الحالة المحيرة لاعتراف كولومبيا بدولة فلسطين
بحث
تحليل

الحالة المحيرة لاعتراف كولومبيا بدولة فلسطين

يوما بعد الغاء نتنياهو رحلته الى بوغوتا، اعترف الرئيس المنتهية ولايته سانتوس سرا بفلسطين

الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال حفل الترحيب الرسمي في مدينة رام الله بالضفة الغربية في 4 يونيو 2013 (Issam Rimawi/Flash90)
الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال حفل الترحيب الرسمي في مدينة رام الله بالضفة الغربية في 4 يونيو 2013 (Issam Rimawi/Flash90)

قصة اعتراف كولومبيا المفاجئ بدولة فلسطين رسميا من اكثر الحالات إثارة للإهتمام في الدبلوماسية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. وقد تكون لم تنته بعد.

خطوة لم يتوقعها أحد. على عكس ذلك، كانت الدولة الجنوب أمريكية – من أقرب حلفاء اسرائيل في القارة – بين الدول القادمة التي يتوقع أن تنقل سفارتها من تل ابيب الى القدس. وقد تعهد الرئيس الكولومبي الجديد، ايفان دوكي، بتحسين العلاقات المقربة أصلا بين بوغوتا وإسرائيل.

ماذا تغير؟ إليكم مراجعة زمنية قصيرة:

  • في 16 مايو، أعلن المرشح دوكي في حدث انتخابي أنه في حال انتخابه، سوف يفكر “بإمكانية وضع مقعد دبلوماسي في القدس”. بعد بضعة ايام، تراجع بعض الشيء عن تصريحه، قائلا أنه يدعم حل الدولتين ويريد مساهمة كولومبيا لمبادرات السلام.
  • في 17 يونيو، فاز السياسي اليميني بالانتخابات الرئاسية، ليستبدل الرئيس المنتهية ولايته خوان مانويل سانتوس.
  • وفي 29 يوليو، اعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن خطته حضور حفل تنصيب الرئيس الجديد في بوغوتا.
  • بعد أقل من اسبوع، في 2 اغسطس، القى نتنياهو رحلته، مشيرا إلى الأوضاع الأمنية المتوترة في جنوب اسرائيل. وتم بدلا عن ذلك اإسال وزير التعاون الاقليمي تساحي هنغبي الى بوغوتا لتمثيل اسرائيل في حفل التنصيب.
    الرئيس الجديد لكولومبيا إيفان دوكي بعد تلقيه وشاح الرئاسة خلال حفل تنصيبه في ساحة بوليفار في بوغوتا، في 7 أغسطس، 2018. (AFP Photo / Raul Arboleda)

     

  • وفي الثالث من اغسطس، أرسلت وزيرة الخارجية الكولومبية المنتهية ولايتها ماريا انجيلا هولغوين رسالة الى وزير خارجية السلطة الفلسطينية رياض المالكي، لإبلاغه بأن رئيسها “قرر الاعتراف بفلسطين كدولة “حرة مستقلة وذات سيادة”. وأبلغت الحكومة المنتهية ولايتها الحكومة الجديدة بمخططاتها، ولكن أخفت كلا الحكومتين ذلك عن الجماهير حتى حفل تنصيب دوكي في 7 اغسطس. وفي 8 اغسطس، تم تسريب أنباء اعتراف كولومبيا بفلسطين للإعلام.

وتصدر الحدث العناوين الدولية بسرعة، ولكن ردت كل من القدس ورام الله على الانباء بحذر شديد. ولم يصدر أي من الطرفين تصريحات كبرى، كأن الطرفين يعلمان بأن هذا الحدث الغريب قد تكون له نتائج مختلفة جدا.

وأصدرت السفارة الإسرائيلية في بوغوتا بيانا غاضبا باللغة الاسبانية، قائلة أنها “متفاجئة جدا وخاب أملها بشدة من القرار”، ليس فقط من اعتراف الحكومة بفلسطين، بل أيضا من “طريقة القيام بذلك”.

وقالت السفارة في بيانها أن هذه ليست طريقة لمعاملة حليف مقرب، وطالبة حكومة كولومبيا الجديدة بإلغاء القرار.

#ULTIMAHORA Comunicado de Prensa de la Embajada de Israel en Colombia sobre los últimos acontecimientos.

Posted by Israel en Colombia on Wednesday, August 8, 2018

وأصدر نائب الرئيس ووزير الخارجية الجدد تصريحات تفيد بأن الاعتراف بفلسطين تم بصورة قانونية، ولكن الحكومة الجديدة سوف تراجع القرار. وقال وزير الخارجية كارلوس هولمس تروخيلو يوم الأربعاء أن الحكومة سوف تأخذ أمرين في الحسبان اثناء اتخاذ قرارها: القانون الدولي، وعلاقات كولومبيا الخارجية.

وبدا في بداية الأمر أن الحكومة الجديدة تفاجأت من اكتشافها أن الحكومة السابقة اعترفت بفلسطين في أيامها الأخيرة. ولكن قالت هولغوين، وزيرة الخارجية المنتهية ولايتها، في مقابلة تلفزيونية أن دوكي، الرئيس الجديد، اعطى موافقته للخطوة.

وفي يوم الخميس، أكد تروخيلو، وزير الخارجية الجديد، على علمه وعلم دوكي بأمر الإعتراف لفلسطين، ولكنه أضاف أنه “نظرا للحذف المحتمل لبعض الأمر” حول طريقة اتخاذ القرار، الحكومة الجديدة “سوف تفحص بحذر عواقبه وتعمل بحسب القانون الدولي”.

وفي وقت لاحق من اليوم، التق نائبة الرئيس مارتا لوسيا راميريز مع السفير الإسرائيلي في بوغوتا، ماركو سيرمونيتا، واستمعت لاحتجاجاته وتعهدت بتوصيلها الى دوكي. وأكدت أيضا على تقدير كولومبيا “للأهمية الاستراتيجية” لعلاقاتها مع اسرائيل.

وزارة الخارجية في القدس أيضا، رفضت لمدة 16 ساعة اصدار أي بيان أو معلومات حول الخطوة لصحفيين اسرائيليين.

وأدى رفض الناطق بإسم الوزارة ايمانويل نحشون توفير ترجمة للغة العبرية لبيان سفارة بوغوتا الغاضب للصحفيين الى ارسال اتحاد الصحفيين الدبلوماسيين رسالة احتجاج رسمية لنحشون.

وبعد بضعة ساعات، اصدر نحشون بيان مقتضب: “تفاجأنا من التقرير في الاعلام وننتظر الحصول على تفسيرات من الحكومة الجديدة، التي تفحص المسألة”.

ومن الواضح أن اسرائيل تفاجأت من خطوة كولومبيا.

وإجراء هنغبي، الوزير الذي مثل إسرائيل في حفل تنصيب دوكي، مقابلات تلفزيونية تمنى فيها “النجاح” لسانتوس، هو احد المؤشرات الى عدم علم اسرائيل بأمر العاصفة القادمة.

وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي تساحي هنغبي يلتقي بالرئيس الكولومبي الجديد ايفان دوكي في بوغوتا، 7 يوليو 2018 (courtesy)

ومن الجدير بالذكر انه لم يكن هناك أي مؤشر. منذ سنوات، كولومبيا هي اكثر صديق لإسرائيل يمكن الاعتماد عليه في امريكا الجنوبية.

وعندما صوتت 138 دولة لصالح منح “فلسطين” مكانة دولة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، امتنعت كولومبيا عن التصويت. وعندما صوتت 128 دولة لإدانة اعتراف الادارة الامريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل في العام الماضي، امتنعت كولومبيا. وفعلا، حتى الأسبوع الماضي، كانت كولومبيا الدولة الجنوب امريكية الوحيدة التي رفضت الاعتراف بفلسطين بشكل أحادي.

وللتعبير عن الشكر على هذا الدعم، كان نتنياهو في شهر سبتمبر الماضي أول رئيس وزراء اسرائيلي يزور الدولة.

“تحت قيادتك في السنوات الأخيرة هناك تحالف رائع [بين اسرائيل وكولومبيا] في الإيمان والمبادئ، والإيمان بالمستقبل”، قال نتنياهو لسانتوس في قصر نارينو الرئاسي في بوغوتا.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس خلال توقيع اتفاقيات في بوغوتا، 13 سبتمبر 2017 (AFP PHOTO / Raul Arboleda)

وبعد أقل من عام، فاجأ سانتوس القائد الإسرائيلي باعترافه خلسة بفلسطين.

سبب قيامه بذلك يحيّر حتى المراقبين المخضرمين للعلاقات الإسرائيلية الكولومبية.

“نظرا لعلاقات اسرائيل القوية جدا مع كولومبيا، من المفاجئ قيام سانتوس بقرار سياسي هام كهذا ايام قبل مغادرته منصبه وبشكل سري”، قالت ليئا سويبل، المديرة التنفيذية جمعية Fuente Latina التي تسعى لتحسين العلاقات بين الدولة اليهودية والدول الناطقة باللغة الاسبانية.

مضيفة: “في كولومبيا عدد كبير من العرب، معظمهم من اصول لبنانية. ولدى العديد منهم مناصب نفوذ رفيعة وبعضهم يشاركون في مبادرات المقاطعة [وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات] هناك. يمكن انهم شكلوا عاملا في قرار سانتوس”.

وكان لدى مصدر فلسطيني تحدث مع تايمز أوف اسرائيل بشرط عدم تسميته، تفسيرا آخرا.

“انها مسالة إرث”، قال المصدر.

وقال المصدر أن سانتوس، الذي فاز بجائزة نوبل للسلام عام 2016 لدوره في انهاء الحرب الاهلية التي دامت 50 عاما في كولومبيا، كثيرا ما واجه اسئلة حول موقفه اتجاه النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

“نعم، سانتوس صديق لنتنياهو، ولكنه يوافق أن نتنياهو لا يفعل أي شيء للتقدم نحو السلام. لذا قرر أنه حان الأوان للإعتراف بفلسطين”.

الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس (إلى اليمين) يسير جنبا إلى جنب مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال حفل الترحيب الرسمي في مدينة رام الله بالضفة الغربية في 4 يونيو 2013. (عصام الريماوي / فلاش 90)

ولم تحظى خطوة سانتوس برد فعل احتفالي في رام الله، لأنه لا زال من غير الواضح ما ستفعل الحكومة الجديدة، قال المصدر الفلسطيني.

مضيفا: “قال وزير الخارجية الجديد انهم سوف يراجعون القرار بناء على القانون الدولي. هذا جيد بالنسبة لنا، لأن هناك سوابق دولية كافية تظهر أنه لا يوجد أي مشكلة بالاعتراف بفلسطين. ولكنه قال أيضا انهم سوف يأخذون بعين الاعتبار علاقات كولومبيا مع حلفائها المقربين، وهو يعني بذلك الولايات المتحدة واسرائيل”.

وسحب اعتراف بدولة بعد القيام به ليسبالأمر البسيط. ولكن من جهة أخرى قد تقوم اسرائيل، أو حتى الولايات المتحدة، بالضغط على دوكي للقيام بذلك.

في الوقت الحالي، يبدو أن أمرا واحدا مؤكد، بعد تخطي الدبلوماسيين الإسرائيليين صدمة هذا الاسبوع، سوف يفعلون كل ما بوسعهم لإقناع دوكي، الذي تحدث قبل اقل من ثلاثة أشهر عن نقل سفارة بلاده إلى القدس، للعودة إلى الأوضاع الراهنة على الأقل.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال