الباحثة العربية أصفهان بهلول تسعى لتغيير نظرة العرب الإسرائيليين تجاه المحرقة اليهودية
بحث

الباحثة العربية أصفهان بهلول تسعى لتغيير نظرة العرب الإسرائيليين تجاه المحرقة اليهودية

أصفهان بهلول، التي كلفها متحف ياد فاشيم بمهمة تثقيف العرب في إسرائيل عن الجرائم النازية، تقول إنها تقوم بدورها في حل النزاع

الباحثة العربية الاسرائيلية  التي تبحث محرقة اليهود أصفهان بهلول. (Doron Golan)
الباحثة العربية الاسرائيلية التي تبحث محرقة اليهود أصفهان بهلول. (Doron Golan)

أصفهان بهلول، باحثة عربية إسرائيلية رائدة في قضية المحرقة، استغرقها بعض الوقت لتحديد كيف تشعر عندما ترى طائرات إسرائيلية تحلق فوق أوشفيتز. كان عليها أن تفكر في ذلك لأسابيع. وبعد ذلك لبضعة أيام أخرى. أرسلت أخيرا إجابتها عن طريق البريد الإلكتروني، والتي سوف تعود هذه المقالة اليها في وقت لاحق.

إن مداولات بهلول، التي وافقت أنها في قلب نضال الهوية المتأصل في عملها، هي سمة من سمات توجهها في المقابلات وأسلوبها البحثي، فهي متواضعة وغير راغبة في تقديم إجابات على أسئلة ليست متأكدة منها.

بهلول، المرشحة لنيل الدكتوراه في الجامعة العبرية، والتي حصلت على منحة مانديل لطلاب الدكتوراة المتميزين، هي إحدى الباحثين البارزين في البلاد وتنظر في السؤال المتجاهل حول كيفية قيام العرب في إسرائيل بالحديث عن المحرقة، حيث يوجد ظهور كبير لأحداث المحرقة في المجتمع.

وقد التقت التايمز أوف إسرائيل لأول مرة مع بهلول في سبتمبر، حيث كانت تتحدث إلى مجموعة من قادة مسلمين من ألمانيا يزورون متحف ياد فاشيم للمحرقة في القدس. وقد كلفتها المؤسسة في عام 2016 بتثقيف المجتمع العربي الإسرائيلي بشأن جرائم النازيين.

وكانت المجموعة الألمانية، التي دعتها اللجنة اليهودية الأمريكية، حريصة على التعرف على تجربة بهلول في تثقيف المسلمين الإسرائيليين حول فصل الإبادة الجماعية في الحرب العالمية الثانية، حيث أنهم رأوا في بلادهم الكثير من الإنكار للمحرقة.

وفي حديثها إلى الحضور في المصطلحات الدقيقة والتقنية في مزيج من اللغة الإنجليزية والعربية والعبرية والقليل من الألمانية، أظهرت بهلول التزاما واضحا لمجال عملها، وشدت أكمام قميصها عندما وصفت “هكذا أهاجم عملي”.

صورة توضيحية لأصفهان بهلول خلال محاضرة في ياد فاشيم. (Courtesy)
صورة توضيحية لأصفهان بهلول خلال محاضرة في ياد فاشيم. (Courtesy)

يتم تجميع الكثير من أبحاثها من خلال النظر في الصحف القديمة والحالية، على الرغم من أن عملها في ياد فاشيم أتاح لها المزيد من الفرص للإنخراط مباشرة في مجتمعها لتوسيع فهمها.

تركت منصبها في ياد فاشيم بعد عام من أجل التركيز على عملها الأكاديمي والتدريس. كما شعرت أن جمهورها العربي يميل إلى الإعتقاد أنها متحيزة عندما تأتي من المتحف، الذي يعتبر رمزا للحكومة الإسرائيلية.

في وقت دراستها وعملها مع الإسرائيليين العرب، قالت إنها وجدت أن “الناس العاديين منفتحون جدا حول [معرفة] موضوع المحرقة”.

ومع ذلك، فهي تلاحظ أن الكثير من الفلسطينيين يريدون رؤية إسرائيل تعلم وتفهم الرواية الفلسطينية أيضا، ولا سيما تاريخ النكبة الفلسطينية.

“نريد أن تسمح لنا وزارة التربية والتعليم بالتعلم عن النكبة، الذاكرة الوطنية التي حلت بنا، وليس فقط الذاكرة الوطنية [للشعب]الآخر”، قالت موضحة الموقف العربي الاسرائيلي.

وفي مقابلة مع التايمز اوف اسرائيل، قال وزير التعليم الفلسطيني صبري صيدم إن تدريس محرقة اليهود في المناهج الفلسطينية “ينظر فيه”، لكن على اسرائيل أيضا اتخاذ اجراءات متبادلة عن طريق تدريس النكبة.

وقد وضعت بهلول نفسها عن علم على خط محفوف بالمخاطر بين عالمين تعيش فيهما – هويتها الإسرائيلية وهويتها الفلسطينية.

وهي على علم بالواقع الحساس التي تتعامل معه أو، كما تحب تسميته، “عصب مكشوف”.

ومع ذلك، طوال عملها ودراساتها، قالت إنها لم تثير غضب أي شخص – ربما حاجب أو اثنين – بل تم تلقيها باحترام وتقدير لعملها.

المثقفون الفلسطينيون يرون “دروس الإنسانية” في المحرقة

إن عمل بهول لا يتعلق فقط بأحداث المحرقة في أوروبا بين الأعوام 1939-1945. إنه يركز على كيفية تذكر تلك السنوات الدموية منذ ذلك الحين، وكيف يتحدث عنها ويستوعبها العرب واليهود في إسرائيل.

ومن الظواهر التي لاحظتها، أنه حتى النقاش حول المحرقة في وسائل الإعلام العربية الإسرائيلية محدود عمدا. وقالت: “وجدت أن المفكرين والمؤلفين والصحفيين والقادة الروحيين هم وحدهم الذين يمكن أن يتحدثوا عن المحرقة، وفقط هم”.

وقالت إن هذا الحد الصارم بشأن من لديه سلطة الحديث عن المحرقة في المجتمع العربي الإسرائيلي، له علاقة كبيرة بحساسية القضية. إنهم لا يريدون تفاقم الجالية اليهودية و/أو ربما يخافون من تنفير المعلنون اليهود في بعض الحالات.

ولهذا السبب، فإن المحررين غالبا ما يسعون إلى الحصول على آراء من العرب في الخارج، مثل المؤلف والكاتب المسرحي اللبناني الياس خوري، الذي يستطيع أن يشارك بشكل أكثر أمانا في الموضوع الحساس.

تعتقد بهلول أن المثقفين العرب الإسرائيليين والفلسطينيين الذين لديهم سلطة التحدث عن المحرقة “أخذوا المناقشة خطوة إلى الأمام”.

لم يكن هؤلاء المثقفين بأي حال من الأحوال ودودين تجاه الدولة الإسرائيلية. وكان من بينهم الباحث إدوارد سعيد والشعراء محمود درويش وسميح القاسم. لكنهم جميعا تحدثوا عن إنكار المحرقة وحثوا الفلسطينيين على الاعتراف بـ”الدرس الإنساني” لتلك الفترة المظلمة.

في حين أن الجزء الأكبر من عملها هو تسجيل وتحليل شظية صغيرة من تشعبات المحرقة، قالت بأنها تعتقد أنه يمكن أن يكون لها تأثير هائل على إسرائيل والفلسطينيين والمنطقة.

وأضافت: “إن الصراع الاسرائيلي الفلسطيني يضع الشرق الأوسط برمته في مربط، دون نهاية فى الأفق. وبطبيعة الحال، فإن الشعب اكتفى من الصراع وعواقبه المريرة والصعبة. فإنه يأخذ خسائر فادحة من كلا الجانبين. إننا نسمع عن خطط مختلفة لصياغة وثيقة تفاهم، ولكن منذ الآمال التي أثيرت خلال أيام أوسلو، لم تتمكن أي مبادرة سياسية من الداخل أو من الخارج باجتياز اختبار الواقع”، في إشارة إلى محادثات السلام الاسرائيلية الفلسطينية في التسعينات.

وتابعت القول: “إن معرفة معاناة الآخر يمكن ان تكون بالتأكيد مفتاحا لعلاج آلام الشعبين”.

دراسة المحرقة هي جزء من هويتي

بدأ اهتمام بهلول في المحرقة في المدرسة الإبتدائية. على عكس الغالبية العظمى من أقرانها العرب، تعلمت في المدارس اليهودية في كل من القدس وعكا.

والدها، زهير بهلول، هو عضو في حزب (الإتحاد الصهيوني)، ووالدتها معلمة في المدارس اليهودية الابتدائية. وقالت إن والديها اعتقدا أن الذهاب إلى مدرسة يهودية سيساعدها على “الاندماج” في المجتمع الإسرائيلي الأوسع.

في عطلة عيد الأضحى المبارك، أصفهان بهلول البالغة من العمر سبع سنوات تأكل الخبز في مدينة عكا، حيث نشأت. (Courtesy)
في عطلة عيد الأضحى المبارك، أصفهان بهلول البالغة من العمر سبع سنوات تأكل الخبز في مدينة عكا، حيث نشأت. (Courtesy)

في المدارس اليهودية، حضرت ما لم يحضره معظم الإسرائيليين العرب: احتفالات ذكرى المحرقة.

وأشارت إلى احتفال في المدرسة الابتدائية.

“كان عدد قليل من الطلاب يقفون على خشبة المسرح في المدرسة. كانوا يقرأون أسماء الضحايا، واحدا تلو الآخر. كنت عاطفية وعصبية جدا. كطفل، لا يمكنك فهم اللحظة كما تفعل عندما تكبر”.

وأضافت: “لم يكن واضحا بالنسبة لي ان استمع الى القصة الكاملة وتاريخ الشعب اليهودي، لأعرف ان ستة ملايين شخص قتلوا بسبب هويتهم”.

في جامعة حيفا، بدأت بهلول دراساتها الأدب والتاريخ العبري، ولكن في مرحلة معينة تحولت إلى الإتصالات.

وباعتبارها طالبة جامعية صغيرة السن، أصغر من معظم زملائها اليهود لأنها لم تضطر إلى الذهاب إلى الجيش – العرب الإسرائيليين معفيون من الخدمة – قبلت الإنضمام إلى طاقم القناة الثانية، إحدى القنوات التلفزيونية الإخبارية في إسرائيل . وبهذه الطريقة، اتبعت خطى والدها، الذي قبل أن يصبح سياسيا، عمل كمذيع تلفزيوني رياضي.

بعد فترة وجيزة من بدء حياتها الصحفية، اندلعت الإنتفاضة الثانية. أخذت استراحة من دراستها للاستثمار في عملها الذي كان يغطي الأحداث في شمال إسرائيل، حيث تعيش الغالبية العظمى من العرب الإسرائيليين.

عندما بدأت في لقب الماجستير بعد ذلك في جامعة حيفا، قالت إن قرارها بدراسة الخطاب العربي حول المحرقة هو “سيرورة”. وقالت إنها لا يمكن أن نشير إلى حدث واحد الذي جعلها تأخذ ما تصفه بنفسها كقرار محير. كان شيء ما هناك، قالت وهي تعوم في وعيها منذ احتفالات المحرقة أيام المدرسة.

وفي الوقت نفسه، قالت إن دراسة المحرقة هي “جزء منها”.

وقالت أن والديها قبلا قرارها بسهولة. كما قالت إنهما عرفا أن هناك “سعر” لإرسالها إلى مدرسة يهودية. وتقول إن أصدقاءها يأتون من “كلا الجانبين – إنهم يحبونني بسبب شجاعتي لاختيار اتجاه غير متوقع”.

أصفهان بهلول تقف خارج جامعة وارسو. (Courtesy)
أصفهان بهلول تقف خارج جامعة وارسو. (Courtesy)

قالت أنها ذهبت إلى بولندا، “لمواجهة التاريخ.”

وأضافت: “مواجهة التاريخ ليست سهلة. هذا يعني التعامل مع الذاكرة الجماعية لنفسك، من الذاكرة الجماعية للاخر (الشعب اليهودي)، الذاكرة الجماعية للبحوث الأكاديمية، والذاكرة الجماعية للتاريخ”.

في ردها على السؤال عن مشاعرها عندما ترى طائرات إسرائيلية تحلق فوق أوشفيتز، بدت وكأنها تتأرجح مرة أخرى إلى زيارتها لمعسكر الموت.

“أوشفيتز هي مقبرة حية تبكي في الألم والحزن والعزاء بطريقة غير مفهومة تقريبا لما تراه العين ولكنها ترفض تصديقه”، كتبت.

وأشارت إلى أن قرار تحليق الطائرات الحربية الاسرائيلية فوق اوشفيتز، الذي بدأ في عام 2003، “أثار جدلا في المجتمع الإسرائيلي” حول كيفية تذكّر المحرقة.

وتقول إنها تتفق مع كلمات المؤرخ الإسرائيلي يهودا باور، الذي كتب “المرء لا يرفع الأعلام في مقبرة، المرء لا يقوم بعروض جوية فوقها. في المقبرة، لا يوجد أيضا أداء منسق بين الطيران العلوي والحفل على الأرض. لهذا الهدف، هناك مسرح. في المقبرة، يمشي المرء على أطراف أصابعه ويبكي”.

هل يجب أن أرتدي القلنسوة في ياد فاشيم؟

في وقت عملها مع المجتمع العربي الإسرائيلي، أشارت بهلول إلى أن موضوع المحرقة وياد فاشيم قد أصبحا مرتبطين ارتباطا لا انفصام فيه مع احتفالات الدولة الإسرائيلية بالنسبة للأقلية العربية.

وكجزء من عملها مع ياد فاشيم، قامت بجولة في المدن العربية في محاولة لإقناع مدراء المدارس لزيارة المتحف – وهي مهمة قالت انها حققت نجاحا كبيرا. على الرغم من أنها لم تجد الكثير من المعارضة للفكرة، كان هناك الكثير من الارتباك.

وقالت أنه في مرة من المرات عندما تحدثت إلى مدير مدرسة “بارزة” عن أهمية المتحف وتعليم تاريخ المحرقة، قاطعها المربي.

“من فضلك، أصفهان، أشعر بالارتباك. هل يجب علينا ارتداء قلنسوة عند زيارة ياد فاشيم؟”.

رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو يتحدث في متحف ياد فاشيم التذكاري في حفل لذكرى المحرقة في القدس في 15 أبريل 2015. (Yonatan Sindel/Flash90)
رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو يتحدث في متحف ياد فاشيم التذكاري في حفل لذكرى المحرقة في القدس في 15 أبريل 2015. (Yonatan Sindel/Flash90)

“تظهر هذه القصة أن هناك فجوة في فهم السكان العرب. وسائل الإعلام تبني صور معينة على شاشة التلفزيون، وعندما يرى الشخص العادي هذه الصور في يوم ذكرى المحرقة، عندما يرون رئيس الوزراء، الرئيس أو الرئيس الأمريكي يضيئون الشعلة الأبدية، فانهم يفهمون أن هذا كل ما يدور ياد فاشيم حوله”.

وأضافت: “إنهم أقل اطلاعا على فكرة أن ياد فاشيم هي مؤسسة لديها مهمة لتمرير الدروس التي تخرج من اطار حفل الذكرى السنوي”.

“نهج جديد” مطلوب، للعرب واليهود

قالت بهلول نقلا عن المفكر العربي الاسرائيلي الراحل سليم جبران الذي دعا الى “أخذ نهج جديد للمحرقة من الجانين العربي واليهودي” من أجل السلام.

وعندما سألت عن النهج اليهودي الجديد الذي يجب أن يتخذ، قالت إنها تعني أن الشعب المهيمن في إسرائيل يجب أن يتعلم قبول قصة أخرى في وسطه.

وأضافت: “إن هذا الصراع، لإستيائي الشديد، لن يحل على ما يبدو بدون اعطاء المجتمع اليهودي الإسرائيلي الشرعية لرواية أخرى داخله”.

“أحاول القيام بواجبي. التحدث عن المحرقة من وجهات نظر مختلفة. ولكن هناك ذاكرة جماعية أخرى داخل المجتمع الإسرائيلي الفلسطيني – الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني. ليس لديها مساحة. وهي مهددة من قبل المجتمع المهيمن. وبالتالي، في كثير من الحالات، يتم محوها”، قالت.

احياء ذكرى النكبة في جامعة تل ابيب، 20 مايو 2015 (Tomer Neuberg/Flash90)
احياء ذكرى النكبة في جامعة تل ابيب، 20 مايو 2015 (Tomer Neuberg/Flash90)

وقالت إن الطريقة التي يرى بها المجتمع اليهودي – الإسرائيلي الأقلية العربية هي معقدة، لأنها تتأثر بعوامل كثيرة، بما في ذلك السياسة الإقليمية. انها لا تقدم حل سحري ولكنها تأمل في نهج جديد.

وأضافت: “إن الوقت وحده سيخبر ما سيتعلمه المجتمع الاسرائيلي من كل هذا”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال