الأردن المحبطة منذ فترة طويلة تجد أخيرا طريقة لضرب نتنياهو عقب الخلاف الدبلوماسي بين البلدين
بحث
تحليل

الأردن المحبطة منذ فترة طويلة تجد أخيرا طريقة لضرب نتنياهو عقب الخلاف الدبلوماسي بين البلدين

الخلاف الدبلوماسي الذي دفع عمان إلى إحباط دورة النصر التي كانن يعتزم نتنياهو القيام بها في الخليج متجذرة في شعورها بأنه لا يحظى بالتقدير وبالضعف، وبأنها باتت بيدقا في الحملة الانتخابية لرئيس الوزراء

لازار بيرمان
وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي يتحدث للصحافة في عمان، الأردن، 12 سبتمبر، 2019. (Screen capture Al-Mamlaka TV)
وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي يتحدث للصحافة في عمان، الأردن، 12 سبتمبر، 2019. (Screen capture Al-Mamlaka TV)

سنوات من الإحباط الأردني من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وصل إلى مرحلة الغليان هذا الأسبوع، حيث بدا أن المسؤولين في عمان يتهمونه بتعريض المنطقة للخطر لأسباب سياسية، وزعموا أن إسرائيل انتهكت الاتفاقات المبرمة معهم.

في مؤتمر صحفي الخميس، قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي: “هناك من يقامر بحق المنطقة وشعوبها العيش بسلام من أجل مصالح انتخابية شعبوية، وعبر إجراءات لا شرعية تقوض فرص تحقيق السلام… وتدمر الثقة التي هي ضرورية وأساس لأي خطوة باتجاه حل الصراع وتحقيق السلام”.

جاءت تصريحات الصفدي بعد يوم من إلغاء ولي العهد الأردني الأمير حسين بن عبد الله فجأة زيارة كانت مقررة إلى الحرم القدسي بسبب خلاف مع السلطات الإسرائيلية حول حراسه.

وردت الأردن بتأخير الموافقة على مسار رحلة رئيس الوزراء فوق أجواء المملكة إلى الإمارات العربية المتحدة في زيارة كانت مقررة يوم الخميس. وفي النهاية تم تأجيل زيارة نتنياهو إلى موعد غير معروف.

وقال الصفدي: “سموه أراد أن يقوم بزيارة دينية إلى المسجد الأقصى المبارك الشريف لاداء الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، وهي المناسبة ذات المغزي الديني الكبير لكل المسلمين، وكنا اتفقنا مع إسرائيل على ترتيبات لهذه الزيارة، وتفاجأنا في اللحظة الأخيرة أن إسرائيل أرادت أن تفرض ترتيبات جديدة وأن تغير من برنامج الزيارة، مما كان سيضيق على المقدسيين في ليلة عبادة، في ليلة هي للصوم وللعبادة”.

وامتدت تصريحات وزير الخارجية بشكل استثنائي إلى مكانة الحرم القدسي. “المسجد الأقصى المبارك هو مكان عبادة خالص للمسلمين لا سيادة لإسرائيل عليه… وبالتالي لا نقبل بأي تدخل إسرائيلي في شؤونه”.

ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مقر الأمم المتحدة، 21 سبتمبر 2017 (Frank Franklin II / AP)

استولت إسرائيل على الحرم القدسي في البلدة القديمة في حرب “الأيام الستة” عام 1967 ومددت سيادتها لتشمل القدس. ومع ذلك، سمحت للوقف الأردني بالاستمرار في الحفاظ على السلطة الدينية في الموقع، حيث يُسمح لليهود بالزيارة، لكن تُحظر عليهم الصلاة فيه. وتم ترسيخ دور الأردن كوصي في اتفاقية السلام التاريخية بين إسرائيل والأردن في عام 1994.

على السطح، يبدو أن الأزمة الدبلوماسية هذا الأسبوع قد جاءت من العدم.

وقال عوديد عيران، وهو عضوأبحاث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب وسفير سابق لدى الأردن، “حدثت تطورات إيجابية مؤخرا”. عيران يشير إلى اللقاء الذي جمع في الأسبوع الماضي بين الصفدي ووزير الخارجية غابي أشكنازي عند معبر اللنبي (جسر الملك حسين) بين الضفة الغربية والأردن، وهو الاجتماع الثالث من نوعه عند المعبر.

لكن العلامات المشجعة في الأسابيع الأخيرة لم تستطع التغلب على مشاعر المسؤولين في الأردن تجاه نتنياهو.

وقال جوشوا كراسنا، وهو خبير في شؤون الشرق الأوسط في مركز موشيه ديان في جامعة تل أبيب: “الأردنيون غير راضين عن نتنياهو، ولم يكونوا كذلك منذ فترة طويلة”.

في عام 2019، قال العاهل الأردني الملك عبد الله إن العلاقات بين إسرائيل والأردن “في أدنى مستوياتها على الإطلاق” بعد سلسلة من الأحداث التي دفعت عمان لاستدعاء سفيرها لدى إسرائيل.

في ذلك العام ، أنهت الأردن الترتيبات الخاصة التي سمحت للمزارعين الإسرائيليين بالوصول بسهولة إلى أراض داخل الأردن. كما تسبب اعتقال إسرائيل لمواطنين أردنيين بتهمة الإرهاب في خلاف دبلوماسي بين البلدين.

تربط الأردن وإسرائيل علاقات أمنية قوية، لكن العلاقات السياسية توترت أيضا بسبب سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين والحرم القدسي، الخاضع للوصاية الأردنية، حتى مع التقارب الذي حدث بين إسرائيل من دول عربية أخرى.

في عام 2017، استقبل نتنياهو حارس أمن إسرائيلي استقبال شرف بعد أن قتل مواطنين أردنيين خلال هجوم طعن مزعوم تعرض له في شقة تابعة للسفارة الإسرائيلية في عمان.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في 25 يوليو / تموز 2017 يلتقي حارس الأمن زيف, الذي أطلق النار على اثنين من الأردنيين أثناء تعرضه للطعن من قبل أحدهما في مسكن السفارة الإسرائيلية في عمان في 23 يوليو / تموز. (Haim Zach/GPO)

دفعت إسرائيل حوالي 5 ملايين دولار كتعويض لعائلة الضحيتين، ولم يحاكم الحارس أمام محكمة إسرائيلية، كما طالبت عمان.

وقال عريب الرنتاوي، وهو محلل أردني ورئيس مركز القدس للدراسات السياسية: “كان ذلك استفزازا كبيرا”.

كما يشعر الأردنيون بالإحباط بسبب اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ”اتفاقيات إبراهيم” التي وقعتها إسرائيل مع البحرين والإمارات.

علنا، لا خيار أمام عمان سوى الثناء على الاتفاقات، حيث تربطها علاقات وثيقة مع الإمارات والولايات المتحدة، التي توسطت في الصفقة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وهي تحاول استعادة التعاون الوثيق مع المملكة العربية السعودية.

“لكنهم غير سعداء”، كما يقول كراسنا. “جزء من عدم الرضا هذا يتجلى في حقيقة أنهم يقولون باستمرار، بمن فيهم الصفدي أمس، إن هذه الاتفاقات لا ينبغي أن تأتي على حساب الفلسطينيين، وأن السبيل الوحيد لحل القضية الفلسطينية هو من خلال حل الدولتين”.

ووصف كراسنا استياء الأردن من الاتفاقات بـ”تعاسة الزوجة من العشيقة الجديدة”.

وشدد على أن “الأردنيين – وبالمناسبة المصريين أيضا – دفعوا ثمنا باهظا عندما أبرموا معاهدات سلام مع إسرائيل”.

ومع ذلك، كان على جارتي إسرائيل أن تراقبا إدارة ترامب تصمم اتفاقيات السلام التاريخية في المنطقة دون الاعتماد على تدخل مصري أو أردني.

العاهل الاردني الملك حسين، الى اليسار، يشعل سيجارة رئيس الوزراء يتسحاق رابين بعد حفل توقيع معاهدة السلام الاسرائيلية الاردنية يوم الاربعاء، 26 أكتوبر، 1994 في العقبة ، الاردن. (AP Photo / pool / IGPO)

وقال كراسنا: “فجأة تتحدث إسرائيل عن العلاقات والفرص الرائعة التي تتمتع بها مع الإمارات والبحرين وربما مع دول أخرى … يشعر الأردنيون والمصريون بأنه تم التخلي عنهم مرتين”.

“المرة الأولى، عندما كان كل هذا يحدث دون أن يقوم أحد بإبلاغهم، بما في ذلك الأمريكيون. والمرة الثانية، كما يقولون، ’نحن الذين قطعنا شوطا إضافيا وقمنا بالعمل الشاق حقا. من الأسهل على الإمارات والبحرين التوصل إلى سلام مع إسرائيل مما هو عليه بالنسبة لمصر والأردن. ولكن لسبب ما، فإن الشركاء الجدد الباقين أكثر جاذبية للإسرائيليين من الشركاء القدامى الذين عملوا وكافحوا من أجل هذه العلاقة لفترة طويلة’”.

تشعر الأردن – وإلى حد ما إسرائيل – بخيبة أمل من نتائج اتفاق السلام لعام 1994، وقد أقر الملك عبد الله الثاني في مقابلة أجريت معه قبل 12 عاما بذلك: “إنه سلام بارد، وعلاقتنا تزداد برودة”.

لم ينظم أي من الجانبين أي أحداث رئيسية للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين للمعاهدة في عام 2019.

حتى عندما وقع الجانبان على صفقات كبيرة تهدف إلى إفادة جميع الأطراف، ساءت الأمور. كان الهدف من صفقة بقيمة 10 مليارات دولار تم توقيعها في عام 2016 توفير 45 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي للأردن على مدار 15 عاما. لكن في عام 2020، بعد أيام فقط من بدء استيراد الغاز الإسرائيلي ، صوت البرلمان الأردني بالإجماع على حظر مثل هذه الإمدادات (رغم أنه يفتقر إلى القدرة على فرض مثل هذا الإجراء). كما أن الصفقة كانت أسيرة لأسعار أعلى من سعر السوق لعام 2021.

الانتخابات المتكررة في إسرائيل خلال العامين الماضيين زادت الأمور سوءا، مما جعل الأردن تشعر بأنها بيدق في مناورة نتنياهو السياسية. عارض عبد الله علنا مساعي نتنياهو لضم أجزاء من الضفة الغربية العام الماضي – التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها حيلة انتخابية – والتي تراجع رئيس الوزراء عنها كجزء من الاتفاق لتطبيع العلاقات مع الإمارات.

وقال كراسنا: “إنها تضعهم في مكان لا يريدون أن يكونوا فيه. لديهم الكثير من العلاقات مع الفلسطينيين. وإسرائيل، لأسباب تتعلق بالانتخابات، تضع الأمور التي كان يتم التعامل معها بهدوء باعتبارها ربما حجر الزاوية في أحدث حملة انتخابية لنتنياهو”.

العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني، الثاني من اليمين، يقوم بجولة في منطقة استأجرتها اسرائيل سابقا مع ولي العهد حسين وضباط عسكريين، 11 نوفمبر، 2019. (Yousef Allan / Jordan Royal Court via AP)

بينما ورد أن عبد الله التقى بهدوء بوزير الدفاع بيني غانتس مؤخرا، أفادت تقارير أنه رفض طلبات نتنياهو للقاء بينهما.

وقال كراسنا: “من الواضح جدا للأردنيين أن أي لقاء مع نتنياهو خلال العامين المنصرمين سيُستخدم على الفور لأغراض انتخابية”.

ومما يزيد من استياء الأردن الأخير من إسرائيل هو قلقها من تآكل نفوذها في الحرم القدسي. في عام 2019، ادعى الملك عبد الله أنه يتعرض لضغوط لتغيير دور بلاده التاريخي كوصي على الأماكن المقدسة في القدس، وتعهد بمواصلة حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، واصفا إياها بـ”الخط الأحمر”.

ورأى خبراء في شؤون الشرق الأوسط في الماضي أن المملكة العربية السعودية مهتمة بتولي المسؤولية عن الحرم القدسي، الوصي على أقدس موقعين إسلاميين في مكة والمدينة داخل أراضيها.

في يناير 2018، قال زعيم المعارضة آنذاك يتسحاق هرتسوغ إن السعودية يمكن أن تلعب دورا رئيسيا في القدس، وأن تأخذ على عاتقها مسؤولية إدارة الأماكن المقدسة الإسلامية في أي اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

وقال كراسنا: “إنهم في منافسة مع لاعبين آخرين في المنطقة. السلطة الفلسطينية تحاول باستمرار زيادة نفوذها في الحرم القدسي، والأتراك يحاولون باستمرار زيادة نفوذهم”.

رجال مسلمون يؤدون صلاة الجمعة في الحرم القدسي في البلدة القديمة، 31 يناير، 2020. (Ahmad Gharabli / AFP)

“هذه مسألة هيبة للعائلة المالكة، بالنسبة للأردن. ولكن ليس فقط مسألة هيبة. إنها إحدى القضايا التي تعتبرها العائلة المالكة الأردنية حقا مفتاحا لاستمرار شرعيتها السياسية”.

لذلك هذا الأسبوع، ما كان من المفترض أن يكون احتفالا بصفقة التطبيع الإسرائيلية مع الإمارات – بالإضافة إلى خطوة لتعزيز أوراق اعتماد نتنياهو الدبلوماسية قبل الانتخابات – يمكن أن يكون الآن قد تحول إلى عبء غير مستحب بالنسبة لنتنياهو.

ويلقي العديد من المراقبين باللائمة على طريقة تعامله وبرود العلاقات مع الأردن.

وقال عيران، السفير السابق لدى الأردن: “هذا شيء ما كان يجب أن يحدث. هناك انعدام للثقة بين الجانبين، ونقص في الحوار على أعلى المستويات، وهذا ما يحدث”.

وقالت عضو الكنيست السابقة عن حزب “المعسكر الصهيوني” كسينيا سفيتلوفا، وهي الآن عضو في معهد “ميتفيم”: “الأزمة الحالية لم تأت من فراغ. إن حكومات نتنياهو على مر السنين تضر بعلاقتنا الاستراتيجية مع الأردن. لقد حان الوقت لتقدير جيراننا المقربين والاستثمار في إصلاح العلاقات معهم”.

ساهمت في هذا التقرير وكالات.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال