الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان كارثة للكثيرين
بحث
مقال رأي

الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان كارثة للكثيرين

مع استعادة طالبان السلطة، تبرز الذكرى العشرين الوشيكة لأحداث 11 سبتمبر العواقب المروعة لفشل الولايات المتحدة في التعامل مع أحلك القوى في المنطقة

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

مقاتلو طالبان يسيطرون على القصر الرئاسي الأفغاني بعد فرار الرئيس أشرف غني من البلاد، في كابول، أفغانستان، 15 أغسطس 2021 (AP Photo / Zabi Karimi)
مقاتلو طالبان يسيطرون على القصر الرئاسي الأفغاني بعد فرار الرئيس أشرف غني من البلاد، في كابول، أفغانستان، 15 أغسطس 2021 (AP Photo / Zabi Karimi)

مثل كل زعيم وطني، فإن على رئيس الولايات المتحدة التزاما أساسيا بحماية أمن ورفاهية مواطنيه. ومثل سلفه دونالد ترامب، إستنتج الرئيس جو بايدن أن وجود القوات الأمريكية والمتعاقدين في أفغانستان كان له تأثيرا معاكسا – أن الانتشار العسكري الأمريكي، كما قال بايدن يوم الاثنين، “ليس في مصلحة أمننا الوطني”.

فقد آلاف الأمريكيين أرواحهم خلال الحرب التي استمرت 20 عاما منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، عندما بدأت إدارة بوش في استهداف أفغانستان لإيوائها مسلحي القاعدة. لكن بايدن، الذي ورث اتفاقا لسحب آخر بضعة آلاف من القوات الأمريكية، قرر المضي قدما بالقرار، وقال هذا الأسبوع أن ذلك من أجل تجنب “عقد ثالث” من الحرب.

قبل أن ندخل في الخطأ العميق لهذا القرار – الذي شهد في غضون أيام قليلة إهانة الولايات المتحدة وإضعافها في أعين أعدائها – يجب أن نلاحظ أن إسرائيل في العقود الأخيرة نفذت مرتين انسحابات عسكرية متسرعة هنا في المنطقة، في ظل ظروف ونتائج أدت إلى الندم بصورة عامة.

غادرت إسرائيل جنوب لبنان بقرار أحادي الجانب في عام 2000، تحت ضغط شعبي وسط الخسائر المستمرة في أرواح الجنود في المنطقة الأمنية، وغرقت في حرب لبنان الثانية ست سنوات لاحقا. الآن تواجه إسرائيل جيش حزب الله الكامل على تلك الجبهة. لقد غادرت أيضا غزة من جانب واحد في عام 2005، واختارت عدم التفاوض على الانسحاب مع السلطة الفلسطينية أو الالتفات إلى التحذيرات التي شجعت الجماعات الفلسطينية من شأنها أن تملأ الفراغ الناتج مدعية البراءة. إسرائيل الآن تواجه احتكاكات لا نهاية لها وصراع دموي متقطع مع حماس.

وبكلمات أخرى، فإن إسرائيل ليست محصنة ضد الرغبة في المغادرة والهروب.

وهذا ما فعلته الولايات المتحدة الآن في أفغانستان، فيما يعتبر أن له تأثيرا مدمرا. لقد أعادت أفغانستان إلى حركة طالبان الذين “عندما سيطروا على البلاد آخر مرة، اضطهدوا النساء بوحشية منهجية لا مثيل لها من قبل أي نظام آخر في جميع أنحاء العالم؛ ذبحوا المدنيين بشكل عشوائي؛ قيدوا التعليم؛ دمروا الزراعة؛ منعوا الثقافة والاستجمام”.

مقاتلو طالبان في سيارة على جانب الطريق في كابول، 16 أغسطس 2021 ، (AFP)

علاوة على ذلك، فقد أثبتت الولايات المتحدة، بتوجيهها أفغانستان إلى مصيرها المروع، أنها غير قادرة على تشكيل الجيش الأفغاني في قوة قتالية كفؤة، على الرغم من كل التدريبات، وعشرات المليارات من المعدات، والأرواح المفقودة.

وبينما يلقي بايدن الآن باللوم على القادة السياسيين الأفغان في الفرار، والجيش الأفغاني لإلقاء أسلحته، تكشف الولايات المتحدة أيضا عن عدم قدرتها على الاعتراف بعدم موثوقية حلفائها الأفغان. في الآونة الأخيرة، في 8 يوليو، أكد بايدن برضا مضلل أن “احتمال قيام طالبان بتجاوز كل شيء وامتلاك الدولة بأكملها أمر غير مرجح إلى حد كبير”.

بالنسبة لإسرائيل، فإن الكارثة هي تعزيز إصرارها على أنها نجت، وهي وحدها، تضع حياتها على المحك في الدفاع  – حتى عندما تصوغ وتعزز تحالفاتها مع حلفائها الحيويين، بالأخص الولايات المتحدة الأمريكية. إسرائيل لا تطلب من الولايات المتحدة أو أي قوى أخرى أن تخاطر بحياتها من أجلها، ولا يجب أن تجرؤ على الاعتماد على أي دولة أو تحالف آخر لحمايتها.

مسؤولو طالبان يرتبون علم طالبان قبل مؤتمر صحفي للمتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد، في مركز الإعلام الحكومي، في كابول، أفغانستان، 17 أغسطس 2021 (AP Photo / Rahmat Gul)

بالنسبة لإسرائيل وحلفائها وأشباه حلفائها في المنطقة، فإن سوء تعامل الولايات المتحدة مع أفغانستان هو صادم ومرعب أيضا لأنه يوفر العون للجماعات المسلحة والأنظمة المتطرفة. أول هذه الأنظمة هي إيران، التي تلعب مع الولايات المتحدة في مفاوضات حول العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، عاقدة العزم على تدمير “الشيطان الصغير” وهو إسرائيل، والآن أصبحت أكثر ازدراءا نحو “الشيطان الأكبر”.

بالنسبة للولايات المتحدة، مع ذلك، فإن أسوأ شيء في نهاية المطاف بشأن “التخلي عن أفغانستان لبعض القوى الأكثر ظلمة على هذا الكوكب” هو أنها تنفي، بدلا من أن تخدم، الالتزام الرئاسي الأساسي لضمان أمن ورفاهية الشعب الأمريكي. تم تقليص انتشار القوات الأمريكية إلى حد كبير، وتم تقليص الخسائر، التي لا تزال فظيعة بالطبع، إلى جزء صغير مقارنة مع الخسائر في السنوات السابقة. تشير التجربة المريرة إلى أن الرحيل السيء الحظ وعواقبه سيترتب عليه تكلفة أكبر بكثير من تكلفة استمرار نشر القوات.

اشتكى الرئيسين الأمريكيين السابقين قبل بايدن من أنه، على الرغم من التزام الولايات المتحدة بدعم الحرية والديمقراطية، فإن مهمة أمريكا هي ليست حل جميع مشاكل هذا الجزء من العالم (باراك أوباما) وخوض حروب منطقتنا الغبية (دونالد ترامب). لكن هذه الكارثة التي تدور حول الذكرى العشرين لأحداث 11 سبتمبر، عندما فقد 3000 شخص حياتهم في هجوم القاعدة على أمريكا، تؤكد بشكل قاتم العواقب المباشرة للولايات المتحدة نفسها لفشلها في تقدير قوة قاسية ومتطورة تتآمر لإلحاق الأذى بها.

أشخاص ينتظرون إجلاؤهم من أفغانستان في مطار كابول في 18 أغسطس 2021 (AFP)

تلك القوى الرجعية، ومعظمها يخطط استراتيجيا في منطقتنا من العالم، معادية بشكل قاتل لكل ما هو أفضل في أمريكا – دفاعها عن الحريات، التزامها بالديمقراطية، كفاحها من أجل الفرص والمساواة، وإنسانيتها الأساسية. اليوم، أصبحت هذه القوى اليوم أكثر ثقة وأقوى مما كانت عليه قبل أيام قليلة. ويبدو أن معقل دفاع العالم الحر ضدهم، الولايات المتحدة الأمريكية، متعب ومتردد.

هذا، مع خطر التقليل الكارثي، ليس في مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة.

الرئيس الأمريكي جو بايدن بعد حديثه عن استيلاء طالبان على أفغانستان، يغادر من الغرفة الشرقية للبيت الأبيض، في 16 أغسطس 2021، في واشنطن العاصمة. (بريندان سميالوفسكي / وكالة الصحافة الفرنسية)
اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال