يعيش أكثر من نصف العرب في إسرائيل تحت خط الفقر. غالبا ما تعاني بلداتهم ومدنهم من بنية تحتية متداعية، وخدمات عامة سيئة، وفرص عمل قليلة – مما يدفع الشباب إلى التعاون مع الجريمة المنظمة مقابل ربح سريع.

عندما عملت الجريمة المنظمة في المدن اليهودية الإسرائيلية قبيل مطلع القرن الـ 21، أجرت وكالات تطبيق القانون تحقيقات مضنية ومعقدة لإنهاء العنف.

يقول رئيس بلدية أم الفحم، سمير محاميد، الذي يعارض الخطوة: “عندما كانت عصابات الجريمة اليهودية نشطة في المدن اليهودية، لم تلجأ الدولة إلى جهاز المخابرات أو الشاباك”.

وقال رئيس مجلس عارة عرعرة المحلي ورئيس اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية، مضر يونس: “موقفنا كان واضحا دائما: نحن مواطنون في الدولة. على هذا النحو، فإن الشرطة هي عنوان مخاوفنا بشأن الأمن الشخصي”.

لكن مواطنو إسرائيل العرب يتهمون الشرطة أيضا بالفشل في تطبيق القانون في بلداتهم لسنوات. الغالبية العظمى من جرائم القتل في البلدات العربية لا تزال دون حل، على الرغم من أن هوية القتلى وعائلات الجريمة معروفة جيدا للسكان وللسلطات، كما يقول المواطنون العرب.

مع عدم قدرة الشرطة على وقف العنف أو عدم رغبتها في ذلك، يقول المؤيدون للخطوة إن وكالة الأمن يمكن أن تساعد في قمع الجريمة المنظمة وحبس القتلة – باستخدام شبكة استخبارات شُحذت من محاربة المنظمات الفلسطينية.

يقول القائد الكبير السابق في الشاباك، أريك باربينغ: “لا ينبغي أن يحل الشاباك محل الشرطة. هذه ليست وظيفة الشاباك، ولكن يمكنه مساعدة الشرطة بقدرات استخباراتية وبنية تحتية استخبارية لا يمتلكها سوى الشاباك. يمكن القيام بعمل استخباراتي لمساعدة الشرطة، مع وجود الشرطة في المقدمة والشاباك في الخلف”.

وأضاف باربينغ إن الشاباك يراقب عن كثب بالفعل المدن والبلدات العربية الإسرائيلية لتعقب الجماعات المتطرفة ومنع الإرهاب القومي.

لطالما شجب مواطنو إسرائيل العرب الوجود الأمني الواسع النطاق في حياتهم اليومية. لعقود من الزمن، تم تكليف مسؤولي الشاباك في وزارة التربية والتعليم على وجه التحديد بالمصادقة على المعلمين والمدراء العرب لضمان عدم تدريس “التحريض” في المدارس العربية الإسرائيلية. تم إيقاف هذه الممارسة رسميا في عام 2005 بعد معركة قضائية.

يقول أمجد شبيطة، مدير جمعية “سيكوي” لدعم المساواة المدنية: “يرى اليهود الإسرائيليون في دخول الشاباك وكأنه نهاية العالم. لكننا نعتبر وجود الدولة البوليسية [بالنسبة للمواطنين العرب] حقيقة قائمة. الشاباك حاضر بالفعل في بلداتنا، ونحن بالتأكيد لا نعاني من نقصه”.

رئيس الوزراء نفتالي بينيت، ووزير الأمن الداخلي عومر بارليف، والمفوض العام للشرطة كوبي شبتاي خلال مراسم افتتاح مركز شرطة جديد في مدينة كريات آتا شمال إسرائيل، 11 أغسطس، 2021. (Roni Ofer / Flash90)

كان رؤساء السلطات المحلية العربية أول من طالب بزيادة إقحام الشاباك في شهر فبراير، بحسب مسؤول عربي شارك في اجتماعات مائدة مستديرة حول وضع سياسة لمعالجة ظاهرة العنف مع الحكومة.

في ذلك الوقت قال رئيس بلدية رهط، فايز أبو صهيبان، لتايمز أوف إسرائيل: “دعوا الشاباك يدخل، دعوا الشيطان نفسه يدخل. سأقبل بأي وسيلة لمكافحة العنف والجريمة المنظمة في المجتمع العربي”.

ويقول بادي حسيسي، رئيس قسم الجريمة في الجامعة العبرية، إن بعض المواطنين العرب في إسرائيل يدعمون الخطوة “كنوع من صرخة اليأس”

وأضاف حسيسي، الذي يدرس العلاقة بين مواطني إسرائيل العرب والشرطة، إن “الناس في أمس الحاجة إلى استجابة سريعة تأتي بنتائج فورية من قبل قوات تطبيق القانون. والجهاز المدني لا يمكنه التحرك بهذه الطريقة – سيستغرق الأمر وقتا، وأنت بحاجة إلى أدلة، وما إلى ذلك”.

حتى أن بعض النشطاء العرب المخضرمين المناهضين للعنف أعربوا عن دعمهم الحذر لإقحام الشاباك.

وقال الشيخ كمال ريان، الذي أسس منظمة “أمان” غير الربحية لمحاربة العنف بعد مقتل نجله على أيدي مسلحين مجهولين في عام 2009: “أنا لا أعارض انضمام أي وكالة إلى المعركة، ولكن بشرط أن تركز على هذه المسألة فقط. نحن لا نريد أن نرى الشاباك والدولة يفرضان مرة أخرى نظام حكم عسكري في المجتمع العربي”.

ولدى سؤاله عما إذا كان قلقا بشأن احتمال وقوع انتهاكات جسيمة للحريات المدنية، أجاب ريان: “هل هناك ما هو أخطر من إزهاق روح؟”

أشارت تقارير إلى أن رئيس الشاباك الحالي نداف أرغمان يعارض زيادة دور الشاباك. تخشى المنظمة السرية من إمكانية الكشف عن أساليبها ومصادرها في القضايا الجنائية، التي تخضع لمزيد من التدقيق مقارنة بمحاكم الأمن القومي.

لكن مسؤولا حكوميا قال إن خليفة أرغمان الذي رشحه بينيت للمنصب – ومن المرجح أن تتم المصادقة على تعيينه في الأشهر المقبلة – يبدي نظرة أكثر ايجابية للخطوة.

علاوة على ذلك، من غير الواضح ما إذا كانت قدرات الشاباك الاستخباراتية يمكنها أن تساعد الشرطة في مقاضاة رؤساء المنظمات الإجرامية.

يقول إيلي باخر، المستشار العام السابق للشاباك إن “الكثير من هذه الأدوات التي يستخدمها الشاباك تُستخدم لأغراض جمع معلومات استخبارية. لكن مشكلة الشرطة الرئيسية تكمن في أنها بحاجة إلى أدلة تستخدمها في المحكمة – هم يدركون من هي عائلات الجريمة، وما إلى ذلك، لكنهم بحاجة إلى أدلة”.

مواطنون إسرائيليون عرب يحتجون على تصاعد العنف والجريمة المنظمة واعمال القتل في بلداتهم، في بلدة مجد الكروم العربية في شمال اسرائيل، 3 أكتوبر ، 2019. (David Cohen/Flash90)

تعهدت حكومة بينيت باتباع نهج متعدد الجوانب لإنهاء حالة الطوارئ في المجتمعات العربية. في أغسطس، وقّعت الحكومة على اقتراح لتطوير حزمة مالية تزيد قيمتها عن 650 مليون دولار لمكافحة العنف. من المقرر تخصيص أكثر من 310 ملايين دولار لتمويل عدد كبير من البرامج التعليمية والاقتصادية في المجتمعات العربية.

لكن مثل هذه الحلول طويلة المدى من المرجح أن تستغرق سنوات حتى تؤتي ثمارها. يقول نائب مفوض الشرطة السابق شاحار أيالون إن خطة تجنيد الشاباك هو نتيجة استماته صانعي السياسة لحلول سريعة على المدى القصير.

مضيفا أن “معظم الأشخاص لا يعرفون كيفية حل المشكلة – إنها مشكلة معقدة. لذلك يظنون، ها هو الجوكر الخاص بنا، سنلعبه وننقذ الموقف، لكن الأمر ليس كذلك”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال